عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإنجليز وتفعيل العشائرية:
من الأمور التي يمكن أن يستدل بها المرء على قدرة العشائرية وقابليتها، على أن تكون ترياقاً مثبطاً ومعطلاً للدفع الحضاري، ما عُرف عن الاستعمار البريطاني من حرصٍ شديدٍ على تفعيل هذه النزعة وسط الشعوب التي يستعمرها. ولا غرابة في ذلك! فاعتناق نظرية "فرق تسد"، وهي النظرية المفضلة لدى أنظمة الحكم الاستعمارية، والشمولية، تقود، وبشكل طبيعي، الكيان المسيطر، سواءً كان كياناً استعمارياً وافداً أو كياناً شمولياً محلياً، إلى العمل الدءوب على شرذمة القوى التي تتهدد وجوده. ولذلك فقد كان البريطانيون حريصين، غاية الحرص ألا تتبلور القومية السودانية، وألا يتبلور انتماء سكان القطر فتصبح كلمة "سوداني" هي المظلة التي يستظل بها الجميع. كان الإنجليز حريصين، على أن يثبت كل سوداني اسم قبيلته في الأوراق الرسمية. وكانوا كثيراً ما يسألون المواطن: إلى أي قبيلةٍ تنتمي؟! ولقد قاوم أبكار المتعلمين السودانيين هذه الخطة البريطانية، وكان يصرون على القول بأنهم "سودانيون"، الأمر الذي كان يضايق البريطانيين كثيراً. ولقد استخدم البريطانيون نفس هذا النهج في فترة حكمهم لدول الخليج العربية، الأمر الذي أبقى على اسم القبيلة، مرتبطاً باسم الفرد، حتى يومنا هذا. فمن خطط المستعمر، أي مستعمر، ألا يصحو الشعب الواقع تحت نير حكمه القهري الفوقي، وألا يكتسب من الوعي ما يجعله يطالب بتقرير مصيره.
اهتم الاستعمار البريطاني أكثر من غيره من القوى الاستعمارية الغربية، بدراسة حالة الشعوب التي يحكمها. فلقد ركز البريطانيون على دراسة منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة إفريقيا جنوب الصحراء، ومنطقة جنوب شرقي آسيا، وغيرهما من الأقاليم التي استهدفوها بالاستعمار. وقد شملت الدراسات الاستعمارية الديانات، والطوائف المنضوية تحتها، والجغرافيا، والتاريخ، والتركيبة السكانية، والثقافة، والموارد الطبيعية، والأنثروبولوجيا، وغير ذلك من حقول البحث العلمي. كما  تمت الاستفادة من كتابات الرحالة، ومن تراكم المعارف لدى البعثات التبشيرية، نتيجةً لاحتكاكها بالمجتمعات الريفية، المحلية، التي وفدت إليها. وتمت الاستفادة، أيضاً، من أعمال الأنثروبولجيين، وعلماء الاجتماع، وغيرهم. جرى استغلال كل ذلك، في رسم الخطط قصيرة وطويلة الأجل، من أجل الإبقاء على الهيمنة الاستعمارية، وعلى استدامة الاستكانة للسيطرة الاستعمارية، أطول مدةٍ ممكنة. فأهم الوسائل لتمديد الهيمنة الاستعمارية، إنما يتلخص في خلق نخب ترتبط مصالحها ارتباطاً عضوياً، بمراكز الهيمنة الاستعمارية. ولذلك، فقد بقيت مصالح النخب المحلية التي صنعها المستعمر، مرتبطةً بالمستعمر، حتى بعد خروجه. فقد تطورت مصالح الوطنيين الممسكين بمفاصل السلطة والثروة، في تناغم مع التحول الذي طرأ على أساليب الاستعمار، التي انتقلت من السيطرة العسكرية، وإدارة البلدان المستعمَرَة من الداخل، إلى إدارتها من على بعدٍ من الخارج، عن طريق النخب المحلية، التي تم تكييفها لتخدم المصالح الاستعمارية، بعد أن ارتبطت رؤيتها ومصالحها بالرؤية وبالمصالح الاستعمارية.
البداوة والسلفية الجهادية:
لكي يبقي المستعمر من يستعمرهم مباشرة، أو غير مباشرة تحت قبضته، فإنه يعمل على تعطيل نمو وعيهم. وعلى خلق حالات من النزاع تتسع كل حين ويصعب إيقاف تناسلها. وبما أن القبيلة تمثل أقوى تعبيرات البداوة، والعشائرية، عن ذاتيتيهما، فقد أصبحتا المركبين المفضلين للسلطات، استعمارية كانت أم وطنية، للإبقاء على الحالة الراهنة القائمة، أو ما يسمى بالـ status quo. فالبدوية والعشائرية تعملان بطبعهما ضد بناء القومية الواحدة، وتعيقان، بحكم نزعتهما التي تعلي من قدر الذات، وتحط من قدر الغير، جهود ترسيخ قواعد المواطنة، وفق المفاهيم الدستورية العصرية. فالقبلية بطبعها المودع فيها، تهتم، أكثر ما تهتم، بالعرق، فالفضيلة عندها مرتبطة بالعرق. وربط القيمة والفضيلة بالعرق، يثير، وبالضرورة، حنق من تجعل منهم الأدبيات البدوية، قوماً أقل محتداً، وشأناً، وفضيلة. والإسلام حين جاء، إنما جاء مناقضاً، ومنذ الوهلة الأولى، لقيم البداوة، وللقبلية، وللاستعلاء العرقي. فقد قال النبي الكريم: ((كلكم لآدم، وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم!!)). وهكذا، نقل الإسلام، وببساطة شديدة، وبحسمية شديدة أيضاً، متعلق القيمة، من نطاقٍ أقل حضارية، إلى نطاق أكثر حضارية، وبما لا يقاس. فهو قد أبعدها من ضيق العرق إلى رحابة القيمة الإنسانية المعرفية والخلقية. أو قل أخرج متعلق القيمة من الزهو العرقي العنصري، إلى رحابة النفع، وإشاعة الخير بين الناس: ((الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله، أنفعهم لعياله)).
لقد تنبه الدارسون البريطانيون، وأصحاب الدراسات المرتبطة بالعمل الاستخباراتي، في حقبة الاستعمار، إلى أهمية التكوينات القبلية، والانتماءات العرقية، في خلق حالات التشرذم، وفي استدامة حالات النزاع. ولقد لعب الاستعمار البريطاني، والمخابرات البريطانية، الكرت القبلي، البدوي، بنجاح مشهود، في مناطق مختلفة، ومواقع مختلفة، وفتراتٍ مختلفة، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط. فلكي تفرغ الإسلام من محتواه الحضاري، عليك فقط أن تجمع بين النزعة القتالية البدوية، وبين الدعوات الدينية السلفية التبسيطية. كما عليك تسييس الطوائف الدينية وتفعيل القوى العشائرية. والآن، فإن الأمريكيين، الذين يحاولون خلق حالة استعمارية شبه تقليدية جديدة، ينحون نفس هذا المنحى في العراق، وفي أفغانستان، ولكن بنجاح أقل من النجاح المشهود الذي حققه البريطانيون في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين. فالأحوال تغيرت، وأصبحت الشعوب أكثر وعياً من ذي قبل. كما أن المواطن الغربي، الذي كان يدعم سياسات الحكومات الغربية الاستعمارية، قد أصبح، هو الآخر، أكثر وعياً بحقوق الآخرين، وبقيمتهم الإنسانية. وعلى أقل تقدير، فقد أصبح هذا المواطن الغربي أقل حماساً لتقديم الدم ثمناً للنفط، ولغير النفط، من الاحتياجات اليومية الغربية. ومع ذلك فإن هذه السياسات، لا تزال تحقق شيئاً من النجاح.
جيشت الحركة الوهابية في الجزيرة العربية قبائل البدو، وسلحتهم بعقيدة سلفية تبسيطية مصمتة، وهاجمت بهم المراكز الحضرية في الحجاز، وفي العراق، وفي الكويت. ولقد كان الظرف التاريخي مواتياً تماماً لكي تنجح تلك الحركة وتخلق دولةً كبيرة. فالإمبراطورية العثمانية كانت تفقد مشروعيتها الدينية، وأخذت تتآكل، وبسرعة كبيرة. ولم يكن من الممكن وقف انحسار ظلها. فهي لم تعد في تلك اللحظة التاريخية  قادرة على الوقوف أمام مخططات الغرب، الهادفة لخلق شرق أوسط جديد، وفق الحاجة الغربية آنذاك. وذات التاريخ يعيد نفسه اليوم، من حيث التوجه لخلق شرق أوسط جديد، ولكن في سياقٍ مختلف. غير أن الجزيرة العربية، التي سادتها الرؤية الوهابية، ظلت تعاني من آثار هذا المزيج البدوي، السلفي، التبسيطي، خاصةً وأن المذهب الوهابي اكتسب بتحالفه مع السلطة القائمة، بعداً سياسياً، رسالياً، وأصبحت له تطلعاته للتمدد خارج جزيرة العرب. وحين تم اكتشاف النفط، وتنامت الثروة في قفزات كبيرة، في العربية السعودية، أكتسب هذا الحلف قوة أكبر، بلغت أن جعلت له تأثيراتٍ حقيقية تعدت جزيرة العرب، لتطال الفضاء العربي الإسلامي برمته. فلقد غير البترودولار الخريطة الفكرية والسياسية للمنطقة العربية برمتها. غير أن تقدم الزمن أبرز خطورة الشق الديني من التحالف بين البيتين الوهابي والسعودي، على السلطة الزمنية، التي تمثل الشق الآخر منه. فكلما تقدم الزمن، كلما تناقض هذا المزيج السلفي الرعوي مع اندياحات الحداثة، وتمدداتها. وكلما ظهر أن السلفية الجهادية تولد أشكالا مناقضةً ومناهضةً، للصورة الأولى للحلف. وتحاول العربية السعودية الآن، وبمختلف الأساليب، تلمس طريق آمنٍ للخروج من هذه الوهدة، من غير أن تحرز، حتى الآن، سوى نجاحاتٍ محدودةٍ جداً. فبالإضافة لحالة الاختناق الاجتماعية الداخلية، التي خلقها تفعيل البداوة سياسياً، وتقوية سلطتها بالعقيدة السلفية الجهادية، في مجتمعات الجزيرة العربية، وخاصةً في المجتمع السعودي، وهو الأكبر حجماً، والأكبر وزناً بين مجتمعات الجزيرة العربية، فإننا نجد أن نشوء تنظيم القاعدة، وهو تنظيم انطلق من ذات الأرضية، قد أخذ يسبب صداعاً مزمناً، لا لذلك الحلف، وأهل الجزيرة العربية، وحسب، وإنما للإقليم برمته، وللعالم بأسره. لقد تغلغل تنظيم القاعدة في اليمن، وتغلغل في العراق، وتغلغل في الصومال، بل ودخل إلى أعماق الصحراء الكبرى في إفريقيا ليهدد الدول العربية الإسلامية، المشاطئة لحوض المتوسط، وساحل الأطلسي، إضافةً إلى الدول الإفريقية ذات الغالبية المسلمة جنوب الصحراء الكبرى. ولو أردنا أن نرى أبشع ما يمكن أن ينتج من مزيج العشائرية، والسلفية الجهادية، فلننظر إلى ما يصنعه الشباب الصومالي اليوم بالناس في الصومال، وبالصومال نفسه. ولست بحاجة إلى الإشارة إلى ما يشير إليه كثير من الباحثين، وهو أن هذا الصومال المتشظي، والذي انفرط فيه عقد الدولة المركزية، هو، وللغرابة، من أكثر أقطار القرن الإفريقي تجانساً، من حيث اللغة، والعقيدة، والعرق. فهو لا يعاني من المشاكل التي تعاني منها الأقطار شديدة التنوع، كالسودان، مثلاً. غير أن العقيدة السلفية الجهادية النزَّاعة إلى تكفير المسلم المختلف، والتي لا ترضى بغير انصياع الجميع لها، لا تترك للآخرين مساحة للتوافق وللتسويات. يضاف إلى ذلك، أن شدة الصلف العشائري، والانحصار الموبق في رؤية كل شيء من خلال منظور المصلحة الجهوية الضيقة، لا يتركان للآخرين المستهدفين بالإقصاء، فرصةً سوى فرصةَ حمل السلاح. كل هذه السوءات البنيوية في الوعي الجمعي النخبوي التراكمي، هي التي جعلت من الصومال نموذجاً لا يشق له غبار في فشل الدولة. وأخشى أن نكون، نحن السودانيين، على ذات الطريق المفضي إلى الخراب العظيم، والهلاك الماحق!!
لو نظرنا إلى تاريخ ما يسمى بالثورة العربية، والمشاريع الوطنية المختلفة لقوى اليسار العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين، ثم إلى انهيار هذه المشاريع في بضع عقود من الزمان، وبروز ما يسمى بـ "المد الإسلامي"، أو "الصحوة الإسلامية"، لوجدنا أن ما زرعه الإنجليز في المنطقة العربية، في القرن التاسع عشر، لا يزال يؤتي أكله في خدمة المصالح الغربية، حتى يومنا هذا. باختصار شديد، ما عليك سوى تفعيل الطائفية، والقبلية، والبداوة، والعشائرية، وحقنهما بالمفاهيم الدينية الجهادية التبسيطية، ليصبح الاضطراب والتفكك، والتشرذم، هي النتيجة الطبيعية. ولذلك حين انفصل السودان من حضارته القديمة، وروحانيته القديمة، واجتاحته جوائح القبلية والعشائرية والشكلانية الفقهية أصبح مرتعاً لعبث اليد الأجنبية الإقليمية، والدولية، سواء بسواء!
إثيوبيا والبحث عن نموذج للتحديث:
يمكن القول أن دولة إثيوبيا حفظت كيانها الثقافي التاريخي الذي لم يتعرض قط للانقطاعات. كما سلمت تماماً من الاستعمار. ولو استثنينا السنوات القليلة التي احتل فيها الإيطاليون أديس أبابا، (1936م-1941م)، أثناء فترة الصراع العسكري العنيف، الذي جرى في القرن الإفريقي بين البريطانيين والإيطاليين، في فترة الحرب العالمية الثانية، لأمكن القول إن إثيوبيا لم يتم احتلالها بواسطة المستعمرين على الإطلاق. وما من شك أن وعورة الأراضي الإثيوبية، وقدرة الإثيوبيين على أن يعيشوا حياةً مكتفيةً ذاتياً فوق موائدَ صخريةٍ شاهقة العلو، كبيرةَ المساحة، قد كانت من العوامل التي لعبت دوراً كبيراً في حماية قلب الهضبة من الاحتلال. غير أن الأمر يتعدى، من وجهة نظري، مجرد الحماية التضاريسية التي وفرتها طبيعة أثيوبيا لأهل إثيوبيا، إلى السيرورة التاريخية التي أنتجت هذه الأمة ذات الأصالة، وذات التميز، وذات الاعتداد الهادئ الموزون بشخصيتها الحضارية. فالشخصية الحضارية، للإنسان الإثيوبي شخصية شديدة التميز. ولقد انعكس ذلك التميز، في نظام حكمها الإمبراطوري الشبيه بالنظام الإمبراطوري الياباني، وفي مسيحيتها المختلفة، عن كل مسيحية أخرى. فهي مسيحية ذات سمات روحانية شرقية. وقد استعصت على التبعية للكنيسة الكاثوليكية الأوروبية، وللكنيسة القبطية المصرية. ولقد خلق كل ذلك بناءً نفسياً متميزا للإنسان الإثيوبي. وأقل ما يمكن أن يقال عن الإنسان الإثيوبي أنه إنسان لم يشوهه الفقر، ولم يُيْئِسْهُ من روح الله، رغم شدة وطأته عليه، وطولها.
إن سر تماسك الكيان الإثيوبي، عبر حقب التاريخ المختلفة، إنما يعود إلى هذه التواصلية الحضارية، التي لم ينعم بها أي من البلدان التي أحاطت بهذه البلاد. ولا غرابة، والحالة هذه، أن يكون الإثيوبيون أول الواصلين لحالة الاستقرار النسبي، ومن ثم الشروع في البناء الثابت الصاعد، نحو الحداثة المُوَطَّنة، في هدوءٍ نسبيٍ، لا ينعم به جيرانهم. في ورقته التي حملت عنوان، (البحث عن نموذجٍ للتحديث: الإثيوبيون المتعلقون بالنموذج الياباني)، التي تم نشرها في مضابط مداولات مؤتمر فلوريدا للمؤرخين، الذي انعقد في العام 2004م، تحدث البروفيسر جاي كلارك، عن من أسماهم بالـ Japanizers، أو الإثيوبيون المتعلقون بإتباع النموذج الياباني. ولقد اختار البروفيسر كلارك، أعلاهم صوتا في فترة النصف الأول من القرن العشرين، وهو هروي ولدي سلاسي، 1878م ـ 1939م ، الذي عمل في السلك الدبلوماسي الإثيوبي، كما عمل وزيراً للخارجية منذ العام 1930م. ولقد كان هروي ولدي سلاسي مستشاراً موثوقاً به من قبل الإمبراطور هيلاسلاسي. ولقد ذهب ولدي سلاسي مع الإمبراطور هيلاسلاسي  إلى المنفي في العام 1936م، أثر الغزو الإيطالي لإثيوبيا، ومات في منفاه في انجلترا. يقول بروفيسر كلارك إن ولدي سلاسي كان يرى أن اليابان وإثيوبيا تتشاركان الكثير من السمات. فالبلدان ظل يحكمهما نظام إمبراطوري، لم يتغير لقرون طويلة. ففي حين أن هيروهيتو هو الإمبراطور رقم 124 في سلالة جيمو الإمبراطورية اليابانية، فإن هيلاسلاسي هو الإمبراطور رقم 126 في السلالة السليمانية الإثيوبية. أيضا، يتشارك البلدان النظام الإقطاعي، غير أن اليابان انطلقت من نظامها الإقطاعي لتصبح قوة صناعية كوكبية، في فترةٍ بالغة القصر، جعلت منها نموذجاً مثيراً لإعجاب الشعوب. كان ولدي سلاسي يبحث عن نموذج للتحديث لم يرتبط صانعوه باستعمار الشعوب، ولا مصلحة له ـ حسب رأيه ـ في تعطيل نمو الشعوب. ولذلك فقد كان يرى أن اليابان يمكن أن تكون النموذج الأمثل لإثيوبيا. ولقد تبدو  رؤى ولدي سلاسي التي مر عليها حتى الآن ما يقارب القرن من الزمان، رؤىً رومانسيةً حالمة. غير أنها كانت تمثل في الربع الأول من القرن العشرين، وعياً مبكرا بضرورة الاستقلالية، وبضرورة إتباع نموذج رأسمالي غير غربي، وتلكما ميزتان كبيرتان.
وعيٌ مبكرٌ بضرورة النموذج:
يقول البروفيسر كلارك إن الإثيوبيين الذين تلقوا تعليما غربياً في بداية القرن العشرين، ثم عادوا إلى بلادهم، لم يطب لهم أن يشاركوا مواطنيهم دعة الاسترخاء على وسادة أمجاد الانتصار على الإيطاليين في معركة عدوة في العام 1896م. فقد كانوا يعرفون، حق المعرفة، أن انتصارهم على الإيطاليين لم يكن نتيجة لتقدمهم التقني، وإنما لظروف كثيرة مختلفة يسرت لهم ذلك الانتصار. كانوا موقنين أن ما ينتظر بلادهم كثير، وأن ذلك النصر الكبير يجب ألا يصرفهم عن رؤية كم هي متخلفةٌ بلادهم. ولقد انقسم هؤلاء العائدون إلى ثلاث فئات: "المثقفون التقدميون"، و"الإثيوبيون الشباب"، والـ Japanizers، وهم رافعو شعار الاقتداء بالنموذج الياباني. وقد طغي تأثير الـ Japanizers  في الفترة ما بين 1920م ـ 1930م. ففي حين كانت رؤية المثقفين التقدميون أن إثيوبيا بحاجة إلى الإصلاح، فإن رؤية الفصيلين الآخرين، وهما "الإثيوبيون الشباب"، والـ Japanizers كانت تنحصر في أن إثيوبيا بحاجة إلى نموذج لتقتفي أثره وهي تسير في وجهة التحديث. ومع أن هؤلاء المثقفين كانوا مجمعين على ضرورة التخلص من النظام الإقطاعي الذي خلفه الزمان وراءه، إلا أنهم كانوا يرون أن الرأسمالية البرجوازية المطروحة كنموذج إنتاج بديل، لا تلبي حاجة المجتمع الإثيوبي. فالبرجوازية التجارية الإثيوبية الرجعية، كما وصفوها، لا تستطيع تجميع رأس المال الضروري للنهضة. كما أن المستعمرين الإمبرياليين لن يسمحوا لإثيوبيا بالنمو لتبلغ الحجم والوزن الذي تصبح بهما قادرة، في يوم ما، على كسب السوق الداخلي لنفسها. أيضاً، مع الضغوط الإمبريالية الغربية، فإن إثيوبيا لا تملك فسحة الوقت وبذخه لكي تتطور تطوراً رأسمالياً برجوازياً، طبيعيا. فالنموذج الرأسمالي الذي اقترحه الـ Japanizers يتلخص في استخدام الموارد المتوفرة باستخدام قوة الدولة، واستخدام ما أسموه "أسلوب الثورة من أعلى". فعلى الدولة أن تتولى تجميع رأس المال، في الوقت الذي تمنح فيه البرجوازية التجارية دعماً فعالاً يخلق لها مناخاً أفضل لتنمو. يقول كلارك: ونسبة لضعف تقسيم العمل في إثيوبيا، فإن إثيوبيا لم تستطع الخروج من الفوضى الإقطاعية الطويلة، إلا قريباً جدا، إذ بقي بارونات الإقطاع متخندقين في المقاطعات. ولذلك فإن إتباع النموذج الياباني في إثيوبيا، والخروج من قبضة الإقطاع الممتدة منذ أمدٍ طويل، في ذلك الوقت، كانت تحتاج إجراءات أكثر شدةً وصرامة، من تلك التي احتاجتها اليابان، صاحبة النموذج الأصلي.
     الشاهد هنا، أن الطلائع الإثيوبية كانت واعيةً منذ الربع الأول من القرن العشرين، بمشاكل بلادها، فطفقت تبحث عن نموذج رأسمالي "غير غربي" لتقتفي آثاره. كما كانت واعية بمشاكل البرجوازية التجارية المحلية، وبضرورة تراكم رأس المال الضروري للتنمية من خلال قوة الدولة وما أسموه "الثورة من أعلى". ومرت العقود بين الربع الأول من القرن العشرين، إلى الربع الأخير منه دون أن تحدث الطفرة المرتقبة. وعموما فإن تجميع طاقات أمة بأسرها لا يتم بين يومٍ وليلة. غير أن الرؤية السليمة للنخب القائدة تبقى ضرورية. ونتيجة للمجاعة التي ضربت مقاطعة ولُّو في العام 1974م،  تضعضعت ثقة الشعب الإثيوبي في الإمبراطور هيلاسلاسي. وتداعت الأحداث إلى أن تسقط إثيوبيا في قبضة العسكر، الذين حوَّلوا، تحت قيادة منقستو هايلي مريام، الدولة الإثيوبية العريقة إلى دولية ماركسية لينينية!! واستمرت تلك الحقبة حتى العام 1991م، حين زحفت تحالف قوى الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية على أديس أبابا، وسقط نظام منقستو، الذي فر إلى زيمبابوي قبيل وصول الثوار إلى العاصمة. خرجت إثيوبيا من حقبة الماركسية اللينينية بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر. كما كسبت من تلك الحقبة العنيفة المظلمة الخروج من دوامة العنف، ومن قبضة الإقطاع، ونظام حيازات الأراضي الإقطاعي الموروث. كما خرجت، أيضاً، من اللوثة الماركسية اللينينية، بنسل جديد من القياداتٍ الشابةٍ الجديدة. وهي قيادات جيدة التعليم، وأوضح رؤيةً، وأكثر نضجاً سياسياً، وأكثر قدرة على اللعب السليم بكروت التوازنات الداخلية، والإقليمية، والدولية. وقبل هذا وذاك خرجت إثيوبيا بتسويةٍ نهائيةٍ للمشكل الإريتري. ولا غرابة إذن، أن أخذت إثيوبيا تتحسس طريقها إلى التحديث، ببطء، ولكن بكل تأكيد، Slowly, but surely، كما يُعَبِّر الأمريكيون. (يتواصل).
الأحداث ـ  الاثنين، 16 أغسطس 2010