عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ليس من غرض هذه المقالات الإعلاء من شأن الهضبة، أو الحط من قدر السهل. ومن يحاولون رؤية الأمر على هذا النحو، يخطئون جوهر المغزى منها كلياً. فللهضبة مشاكلها العويصة، مثلما لنا نحن مشاكلنا العويصة أيضاً. فالقطران تحتوشهما المشاكل، على اختلاف طبيعتها، من كل حدب وصوب. كما أن القطران تعوزهما الحيلة، ويعانيان ضمور الموارد، التي من دونها لا تتم مواجهة الفقر، المدقع، المزمن، وبؤس البنية التحتية وهزالها المريع. وفي حالة السودان فيمكننا أن نضيف إلى كل ما تقدم، ما عُرف عنا، من تناثر الجهود، التي لا تتشكل أمةٌ من الأمم، وترقى المراقي، إلا بتضافرها. فنحن، والإثيوبيون، "في الهم شرق"، مثلما خاطب شاعرنا تاج السر الحسن دمشق، في رائعته "آسيا وإفريقيا"، حيث قال: ((يا دمشقُ! كلنا في الهمِّ والآمال شرقُ!!)). ما أردت قوله تحديداً، وباختصار شديد، هو أن إمكانية النهوض، أو ما يمكن أن يُعبَّر عنه بـ "الـ potential للنهوض"، لدى الهضبة، في اللحظة الراهنة، يبدو أكبر مما هو لدينا. فهم قد وصلوا نقطةً جعلتهم أكثر استقراراً منا، وأكثر قدرة على إطفاء الحرائق، والتحاور في ما بينهم، علاوة على بقائهم بعيداً عن مخاطر التدويل، والمطامع الخارجية الصراح. غير أننا، لو وعينا عللنا، وعرفنا كيف نبرئها، فإن الإمكانية لدينا أكبر مما لديهم!! ما ميز الإمكانية لدى الهضبة، في الظرف التاريخي الراهن، على إمكانيتنا، هو أن الهضبة قد نعمت بتواصليةٍ تاريخيةٍ طويلة، لم ينعم بها السهل. وللتواصلية التاريخية الطويلة مزايا كثيرة، لا يتسع المجال لعدها. ولكن يمكن أن نقول أن من بين تلك المزايا، البناء النفسي المتماسك للفرد، الذي لم تشوش عليه الانقطاعات التاريخية، ولم تُرجع جوائح البداوة، عقارب الساعة لديه إلى الوراء. وبطبيعة الحال فإنني لا أعني أن كل أهل الهضبة قد نعموا بهذه التواصلية التاريخية، وإنما أعني أن قلب بنيتهم التاريخية، أو الـ core الذي أنتج نخبهم، تميز بهذه الميزة.
لو نظرنا إلى الحالة الإثيوبية الراهنة، لبدا لنا، وبجلاءٍ شديد، أن النزاعات الدينية قد أضحت أقل حدةً لديهم، مما لدينا. فالتعايش، وقبول الآخر، وابتعاد نخبهم، خاصة الأجيال الجديدة منهم، عن اللعب ببطاقة الدين، بالشكل العنجهي السافر الذي تميزنا نحن به، قد جعلت أوضاعهم السياسية أفضل من أوضاعنا. لقد لعبوا كروتهم السياسية، عبر أنظمة حكمهم المختلفة، بذكاءٍ أكبر منا. فهم يتمتعون الآن باستقلالية نسبية، لم نعد نتمتع بها، نحن. فلقد طالنا التدويل، رغم إرغائنا وإزبادنا الذين لا ينتهيان. ومن يتابع أخبارنا عبر وسائل الإعلام العالمية، والإقليمية، والمحلية، يجد أننا قد أصبحنا "ملطشة" للأجاويد، وللأطماع من كل صنف وجنس. ففي هذا الوقت الذي بدأ فيه أهل الهضبة ينعمون بالاستقرار السياسي النسبي، أصبحنا نحن نبتعد عن الاستقرار، وأصبحت أمورنا في أيدي غيرنا، فامتلأت بلادنا بالسلاح السائب، وتناسلت الحركات المسلحة في أطراف بلادنا كما الفطر، وكثرت زيارات مسؤولينا إلى دول الجوار، وانتشرت في ربوع بلادنا ما تسمى بالقوات الدولية. وأصبحنا مزاراً مفضلاً للمبعوثين، والموفوضين الخاصين، الذين ما تغادر طائراتهم مطار الخرطوم، إلا لتعود لتحط فيه. باختصار شديد: وصلنا مرحلة اللقمة السائغة للجميع، والسبب إنما يكمن فينا نحن، لا في غيرنا!! إنه هزال قدرتنا المزمن على مواجهة علل ثقافتنا!
إكسير التعددية:
لقد بدأ الإثيوبيون يعون معنى التعددية الثقافية، وبدأوا يقتلعون خيامهم ويرحلون من مخيم الهيمنة الثقافية التي تفرضها النخب الحاكمة على كل من عداها. ولقد لاحظت أن تلفزيون إثيوبيا، الذي يبث بعض فقراته باللغة العربية، لا يقول: "الشعب الإثيوبي"، وإنما يقول: "الشعوب الإثيوبية"، فهم، فيما يبدو، يحرصون حرصاً شديداً على ذلك. ويبدو أنهم يعنونه حين يقولونه. وفي ذلك مزيَّةٌ كبيرةٌ في إدراك الكل المركب للأمة الواحدة، وفي ادارك سر السلام بين المكونات المختلفة للقطر الواحد. خاصةً، وأن المنعطف الكوكبي الراهن، يتميز، أكثر ما يتميز، برفض الهيمنة الثقافية من قبل ثقافة الحاكمين، وإعلائها بقوة المال والسلاح على ثقافات الآخرين، الذين سُدَّت أمامهم السبل إلى مراكز القرار، وأرائك السلطة. وفي تقديري، أن الذي جعل أهل الهضبة أسرع منا إلى اعتناق قيم العصر، وفضائله، خاصة فضيلة احترام التعددية، وقبول الآخر المختلف، يتلخص في أنهم برئوا تاريخياً من مزاج البداوة، ومن الشوفينية الرعوية، التي ابتليت بها كياناتنا السياسية، التي ما فتئت ترفض النقد، وتعتنق المتشكل القائم، وتعمل ليل نهار على استدامته، وعلى إعادة إنتاجه. والحق، أن نخبنا المتنفذة تعتنق المتشكل القائم إلى درجة التأليه، وتعمل ليل نهار على منح الجمهور أصناماً لتضييع الوقت والجهد، تعكف عليها، ليبقى كل شيء في مكانه القديم. فالبداوة التي تمكنت من السهل، لحظة اضمحلال الحضارة النوبية، وأصبحت لها فيه صولاتٌ وجولاتٌ عبر ألفية كاملةٍ من الزمان، لم تستطع أن تفعل نفس الشيء مع الهضبة، سوى لفترةٍ قصيرةٍ جداً، هي فترة غزوات الإمام أحمد بن إبراهيم الأشول، التي وضعت كل الهضبة تحت سيطرة المقاتلين المسلمين، الذين ساووا بين الإسلام وعنف البادية، وصالوا وجالوا مستخدمين وسيلة العنف العنيف، والاستعلاء العقدي، والصلف العرقي، محاولين محو الإرث الحضاري التليد للهضبة، مرةً واحدةً، وإلى الأبد. غير أن سيطرة الإمام أحمد بن إبراهيم الأشول، على مجمل الهضبة، لم تتعد العشر سنوات، عاد بعدها تاريخ الهضبة ليواصل مساره القديم. ولقد جعلت تواصلية التاريخ لدى أهل الهضبة، روح البناء الحضاري لديهم حية. كما جعلت وجدان إنسانهم متماسكا لم تفرقه الجوائح الطارئة، أباديد. ولعل من نعم الله على أهل الهضبة، أن الاستعمار الإيطالي لم يمكث فيهم سوى لسنوات تُعد في أصابع اليد الواحدة. غير أن الذي أود أن أركز عليه في هذه الحلقة، كثمرة للتواصلية التاريخة لدى أهل الهضبة، هو أن شخصية الفرد فيها، رغم الفقر، وهو عنصر مشترك بيننا، ظلت أقرب إلى احترام السلطة منا، وأكثر احتراماً للعمل اليدوي منا، وأقرب إلى العمل بروح الفريق منا، أيضاً. وكل تلك المزايا لمما يوزن في مسارات نهضة الشعوب، بميزان الذهب.
الروح الصناعي واحترام العمل:
تحفظ تواصلية التاريخ، الروح الصناعي لدى الأفراد وتبقي على شعلته متقدة. ولقد فقد أهل السهل في النيل الأوسط والشمالي في السودان هذه الروح الصناعية، منذ سقوط دولة مروي، التي كانت مركزاً صناعياً بالغ التقدم، بمقاييس تلك الحقبة التاريخية. بسقوط مروي، وتدهور الحقبة المسيحية التي أعقبتها، وغلبة أعراب البادية على المستقرين من أهل النيل، انطفأت الوقدة الحضارية، واكتسب أهل النيل زهد البدو في الصنائع، واحتقارهم للعمل اليدوي، حتى غدوا ينظرون إلى أهرامات مروي، ومعابدها، وكأنها عجائب سقطت من السماء!!. والروح الصناعي لدى الأفراد، مرتكزٌ رئيسٌ من مرتكزات نهوض المجتمعات، وتغييرها لأنماط عيشها نحو الأفضل. ولا غرابة إذن أن حض الإسلام، حضاً لا مزيد عليه، على الكسب من عرق الجبين. كما حض على ملء الوقت بالعمل، وكثُرت في ذلك إشارات النبي صلى الله عليه وسلم إلى نبي الله داؤود عليه السلام، صائغ الحديد، الذي كان يأكل من عرق جبينه. أيضاً تُكسب تواصلية الميراث الحضاري، الأفراد، القدرة على الانصياع للقيادة، واحترام التعليمات الإدارية، وفهم ضرورة التراتبيات الهرمية. فبيئة العمل تحتاج قيماً بعينها، لا توفرها البادية بطبيعتها الفردانية المودعة فيها. ولو استطاعت البادية اكتساب قيم الحواضر الزراعية، والصناعية، المستقرة، لما ظلت باديةً، أصلاً. وعموماً فإن قيم البداوة نقيضٌ لمتطلبات البناء الحضاري. والإسلام حين جاء في القرن السابع الميلادي إنما جاء ليحل المدنية محل البداوة. والممارسة الديمقراطية، تحتاج هي الأخرى قيماً حضارية، أساسها القدرة على التوافق، والتركيز على فهم البرنامج السياسي المطروح، من جانب التنظيمات السياسية، والنظر إلى الموضوعات، أو الـ issues، وإلى البرامج، بعيداً عن الروح العشائرية، والولاءات القبلية العمياء، وعن صمم الأذنين الذي يجعل المرء لا يُعجبه غير (الصَّارو). فالديمقراطية تحتاج أن يكون السياسيون والأفراد الممارسين لها ذوي مقدرةٍ على الاستماع إلى الآخر المختلف بذهنٍ مفتوح، وكذلك ذوي مقدرة على النزول في أرض الحلول الوسطى.
من المهم أن اذكر هنا، أن البريطانيين، حين كانوا بين ظهرانينا، استطاعوا أن يفرضوا علينا حالة مؤقتةً من النظام، ومن العمل وفق روح الفريق. ولكن تلك الحالة لم تدم، لأنها إنما تمت عن طريق التخويف. ذلك التطبع والانصياع للنظام الذيْن مخضهما الخوف، عبر حقبة الحكم البريطاني، لم يصلا إلى الدرجة التي يصبحان بها طبعاً ثابتاً. فحين ذهب البريطانيون، غلب فينا الطبع على التطبع. ولذلك ما أن أدار البريطانيون ظهورهم لنا، حتى انهار كل شيء، فطفحت بداوتنا على السطح من جديد، وكأن شيئاً لم يكن!! وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فقد انهارت سككنا الحديدية، وانهار نظامنا البريدي، وانهار خطوطنا الجوية، وتردت الخدمة المدنية لدينا، وانهار نظامنا التعليمي، حتى أصبحت مجرد الكتابة والقراءة السليمة، معضلةً كبيرةً لدى كثير من طلابنا. وقد سبق أن أوردت إشارات ابن خلدون إلى الخلال البدوية في هذا المنحى، مما أضحى ينطبق علينا تمام الانطباق. هذه الروح البدوية المتنامية، هي التي وضعتنا، ضمن قلةٍ من شعوب العالم التي يمكن أن توصف بالاستعصاء على التحضر.
من يتأمل مسلك سائقي السيارات في خرطوم اليوم، ويقارنه بمسلك السائقين فيها قبل أربعة عقود من الزمان، يجد فرقاً شاسعاً من حيث فهم قانون المرور، واحترامه، ومن حيث الذوق، والروح المدنية، واعتبار الآخر الشريك في الطريق. لقد وصلنا درجةً أصبحنا فيها، بلا مدنية، وبلا دين تقريباً!! تدهور الحس المدني أو الـ civility، لدينا، في العقود الأربعة الماضية، بشكل مريع للغاية، وتزايدت الشتائم والسباب في الطريق العام. ولا يمكن أن يفصل عاقلٌ بين هذا وبين تدهور الممارسة السياسية، وتدهور قامات القادة، وضيق سبل كسب العيش، والهجرات الملحمية mass exodus من أريافنا إلى عاصمتنا مما حول حياتنا إلى غابة كبيرة. ولربما لا يصدق السودانيون أن عاصمة إثيوبيا القطر الذي يبلغ تعداد سكانه الثمانين مليونا، لا يتجاوز سكان عاصمته الأربعة ملايين!! وهذا أمر جدير بالتأمل. ويضاف إلى كل الرزايا التي طالتنا، الرزية الكبرى المتمثلة في تدهور التعليم وخوائه، وبعده عن الأهداف القومية في خلق الإنسان المتمدين، وخواء وسائط الإعلام، وفراغ قلوب وعقول القائمين عليها مما ينفع الناس. 
الضيق بالنقد:
من المؤسف حقاً، أننا لا نبحث مشاكلنا بحثاً علمياً. بل إن البحث العلمي الذي يُجلي بشاعات حياتنا، ويشكف، دون مواربة، جوانبها القبيحة، يثير حفائظ الكثيرين منا. ورفض النقد، إنما يمثل في حد ذاته، خلةً بدويةً قحة! فالبداوة قد قامت على العُجْب بالذات، في كل حال. والعجب بالذات كان ماكينزمات البقاء، في حياة البداوة، فهو ضروري بالنسبة لها. ولذلك فإن البداوة لا تتساهل في الإعلاء من شأن ذاتها بإزاء الآخرين، حتى في الجهل، كما قال شاعرهم: ((ونجهل فوق جهل الجاهلينا)!!. فساكن البادية يربط بقاءه بقدرته على إعلاء ذاته، بل، وأبعد من ذلك! بالقدرة على الاعتداء على الآخرين، والبطش بهم. قال شاعرهم، أيضاً: ((بغاةٌ ظالمين، وما ظُلمنا، ولكنَّا سنبدأُ ظالمينا)). وقال آخر منهم، معبِّراً عن عدم قدرتهم على العيش من دون أن يعتدوا على أحد، قائلاً: ((وأحياناً على بدرٍ أخينا، إذا لم نجد إلا أخانا)). وقال ثالثٌ واصفاً حالهم، قائلاً: ((قومٌ إذا الشر أبدى ناجذيه لهم/ طاروا إليه ذرافاتٍ ووحدانا/ لا يسألون أخاهم، حين يندبهم / في النائباتِ، على ما قال برهانا))!! هذا الروح القديم الذي خدم الحالة البدوية، وكان ضروريا لها، لا يصلح إطلاقاً في عصر المدينة، التي أخذت تتسع، لتجعل من قرى الأرياف مدناً مصغرة. المشكلة أن هذا الروح البدوي، لا يزال مُفعَّلاً عندنا، رغم سكننا البنايات الحديثة، وركوبنا السيارات، واستخدامنا الهاتف النقال، وولوجنا دنيا الانترنت، وعوالم الويكي والفيسبوك، الخ ذلك. ولقد أثر إبقاؤنا على ذلك الروح البدوي، الذي لا يقبل ذكر النقائص، على قدرتنا على ممارسة النقد الذي لا يكون إبراءٌ العلل ممكناً من دونه. ولقد طال ذلك الأمر الأكاديميا لدينا، فبلغ درجة التأثير على مجريات البحث العلمي. فقد افتقدنا الحرص على روح الصرامة العلمية، وعلى التفكير الحر الذي لا يزور عن مواجهة المتشكل القائم، المعلول، غير المفحوص. فالضغوط الحكومية، والضغوط الاجتماعية، جعلت كثيراً من باحثينا يتسقطون الرضا والقبول العام. فالسباحة مع التيار هي المفضلة لدى غالبيتنا. ورغم أن المباحث التي يمكن أن تسير في الوجهة الفاضحة لعلل ثقافتنا المزمنة، وطرق الدروب التي تقود إلى إبرائها، من الكثرة بمكان،  إلا أننا نجد أن الباحثين يتجنبونها، ذات اليمين وذات الشمال. وإلى أن يجيء الوقت الذي يتم فيه الترحيب بالبحث العلمي الرصين، دون تحفظ، والترحيب بالمبادرات الإحيائية، والمخاطرات الفكرية والثقافية، واجتراح الطرق الجديدة، فإن مشاكلنا سوف تظل تراوح مكانها، كما يقول التعبير الشائع.
البداوة وقيم العمل (work ethics):
علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا يرحب أرباب العمل السودانيون بالعمالة الأجنبية، أكثر مما يرحبون بالعمالة السودانية؟ ما الذي يجعلنا نحن السودانيين غير قابلين للتوظيف unemployable داخل بلدنا؟ لماذا تمتلئ مطاعمنا، ومقاهينا، ودكاكين الحلاقة، لدينا، وبيوتنا، بالعمالة الإثيوبية؟ أليس أهل البلد أولى بوظائف بلدهم؟! ولا أريد أن يُفهم من قولي هذا أنني أدعو لطرد العمالة الإثيوبية. لا، ولا كرامة!! فأنا من دعاة التكامل، بين الهضبة والسهل، وتوسيع مواعين هذا التكامل الذي يبلغ درجة الكونفدرالية، وما هو أكثر ربطاً منها. وحقيقة الأمر، أن التكامل بين الهضبة والسهل، أمرٌ فرضته الشعوب، فرضاً، من غير أن تستأذن فيه النخب، ولم تجد الحكومات بداً من قبوله. وما علينا سوى أن نراجع سجلات مفوضيات اللاجئين لنعرف أعداد أهل الهضبة الذين نزلوا إلى السهل مستجيرين من عسف الحكام وغوائل الطبيعة، وأهل السهل الذين صعدوا الهضبة لنفس ذات الأسباب. ما أردت قوله من حرص أرباب العمل لدينا على توظيف العمالة الأجنبية، هو أن الواقع يعرفك بأحوالك، أفضل من أي شيءٍ آخر. بعبارةٍ أخرى، كوننا كسودانيين، لا نوظف السودانيين، يدل أبلغ دلالة على علل الشخصية السودانية التي تمنعها خصائصها النفسية السالبة، وبعدها عن ثقافة التجويد والإتقان، من الانسجام مع بيئة العمل. فالسبب في أن أكثريتنا غير قابلة للتوظيف، لا يتعلق بضعف المهارات وحسب، فالمهارة يمكن أن يتم اكتسابها في وقتٍ قليلٍ جداً، خاصة في الوظائف الخدمية الدنيا، وفي وظائف المهن البسيطة. وإنما يكمن السبب في كوننا غير قابلين للتوظيف، في ذلك الروح السلبي، (الـ attitude negative )، الذي نتميز به، وفي السمات المسلكية الشخصية السالبة (الـ dispositions negative)، التي تجعل الشخص غير منسجم مع بيئة العمل، بسبب بداوة طباعه، واعتداده برأيه وبنفسه، وعدم استعداده لانصياع لما يقوله رؤساؤه، وربما احتقاره للعمل الذي يؤديه، أصلاً. كل هذه السمات السالبة تحول بين المُسْتَخْدَم وبين التأقلم مع بيئة العمل الحضرية الحديثة، ذات الإيقاع المنضبط. فالروح البدوي، مضرُّ ببيئة العمل المعاصرة، ويمثل خصماً عليها، لا إضافةً لها. علينا أن نتساءل: لماذا، حتى بعد ما يزيد على قرن كاملٍ من نشوء الدولة الحديثة في السودان، نجد أن السودانيين لا يحسنون الصنائع الضرورية للحياة اليومية، مما جعل أصحاب المباني، والأعمال المهنية المختلفة، يركضون وراء السباكين، والكهربائيين، والنقاشين، والحدادين الأجانب؟ نحن بحاجة لكي نعرف لماذا ظلننا كذلك؟! نحن بحاجة حقيقية لكي نعرف كيف نخطط لخلق فرد متحضر كلف ببناء الحضارة، متماهٍ مع قيمها، قادرٍ على استدامتها. ما الذي يجعل الفرد الإثيوبي متوافق مع بيئة العمل، وأكثر قدرة من فردنا على الالتزام المهني، وعلى ما يسمى في أدبيات الأعمال التجارية، بخدمة الزبون أو الـ customer service؟
التدريب، ثم التدريب!!
لقد أنفقت الدول التي رقت مراقي الحضارة الحديثة، الكثير من الجهود، والكثير جداً من الأموال على البرامج التدريبية لخلق الفرد المتوافق مع بيئة العمل، ومناخ العمل، والقادر على الإنتاج، والمدرك لتكاملية دوره مع أدوار الآخرين في البنية الكلية للحياة الناهضة. ويدل على ذلك أننا نجد أن المجتمعات ذات التواصلية الحضارية، التي ورث أفرادها فضائل حضارية، وروحانية، لم تكتفِ بالخصائص الموروثة وحسب، وإنما عملت ليل نهار لتطوير تلك الخصائص، وصقلها بمناهج التعليم، وبالبرامج التدريبية المكثفة، وبالخطاب الإعلامي المدرك لوظيفته في البناء القومي للأمة. فالإيقاع المنضبط لحركة العمل، ونماء روح الإتقان، في الحضارة الغربية، إنما تم تأسيس كثير منه على ما يسمى بقيم العمل المسيحية Christian work ethics. فأين هي قيم العمل الإسلامية؟! لقد أكلتها البداوة!! وعموماً، فإن الحضارة تُبنى بناءً، بالتخطيط المتقن، وبالمراجعة الدءوبة. وهي قطعاً لا تتم اتفاقاً. لابد من معرفة العلل التي تكبلنا، ومنها هذا المزاج البدوي، وهذا الاستعلاء، والإحساس الأجوف بالتميز. وأسوأ من ذلك، إضفاءنا التظاهر بالمظهر الديني السطحي الفارغ من كل قيمة، على تلك "النفخةٍ" البدوية، التي لم تعد عملةً صالحةً للتداول في عالم اليوم. لابد من العمل العلمي الدءوب لإبراء علل ثقافتنا، وذلك بالحديث المفتوح عنها، والتبصير بها، والعمل على زرع قيم جديدة مكانها، بالتعليم الحقيقي، والتدريب المستمر، والإعلام المدرك لوظيفته ودوره. وقبل كل ذلك، وفوق كل ذلك، ببث روح التدين الصحيح. وليس كل قيم البداوة سالبة، ولكن في البداوة قيمٌ كثيرةٌ سالبة لا يمكن أن تقوم معها بنية حضرية متماسكة. ولذلك فإن برامج التدريب ينبغي ألا تقتصر على تقديم المهارات المتصلة بالمهنة، وإنما تتعداها إلى السمات الشخصية، أو الـ dispositions. فالعمل في كل صوره إنما يحتاج إلى أفراد منضبطين  disciplined متوافقين مع بيئة العمل. فإذا كانت المجتمعات التي مارست العمل في بيئات العمل الحديثة، تهتم كل ذلك الاهتمام بخلق سمات شخصية أفضل في أفرادها العاملين، فما بالك بالبيئات التي جاء أفرادها من خلفية تاريخية انقطعت فيها التواصلية، وضمرت فيهات القدرة على العمل الجماعي، وضَعُفَ فيها التماهي مع الهم العام، وعلت فيها الأنفة الجوفاء واحتقار العمل، وساد فيها الضيق بالتوجيه، أياً كان، وتعسر فيها النزول عند الرأي الآخر، مهما كانت وجاهته، وأسوأ من ذلك، أن جهلاءها لا يستحون من الاستعلاء على علمائها!! (يتواصل).