عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أهمية المكون العربي الإسلامي:
ربما أحس البعض أن هذه المقالات تنطوي على محاولةٍ لإنكار المؤثرات العربية والإسلامية، التي شكلت جانباً مهماً في تكوين البنية الكلية للأمة السودانية. وعلى أيسر تقدير، فإن البعض ربما ظن أن هناك محاولة للتقليل من شأن هذه المؤثرات العربية الإسلامية، أو دمغها كلها بالسلبية. غير أن حقيقة الأمر بخلاف ذلك. فالمكونات العربية الإسلامية التي انداحت في مجموع البنية الكلية للأمة السودانية، قد تركت تأثيراتٍ غير قابلةٍ للنقض irreversible. وكون هذا التأثيرات غير قابل للنقض، لا يعني أنها قد كانت جميعها تأثيراتٌ إيجابية. فبعضها إيجابي، غير أن كثيراً منها كان له اثرٌ سالبٌ، ويقتضي من ثم، المراجعة التي قد تصل درجة المحو والإزالة. كما أن من بين المؤثرات الإيجابية ما يحتاج التطوير. الشاهد، أن التأثيرات العربية الإسلامية التي انداحت في هذه المساحة الجغرافية الشاسعة، المسماة السودان هي من الوضوح بحيث لا يمكن إغفالها، أو تهميشها. كما لا يمكن اعتبارها مجرد داءٍ عارضٍ يجب التخلص منه، كما هو ظاهرٌ في خطاب الغلاة من دعاة استعادة الطابع الإفريقي النوبي. فدخول العرب، ودخول اللغة العربية، رغم العلل التي صحبتهما، قد مهدا الطريق ليتصل إنسان النيل، الذي نسي حضارته، وفقد وقدته، ودافعيته، بالجذر الحي للثقافة الإسلامية، التي كانت تعيش آنذاك لحظة ضحاها الأعلى. وملاقحة الحضارات المحلية الآفلة، بمكونات حضارات حية وافدة، أمر متكرر في التاريخ البشري. فالإسلام حين جاء قضى على الحضارتين الرومانية والفارسية، اللتين كانتا تعبران بحر شيخوختهما. ولكن حين خمدت الوقدة الدينية التي صحبت البعثة المحمدية، بُعَيْد الفتنة الكبرى، لجأت الحضارة الإسلامية إلى التراث الهيليني فترجمته، ولكنها أدغمته في بنيتها الفتية الناهضة، وخلقت به حالة قفزة حضارية جديدة.
ما أحاول إبانته هنا، هو أننا لم نتعلق حتى الآن بشكل جمعي بالجذر الحي للحضارة الإسلامية، وبطاقاتها الواعدة، القادرة على رسم غدٍ أفضل، وإنما ظل تعلقنا، وتمسكنا، مرتبطٌ في غالبيته بقشرتها التي انعجنت من مزيج البداوة، والفقه المدرسي الشكلاني. وهما السمتان اللتان ظلتا تكبلان هذا الفضاء شرق الأوسطي، العربي، الإسلامي، ذي التمددات في شمالي، وشرقي إفريقيا. المحاولة إذن لا تتجه إلى إنكار وجود مؤثرات عربية إسلامية، أو إلى التقليل من شأنها. فهذه المؤثرات لم تستثن جانباً من جوانب الحياة السودانية، على اختلاف تجلياتها، وتبايناتها بين المجموعات الثقافية، والعرقية، والدينية، واللغوية في السودان، دون أن تمسها بقدرٍ من المقادير. وإنما تتجه المحاولة إلى فرز ما هو إيجابي من الثقافة العربية الإسلامية التي وفدت إلينا، وأصبحت جزءاً من رؤيتنا للوجود، ومن مزاجنا، مما هو سلبيٌ فيها. وما أريد أن يُفهم عني أنني أعني أن الثقافة العربية الإسلامية هي الإطار المرجعي لكل الشعوب السودانية، شديدة التعددية، وإنما أعني أنها تمثل الإطار المرجعي لنا نحن أهل الشمال والوسط النيليين؛ أي غالبيتنا المتسربلة بعباءة الهوية العربية الإسلامية. هذا الإطار المرجعي العربي الإسلامي الذي ظل يحكم رؤى النخب النيلية، إطارٌ مرتبط بالبداوة، وبالفقه المدرسي، بأكثر مما هو مرتبط  بروح الإسلام الأصيلة الخلاقة، وجوهره الخالد، المتمثل في القدرة على تحقيق مصالحة الإنسان مع بيئتيه الطبيعية والاجتماعية، ومصالحته مع نفسه، والقدرة على تهيئة المناخين الداخلي (داخل الفرد)، والخارجي (عبر المجتمع)، لبسط العدالة، وتحقيق السلم بين الناس.
طلب الإجازة من الخارج!
المحاولة إذن، إنما تتلخص في الدعوة إلى فرز وتخليص مكوناتنا العربية والإسلامية، ذات السمات الإنسانية الكوكبية، من السمات الماضوية السالبة، التي تكرس التمترس في الشوفينية القبلية والعقدية والطائفية، التي لا تملك ما يجعلها قادرةً على العبور إلى مستقبل البشرية. فالمكونات السالبة، غير المعافاة، هي التي تم بها استعمارنا، واستلحاقنا، بمعنى الـ subordination ، لمركزية خارجية مهيمنة. لقد تم إلحاقنا، نحن السودانيين، بمراكز خارجية لا تملك طاقاتٍ ولا وعوداً بالمستقبل!! وكل ما جنيناه، ولا نزال نجنيه من هذا التيه الطويل ليس سوى حبسٍ مستمرٍ في دوامةٍ من العجز عن التأثير في البيئة التي نعيش فيها. يُضاف إلى ذلك أن الاستلحاق أصابنا بقدرٍ مريعٍ من هزال الثقة في الذات، ومن مركبات النقص التي جعلت نخبنا تبحث عن الإجازة والقبولapproval ، مما رأته تلك النخب مراكز للعروبة والإسلام. وردت في مذكرات القطب الاتحادي الراحل خضر حمد قصة يمكن أن نأخذها دليلاً على السعي المحموم الذي كانت تقوم به نخبنا طلباً للإجازة من تلك المراكز. يروي الأستاذ خضر حمد أنه في زيارة قام بها إلى الشام بغرض ربط السودان بمراكز العروبة، تعرف على الأمير شكيب أرسلان. وقد وصف خضر حمد الأمير شكيب أرسلان بقوله: ((الأمير الثائر الأديب الشاعر العربي المسلم الذي قضى حياته كلها يجوب البلاد ويدعو للعرب والعروبة وينشر دعوة الإسلام)). وقد اجتمع الأستاذ خضر حمد بالأمير شكيب ونخبة من علماء الشام في فندق "أورينت بالاس" في مدينة دمشق. كتب خضر حمد عن ذلك اللقاء بالأمير شكيب أرسلان قائلاً: ((وجلسنا نتحدث عن السودان وعروبته، والجنوب وأعمال المبشرين فيه وكان ملماً بآخر التطورات آنذاك. وأثناء الحديث سألني أحد الحاضرين أنا من السودان العربي أم من السودان الزنجي؟ ولم يتركني الأمير أرد ولكنه تولى الرد نيابةً عني وأخذ يقول للسائل: "ألا ترى أنفه الأقنى؟ ألا ترى وجهه المستطيل؟ .. ألا ترى؟ حتى أشعره بالجهل التام)). (مذكرات خضر حمد، ص 121).
ليس بخافٍ في ما تقدم، الاحتفاء الشديد من جانب الأستاذ خضر حمد بتلك المرافعة التي قام بها الأمير شكيب أرسلان في الدفاع عن عروبة الأستاذ خضر حمد، التى وضعها السائل، ببراءة شديدة، موضع شك. فلو أن سحنة الأستاذ خضر حمد بدت للرجل السائل سحنةً عربيةً فعلاً، وفق ما يعرفه ذلك السائل عن السحنة العربية، لما تقدم بسؤاله أصلاً. غير أن الأمير شكيب أرسلان استنكر مجرد السؤال، لما انطوى عليه من إحراجٍ للضيف القادم أصلا لعرض عروبته، وتلقي الإجازة والمباركة بشأنها. ولذلك فقد طفق الأمير أرسلان يمطر الرجل بالأسئلة الاستنكارية: ألا ترى أنفه الأقنى؟ ألا ترى وجهه المستطيل؟، ((حتى أشعره بالجهل التام))، وفق عبارة خضر حمد. ولو قرأنا احتفاء خضر حمد بدفاع الأمير أرسلان بما قاله خضر حمد في مكانٍ آخر من مذكراته، عن سكنى السودانيين من أصول نيجيرية في منطقة جنوب النيل الأزرق، لوضح لنا ضيق المنظور المتعلق بقضية المواطنة الذي وسم رؤى صانعي الاستقلال في بلادنا، ومتسنمي المناصب السيادية الرفيعة فيها. والأستاذ خضر حمد ينتمي إلى الفئتين. كتب خضر حمد في مذكراته: ((وسافرت إلى الكرمك والروصيرص عن طريق الباخرة من السوكي إلى الروصيرص. وعن طريق السيارة من الكرمك إلى سنار. وفي كلا الطريقين عرفت أن أرض السودان استغلها المهاجرون من نيجيريا، وأن القرى التي تمتد على النيل من السوكي إلى الروصيرص الغالبية الغالبة من سكانها هم أهل نيجيريا)). (مذكرات خضر حمد، ص 36). وينبغي أن نلاحظ أن الأستاذ خضر حمد قد كتب مذكراته هذه في العام 1967، أي قبل ثلاث سنوات فقط من وفاته، التي كانت في العام 1970م. فمفهوم المواطنة، والحرص على العرق، لم يتغيرا لدى الأستاذ خضر حمد، طيلة فترة نشاطه السياسي التي امتدت إلى حوالي الأربعين عاماً!!
الفكرة لا العرق!
بعبارات أخرى، إن الذي لا ينفك يردده دعاة "عروبة" و"إسلامية" السودان، ليس سوى تغنٍّ عاطفيٍ فج، لا يعكس فهما عميقاً للمعاني الإنسانية، الإيجابية، للعروبة ولا للإسلام. فالفكرة الإسلامية قد أدغمتها البداوة الفكرية في العروبة، وحولتها إلى فكرة عرقية عنصرية. لقد تم تفريغ الإسلام من الفضائل التي استجمعتها، ومخضتها، التجربة النبوية المشرفة، وفتحت بها للإنسانية جمعاء أفقا تطورياً جديدا. تلك القيم الكوكبية المستقبلية يمكن تلخيصها في مفهوم "العدالة" الذي جسدته سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عبر هو عن ذلك بقوله: ((كلكلم لآدمَ، وآدمُ من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم))، وقوله أيضاً: ((الخلق عيال الله، فأحبهم إلي الله، أنفعهم لعياله)). هذه العبارات البسيطة الناصعة التي تسقط العرق وتؤكد على الفكرة، وعلى العدالة، ونفع الناس، تصلح لكي تكون معياراً ممتازاً لفرز ما هو إسلامي، بمعنى "إنساني"، وما هو بخلاف ذلك. فالعدالة والمساواة هي جوهر الدعوة العالمية للإسلام، وما عدا ذلك فهو محض تدثر بالإسلام لخدمة القلة المنتفعة من الحكم باستدامة المظالم والقهر!! ولذلك، فإن جوهر الإسلام الخالد إنما وصل إلى السودان مع التصوف، وليس بمجرد انسراب أفواج القبائل العربية في وديان بلادنا، كما ظل مُتصوَّراً. التفريق بين هاتين النقلتين التاريخيتين مهم جدا، في ما أرى.
يقول الدكتور فرانسيس دينق في كتابه (صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان)، ترجمة د. عوض حسن، وهو كتابٌ صادرٌ عن مركز الدراسات السودانية، 2001م: ((أحد أهم الأسباب الرئيسية الداعية للتضارب والارتباك في أزمة الهوية السودانية يتمثل في الطريقة التي أُعطيت بها الهوية الشمالية شخصية مركبة تمزج عناصر الثقافة، العرق، والدين. الطريقة التي تم بها ذلك، تُواري البعد العرقي وتُداري العنصرية، تعمق النظرة الذاتية للبعد العرقي للعروبة، والانقسام بين الشمال والجنوب. مما يجعل الأمر صعباً حتى للجنوبي المسلم المستعرب، لتقريب شقة ذلك الانقسام. وتتمثل الطريقة التحليلية لتحسين وتخطي وضع الانقسام في فرز العرق، الثقافة، والدين، ثم التدقيق في صحة الإدعاء الشمالي للعروبة عرقياً وثقافياً، مع التمعن في شكل الإسلام الممارس في الشمال من وجهة النظر هذه.  في الجنوب، كما في البلدان الإفريقية، تُمارس أديان مختلفة داخل العديد من العائلات، ولكن الدين لا يتدخل في وحدة العائلة الضرورية، التي تترسخ بولاءات القرابة. ويحمل هذا السلوك الكثير المشابه للتقاليد الصوفية، التي مثلها مثل المعتقدات الإفريقية المحلية، مُشخصنة، وترتبط كثيراً بالنسب، وتتميز بقدرٍ كبيرٍ من التسامح)). (ص 459). نلاحظ أن الدكتور فرانسيس دينق يرى أن مزج الدين بالعرق ينفر أصحاب الأعراق الأخرى، حتى حين يكونون مسلمين. أيضاً، نلاحظ أن الدكتور فرانسيس دينق قد استثنى التصوف من تهمة تكريس العنصرية، إذ أثبت له ميزة قبول التنوع. وهذا صحيحٌ جداً، فالمتصوفة الأوائل الذين وفدوا إلى السودان، هم الذين جاءوا بجوهر الإسلام الخالد، وهم الذي أخرجوا الناس من الولاء لشيخ القبيلة، إلى الولاء لشيخ الطريقة. وفي ذلك نقلة من ضيق العرق إلى سعة الفكرة. ولا يعني ذلك أن جميع المتصوفة قد برئوا من العنصرية ومن نزعة الاسترقاق، وإنما يعني أن التصوف إنما يمثل رؤية إسلامية مرتبطة بجوهر الفضائل الإسلامية الكوكبية، خاصة لدى الكبار من أقطابه.
لقد أسهم التصوف في إخراج الناس من الارتكاز على المعاني المتجذرة في البداوة، والجلافة، والاستعلاء بالعنصر، والفخر بالقدرة على البطش، وعلى توسيع الحيازة، إلى باحات الارتكاز على المعاني الإنسانية السامقة الحاضة على التواضع، وعلى لجم الشره والمطامع، وعلى المسالمة، وتنمية التشارك في الخيرات، والتفاني في خدمة الناس، والبر بهم، والرأفة بهم. واستمر الحال هكذا والتصوف يعمل على خلق ماعون روحاني يتسع للجميع، إلى أن دارت الدوائر على روح التصوف، بوفود الاستعمار التركي، ومن بعده الحكم الثنائي الانجليزي المصري، ومعهما ذراعهما الأيمن المتمثل في الفقه المدرسي. فالفقه المدرسي إنما يمثل النقيض، في كل شيء، لقيم التصوف، خاصة وقوفه إلى جانب المستضعفين، ونفوره من ممالاة الحاكم، كما هو معروف عند الأقطاب الكبار.
مزيج البداوة والفقه:
إن أكثر ما أنابنا من انسراب القبائل العربية إلى سهول السودان، في بدايات ذلك التحول، كان في غالبه إضفاءً لطبيعةٍ بدويةٍ، وتغليبٍ لخصائصها على خصائص بيئةٍ مستقرةٍ، عرفت الحضارة منذ آلاف السنين. أدى ذلك التحول إلى الانتقال من مزاجٍ كلفٍ ببناء الحضارة، إلى مزاجٍ بدويٍ رعوي يتبع روتينا ثابتا قصاراه المحافظة على ما هو قائم. وقد أسهمت تلك النقلة إسهاماً كبيراً في انقطاعٍ تواصلية التاريخ السوداني، وإلى غيبة طويلةٍ من جانب تلك البيئة الحضرية العريقة، عن الفعل المؤثر في بيئتها المادية، والروحانية. فقد كانت الهجمة في مبتدأ أمرها، "بدويةً"، وتحولت بعد قرون لتصبح هجمةً "فقهية"، فانتهينا في حالتنا الراهنة إلى هذا المزيج "البدوي"، "الفقهي" المعادي للنمو، وللنهضة، مما لا نزال نشكو من أعراضه، صباح مساء، ولا نعرف موطن مكمنه، أو حقيقية مسبباته. غير أن تلكما الهجمتين، بكل علاتهما المشار إليها، أصبحتا جزءاً لا يتجزأ من كياننا التاريخي القائم. ومن ثم، لا سبيل لنا للتملص منهما، ولا مناص لنا من التعامل معهما بعقلٍ، وبموضوعيةٍ، وبحكمةٍ، ونضج. بعبارةٍ أُخرى، لم تكن تلكما الهجمتين شراً كلهما، فهما لم تخلوا من جوانب إيجابية. وحتى السالب منها يمكن النظر إليه كطرفٍ من الإيجابي. فالتاريخ لا تتشكل صورته الكلية من العناصر الإيجابية وحدها، لأن التاريخ إنما يسير على رجلين تختلف كل واحدةٍ منهما عن الأخرى، من حيث القيمة. ويصاقب ذلك ما يتم في الطبيعة من تكامل الطاقتين السالبة والموجبة. والتاريخ لا يصنعه البشر وحدهم، كما يتوهمون، وإنما تصنعه معهم عناصر تفجرها التيارات الكونية المنبعثة من مركز الإرادة القديمة، التي تفرض على البشر، في كثيرٍ من الأحيان، أوضاعاً لا تتماشى وخياراتهم. تلك الأوضاع المفروضة، تتغلب عادةً على خيارات الناس، فيعجزون عن مدافعتها، وتصبح، من ثم، أمراً واقعاً. ذلك الأمر الواقع الذي يحل بالناس، كما البلاء، رغم أنوفهم، يمثل في كثيرٍ من الأحيان القاعدة الجديدة التي من دونها لا تكون الانطلاقات الجديدة. وعموماً فالبداوة لم تتغلب على الحالة الحضرية التي كانت سابقة لها في سودان وادي النيل الشمالي والأوسط، إلا لأن تلك الحالة الحضرية القائمة وقتها كانت قد ضعفت، واضمحلت، وفقدت طاقتها على الدفع، وعلى التخلق في صورٍ جديدةٍ صاعدة. بل فقدت، في نهاية المطاف، مجرد القدرة على الدفاع عن نفسها.
بناء الدولة وتلاشي الدولة
يقول هادي العلوي إن البدو معادون للسلطة المركزية بطبيعتهم. فهم حين ارتدوا، إنما ارتدوا لأنهم ظنوا أن أبا بكر أراد أن ينصب نفسه عليهم ملكاً. فهم بتجربتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا الفرق بين النبي، وبين الملك. فلقد انقادوا لنبي لكونه نبياً. ولكن حين عرفوا أنا أبا بكر كخليفة لن يكون ملكاً كما كانت تخوفاتهم، رجعوا عن الردة. ويستدل العلوي على تحليله هذا بأن رجوع الأعراب عن الردة لم يكن بسبب أن الرجوع قد تم فرضه عليهم بالقوة. فجيش دولة المدينة الصغير، في ذلك الوقت،  لم يكن في وسعه، حسب رأي العلوي، بسط سيطرته على كل أرجاء الجزيرة العربية الشاسعة. ولذلك فالعلوي يرى أن سبب رجوع الأعراب عن الردة، إنما كان بسبب اطمئنانهم إلى أن أبا بكر لن يكون ملكاً عليهم. الشاهد هنا، أن كون البدو يقفون بطبعهم ضد السلطة المركزية، أمر إيجابي، ولكنه سلبي في نفس الوقت!! فسلبيته إنما تكمن في كون السلطة المركزية ضرورية في مراحل البناء، ولذلك فإن عدم الانتظام تحت سلطة مركزية واحدة يعيق خلق البنية الحكمية التي تعين على النمو الحضاري. فالبيئة البدوية ربما بقيت للآلاف السنين دون أن يتغير في نمط الحياة فيها شيء. ولذلك فالبدواة تستديم الجمود، وتستديم حالة العجز، وتستديم القناعة بالقليل.
ولكن للوضع جانباً أخر: فحين تتقدم الأمور، وتتحقق الديمقراطية وتتفتت السلطة، يصبح وجود سلطة مركزية قوية أمراً معيقاً للتقدم، ولبسط العدالة. فالتقدم الحقيقي إنما يقاس بقلة تدخل السلطة المركزية في إدارة شؤون الناس. فالديمقراطية الحقيقية هي التي تعمل على توسيع سلطة قوى المجتمع المدني وتضييق سلطة الدولة.  ولذلك فإن نفور البدو من الدولة المركزية إنما يمثل (استراقاً للسمع) لحالةٍ مستقبلية لا مناص من تحققها. غير أن تلك الحالة المستقبلية لن تتحقق إلا عن طريق نظام مركزي، وخضوعٍ مقننٍ للأفراد لذلك النظام المركزي. فقول الماركسية بضرورة (تلاشي الدولة)، قول صحيح، ولكنه جاء في إطار تنبؤاتٍ خاطئة بسيرورة تفتيت الدولة. وقول كارل ماركس: ((الحكومة ليست سوى لجنة تنفيذية تستخدمها طبقة في اضطهاد الطبقات الأخرى))، هو الآخر، قول صحيح أيضاً. غير أنه بحاجة لأن يتم إخراجه من معادلة العنف والقوة الماركسية، ووضعه في أطر حراك اللاعنف، والتغيير الذي يتم عن طريق الإصلاح الوئيد. باختصار شديد، البداوة ليست شراً كلها. فكوننا شعبٌ تمكن من إجبار نظامين عسكريين على التخلي عن السلطة، أمر تعود بعض أسبابه إلى هذا المزاج البدوي الذي لا يهاب السلطة، ويأبى الخنوع والاستكانة. غير أن بداوتنا هذه نفسها التي جعلت منا شعباً متميزا باستعلائه على حكامه، وتلك فضيلة، قد جعلت منا أيضاً شعباً لا يعرف كيف يتفق وكيف يستجمع جهوده لتصب في مجرى واحد. وهذا هو ما جعل ثوراتنا المتكررة ثورات بلا مردود يذكر. (يتواصل).