عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"في البدو والحضور":

عندما تحدثت عن الانقلابات الاجتماعية التي ينتج عنها إحلال البداوة محل الحضارة، باسم الدين، لم أعن أن الحط من قدر أهل البادية. ولم أعن أن مطلق حاضرة أفضل من مطلق بادية. ما قصدته هو تبيين هرمية الوجود الاجتماعي للبشر، وانتقال الحياة من الوحشية إلى الإنسية، ومن شظف العيش إلى رغده، ومن بساطة الحياة إلى تركيبيتها، ومن سكونها إلى حركتها، وما يعتور هذه السيرورة التاريخية من انتكاسات، كثيرة تحدث هنا وهناك. هناك مسار عام فيه انتقلت الحياة من الغابة إلى المدينة، ومن الجهل إلى العلم، ومن قلة الحيلة إلى سعتها. ولذلك لابد لنا من قياس التغييرات التي تحدث وفق هذا الإطار الكلي، لنرى ما إذا كانت الهبة، أو الثورة المعينة، قد أضافت إلى حركة الصعود الكلية، أم انتقصت منها. يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته، طبعة دار الفجر للتراث، العام، 2004: ((البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم، العاجزون عما فوقه، وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ... ولا يُنتهى إلى الترف والكمال إلا إذا كان الضروري حاصلاً، فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد أن التمدن غاية للبدو يجري إليها وينتهي سعيه إلى مقترحه منها ... والحضري لا يتشوف إلى أحوال البادية إلا لضرورة تدعوه إليها، أو التقصير عن أحوال أهل مدينته)) (ص 163). فوما رسمه ابن خلدون هنا لهرمية وتراتبية الحالتين "البدوية" و"الحضرية"، إنما يصور المسألة على شكل جيد جداً. ولقد سبق أن أوردت في مقالاتي السابقات رأي ابن خلدون في غلبة العرب على النوبة، وقوله كيف أن العرب تغلبوا على النوبة، بعد أن ملأوا بلادهم فسادا. أحببت أن أورد قول بن خلدون هذا، لأن التصور السائد هو أن العرب جاءوا بالإسلام إلى السودان، وهذا صحيح، ولكنه يحتاج إلى تمعن. فما يتم بناؤه على هذه الحقيقة التاريخية، من غير تمعنٍ، ليس صحيحاً تماماً. فغلبة العرب على النوبة وإدخالهم الإسلام، لا يعني بالضرورة أن الحالة الحضارية في هذه المنطقة قد ارتفعت. فوصول العرب، ومعهم الإسلام، على الصورة التي وفد بها إلى المنطقة، لا يعني أن ذلك التحول كان خيراً وبركة على النوبة، وعلى أهل السودان. والسبب هو: أن الذين اجتاحوا ذلك الإقليم كانوا رعاةً بدواً، ولم يكونوا علماء ودعاة. لقد دمرت النقلة التي أحدثها أولئك الوافدون إلى الإقليم ما تبقى من تراثٍ حضاري لبلاد النوبة. لقد أطفأ ذلك التحول جذوة الروحانية النوبية التي كانت فتيلة شمعتها قد ضعفت وقلَّ توهجها. كما قضى ذلك التحول، أيضاً، على الإرث الثقافي النوبي، المتراكم عبر الحقب، أو ما يسمى بالـartifacts، المتمثلة في الفنون المختلفة، من خزف، ونحت، وتشكيل للمعادن، وصياغة للمجوهرات، ومن فنونٍ معمارية، خاصة معمار المعابد والأهرامات النوبية، الكنائس المسيحية التي هُدمت، أو أهملت حتى تهدمت، والجداريات الملونة التي أُتلفت، وأهم من ذلك كله القضاء على الطاقة الخلاقة التي أنتجت هذا الإرث الحضاري المتميز. فالتصور التبسيطي simplistic الذي تشكل في أذهان السودانيين، وعززته سيادة النظرة الدينية، هو الذي جعلنا نظن أن وصول الإسلام إلى بلاد النوبة كان حدثاً مشابهاً، وربما مطابقاً، لما جرى في جزيرة العرب، حين أشع فيها نور النبوة في القرن السابع الميلادي. تحدث هذه المطابقة غير الصحيحة، لمجرد أن العرب حين تغلبوا على النوبة كانوا حاملين للبطاقة الإسلامية، وكان النوبة مسيحيين!! ولكن حقيقة الأمر ليست بمثل هذه البساطة.

إسلام الدين وإسلام الحضارة:

البطاقة الإسلامية التي لا يقف وراءها محتوى حضاري، لا تكفي لإثبات أن ما حدث كان حراكاً إلى الأمام. فالهبَّة الدعوية لا عبرة بها إن لم تتحول إلى حالة حضارية. وما حدث في السودان أن القبائل العربية الرعوية التي وفدت إليه كانت تحمل "البطاقة الإسلامية" ولكن بلا عميقٍ من المعاني الإسلامية الحقيقية. وهذا هو ما أشار إليه ابن خلدون، حين ذكر أن العرب عاثوا في النوبة فسادا، ثم ملكوها. استقرت القبائل العربية الرعوية، حين وفدت إلى السودان، في المراعي الشاسعة بعيداً عن النيل، وبمرور الزمن ونمو التبادل التجاري زاد الاستقرار والتداخل عن طريق التزاوج مع النوبة. وأستفاد الأعراب الوافدون من نظام الوراثة لدى النوبة، فأصبحت لهم بمرور الزمن الغلبة في نهاية الأمر. ولقد كانت النوبة تعيش فترة اضمحلال حضاري، وحين امتزج بهم العرب وغيروا هيئة بلادهم لم يضيفوا عنصراً حضارياً جديداً، ولم يحدثوا نهضة حضارية، كما فعلوا في مصر، وفي الشام، وفي الأندلس، وإنما أطالوا وعمقوا حالة الاضمحلال الحضاري. والسبب بسيط، وهو أن الذين وفدوا إلى وادي النيل، كانوا بدواً،كما كان بعضهم الآخر تجاراً، ولم يكونوا رسلاً أو مبشرين بقيم جديدةً. ولذلك فهم قد جلبوا إلى وادي النيل خلالاً بدوية وطمعاً في التملك. وعموماً فإن قدومهم لم تنتج منه نقلة بقدر ما نتج منه تعميق وإطالة لحالة الغيبة الحضارية التي كان هذا الإقليم داخلاً فيها أصلاً. وقد كانت الحالة الحضارية لهذا الإقليم ملء سمع العالم القديم وبصره، حتى حوالي سبعة قرون من لحظة وفود العرب. وإني لأزعم أن آثار هذه النقلة لا تزال ماثلة في حياتنا الراهنة. وهي التي ظلت تُغَلِّب عندنا الديني اللاحضاري، على الديني الحضاري.

هذه الحالة التي تتغلب فيها البداوة على الحضارة تكررت مرات في التاريخ الإسلامي. يقول جورج طرابيشي في كتابه، (من النهضة إلى الردة، الصادر عن دار الساقي، في طبعته الثانية، في العام 2099م أن سيرورة انغلاق الحضارة العربية على نفسها بدأت في نهاية القرن الخامس الميلادي، حين كفًّر أبو حامد الغزالي الفلاسفة في مؤلفه "تهافت الفلاسفة". ويرى طرابيشي أن عملية "الأسلمة" ارتدت من المجتمع إلى الإسلام، إذ ارتفعت الأصوات بتطهير الإسلام وتنقيته، مما يُعتقد بأنه "ليس إسلامياً". ويضيف طرابيشي أنه ليس من قبيل المصادفة أن تزامنت تلك الانتكاسة مع الاحتلال السلجوقي للقسم الشرقي من الدولة العربية الإسلامية. فالسلاجقة كانوا "شعباً" من البدو، وقد أحدثوا خراباً كثيراً في مدن خراسان والعراق، قبل أن يستولوا على بغداد عام 1055م. ويقول طرابيشي، إن حظ السلاجقة من الثقافة بقي ضحلاً حتى بعد اعتناقهم الإسلام السني. ويؤرخ وصول السلاجقة إلى السلطة لحالة الانفصال المرعبة بين الدين والثقافة. ويضيف طرابيشي ملاحظة هامة، وهي: كلما قلَّت ثقافة الحاكم، ووعيه، وتمدنه، كلما تشدد في الدين ضماناً لمشروعية حكمه، (ص 88). أما المثال الثاني الصارخ لانتصار البداوة على الحضارة فيمثله الغزو المغولي لبغداد، في القرن الثالث الميلادي. يقول طرابيشي إن الغزو المغولي قد أحدث دماراً مادياً ماحقاً، فأحرق بغداد، وأعادها، بعد خمسة قرون من العز الحضاري، منقطع النظير، إلى عصر القرية. ونلاحظ أن حضارة بغداد قد استهدفت في المرتين المذكورتين، من جهتين بدويتين: الأولى كانت قوة داخلية، تمثلت في الأتراك السلاجقة الذين اعتنقوا الإسلام، ولكنهم ارتدوا بالحالة الحضارية الإسلامية التي كانت قائمة, إلى الوراء. أما المرة الثانية فقد كانت من جهة خارجية، وهم المغول الذين وفدوا من سهوب آسيا الشمالية الشرقية فأرجعوا عقارب الساعة في بغداد دوراتٍ إلى الوراء.

الشاهد أن مسألة التدين والتحضر مسألة تحتاج إلى إعادة فرز. فالتدين لا يعني بالضرورة التحضر. ويقول هادي العلوي في حواره مع جواد سليم، المنشور تحت عنوان: (هادي العلوي: حوار الحاضر والمستقبل)، الصادر من دار الطليعة الجديدة، في العام 1999م: ((التفريق بين "إسلام حي" و"إسلام ميت" يرجع إلى التفريق بين إسلام الدين وإسلام الحضارة ... إسلام الحضارة يشتمل على العلوم والفلسفة والفقه بوصفه حقوقاً، وعلم الكلام، بوصفه فكراً فلسفياً، وثورةً اجتماعية، والتصوف بوصفه معارضةً. أما إسلام الدين فيشتمل على العقائد والعبادات والفقه بوصفه شرعاً دينياً، وعلم الكلام بوصفه لاهوتاً، والتصوف بوصفه منحى غيبياً. مع حلول القرن الثامن الهجري، توقفت بوجه عام الفعالية الحضارية، فلم تبق الفلسفة ولا الفلاسفة، ولا التصوف بمنحاه الأصلي، ولا علم الكلام كفكر فلسفي. كما توقف مد الثورة الاجتماعية، وحركة المعارضة، وانفرد الدين بالعالم الإسلامي))، (ص 54-55).

البصمة الحضارية والمعتقد الديني:

أردت أن أخلص من كل ما تقدم أننا بحاجة إلى إعادة النظر في الصورة التي رسمناها لتاريخينا في مخيلتنا الجمعية. وأعني هنا، الصورة التبسيطية (simplistic)، التي تعتمد المعتقد الديني وحده كمرتكز حضاري، وتهمل الإرث الثقافي والحضاري المتراكم منذ سوالف الحقب. وأحب أن أعقد هنا مقارنة بين حالنا وبين حال كيان حضاري آخر، هو الكيان الحضاري الفارسي الذي اعتنق الإسلام بعد انهيار الدولة الساسانية على أيدي المسلمين، عند مبتدأ الفتوحات الإسلامية. لقد كانت هزيمة المسلمين للفرس هزيمة بدوية لمركز حضاري كبير، غير أن المسلمين الفاتحين الذين دخلوا ذلك الإقليم الحضاري العتيد كانوا قد دخلوه حاملين قيماً إنسانية جديدة، لمدنية جديدة، كانت في طور التخلق. فنور النبوءة كان حينها لا يزال في أوج توهجه في نفوس الفاتحين. ولذلك، فقد امتزجت تلك القيم الإنسانية الجديدة بالإرث الحضاري التليد لبلاد فارس، وأنتج ذلك المزيج نقلةً حضاريةً جديدة ارتفعت بما كان سائداً هناك إلى سمط جديد. ولو قارنا هذا الوضع بما نتج من غلبة أعراب البادية، الذين جاءوا إلى السودان، على أهل النوبة، لأتضح لنا الفارق الكبير. فالقيم التي جاء بها أولئك الأعراب كانت أقل إنسانيا، وأقل ثقافياً، وأقل حضارياً من قيم المغلوبين. ولذلك فقد كان الأمر، في جملته، رجوعاً إلى الوراء، ولم يكن تقدماً إلى الأمام، كما رسخ في وعينا الجمعي.

احتفظت بلاد فارس بشخصيتها الحضارية، ولم يتم "استلابها إسلاميا". لم تتاثر الشخصية الفارسية كثيراً بما ظل يتشكل، ويُعيد تشكيل نفسه لدى العرب. تحول الفرس إلى مسلمين، ولكنهم بقوا فرساً، ولا يزالون. فبلاد فارس، متمثلة في إيران الحالية، لا تزال تنطلق من منطلقاتها الحضارية التليدة التي امتزجت بالإسلام، ولم تبع نفسها لما تسمى نفسها في البلاد العربية "مراكز إسلامية". أما نحن فقد ذوبنا شخصيتنا الحضارية التاريخية فيما هو أقل منها. وهذا هو سبب معناتنا الطويلة هذه. لقد خلطنا بين الروح المدنية للفكرة الإسلامية، وبين القشرة التي حملها إلينا البدو. هذه القشرة هي التي حلت محل حضارة وادي النيل النوبية والمسيحية العتيدتين اللتين سادتا هذا الجزء من وادي النيل، لما يقارب الثلاثة آلاف سنة. علينا أن نسأل أنفسنا، أين ذهبت المعرفة بالهندسة، وبالرياضيات، وبجماليات العمارة التي تجسدها، وحتى يومنا هذا معابد وإهرامات البركل والبجرواية، وغيرها من مواقع تاريخنا. كيف تحولنا من البناء بالحجر على ذلك النحو المتفوق ذي الهندسة التي تحبس الأنفاس، لنبقى لما يقارب الألف عامٍ مع أبنية الطين، والقش، وزرائب الشوك؟ أين اختفت المعرفة بالألوان، وبفنون الرسم والتلوين التي جسدتها جداريات الكنائس، وأين المعرفة بصهر البرونز، وبصوغ الحلي الذهبية، التي حين يراها المرء اليوم في المتاحف العالمية، يظن أنها من صنع هذا العصر. وأهم من ذلك، أين البنية الاجتماعية المتماسكة التي وقفت وراء تلك الإنجازات الحضارية الرائعة؟ هناك حلقة مفقودة في تاريخنا لم يتم فحصها على نحوٍ كافٍ، وأرى أن الأوان قد آن لفحصها فحصاً علمياً، رصيناًً، متأنياً، بعيداً عن "الكلفتة" وعن هتافيات تمجيد الإسلام بلا معرفة بما يعنيه الإسلام حقيقةً!.

الأعراب وعداء السلطة والعمران:

ذكر ابن خلدون في مقدمته، ((أن العرب إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج على ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له. فغاية الأحوال كلها عندهم الرحلة والتغلب، وذلك مناقض للسكون الذي به العمران، ومناقض له ... وأيضاً هم متنافسون في الرياسة، وقل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره، ولو كان أباه، أو أخاه، أو كبير عشيرته، إلا في الأقل، وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية الأحكام، فيفسد العمران وينتقض)) (ص 194 – 195). فلو نحن نظرنا إلى حياتنا المعاصرة، وفحصنا سيرة فشلنا السياسي الممتدة، بحيدة، وتجرد، وذهن مفتوح، لاتضح لنا، بجلاءٍ شديد، أن جذور فشلنا السياسي إنما تتلخص في فشلنا في العمل كجماعة، وفشلنا في الحفاظ على حالات التمدن، إنما ترجع إلى ذلك اللقاح البدوي الذي تم حقنة في شرايين بنيتنا التاريخية، لحظة تدهور الحضارة النوبية والحضارة المسيحية. وما قاله ابن خلدون من عدم قدرة البدو على العمل كجماعة يمكن أن تعكسه في حالتنا الحاضرة حقيقة بسيطة: فلقد وصل عدد الأحزاب لدينا عندنا ما بين مهرجان تكوين الأحزاب في منتصف أربعينات القرن الماضي، وما بين العام 1953م حوالي الثلاثين حزباً!! أما في الانتخابات التي فرغنا منها قبل شهرين تقريباً، فقد بلغ عدد الأحزاب المسجلة السبعين حزبا!!

بعد أن أدخلت الحقبة التركية، (1821م ـ 1898م) أساليب الدولة الحديثة، وخططت عاصمة حديثة للبلاد، هي الخرطوم، نجد أن المهدي حين دخل الخرطوم في العام 1885م، لم يبق فيها سوى مدة قصيرة. إذ سرعان ما عبر النيل إلى الجهة الغربية من النيل ليشيد عاصمته الجديدة أمدرمان لتصبح قرية طينية بالغة الضخامة. ولنا أن نتساءل، وأن نتأمل، لماذا زهد المهدي في الخرطوم، الحديثة، العامرة، بقصورها وحدائقها، وتخطيطها الحضري، ولم يحتف بما وجده فيها من مظاهر تحضر، ولم يفكر في أن يدفع بذلك التحضر إلى الأمام؟! والجواب أو بعضٌ من الجواب عندي، أن المهدية، فيما يبدو، قد دمغت التطور الحضاري الذي مثلته العاصمة التركية الخرطوم، بالكفر والخروج عن صورة الدين الحق، كما يراها المهدي. فالتدين والتحضر لدى المهدويين لا ينسجمان incompatibleولذلك فقد نظر المهدي إلى العمران نفسه بوصفه مفارقةً لسواء السبيل. وهذا نموذج آخر لاختلاط النزعة البدوية بالدين. أيضاً، بعد أن جاء البريطانيون وأحدثوا في البلاد قدراً معتبراً من النظام والانضباط، في الفترة الممتدة من 1898م، وحتى لحظة الاستقلال في العام 1956م، نجد أن نخبنا الوطنية التي تسلمت مقاليد الأمور من الإنجليز تمكنت في سنواتٍ قليلة من إرجاع عقارب ساعة التمدن القليل الذي حدث، والانضباط الذي تحقق، دوراتٍ كثيرة إلى الوراء. واستمر بنا الحال من التدهور عبر المتبقي من عقود القرن العشرين، حتى بلغ بنا الفشل في بناء مشروع الدولة، في العقد الأول من الألفية الجديدة، درجة النكوص إلى حضن القبيلة. فالحالة البدوية الرعوية التي كان منها مبتدانا، أصبحت، وللمفارقة، هي منتهانا ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين!! إن الحالة الصومالية التي وصلت حد انفراط عقد الدولة، والحالة السودانية التي تسير في وجهة انفراط عقد الدولة، تقتضيان إعادة النظر في المكونات الجذرية للمرتكزات الحضارية لهاتين الأمتين. وأول ما ينبغي أن تستهدفه إعادة النظر، إنما هو الإسلام البدوي اللاحضاري الذي تلبسه البداوة والقبلية لشرعنة الحالة القائمة من العجز والعزلة وشتات القوى، واستدامة كل أولئك، في مواجهة العلم، والحكمة، وروح التدين الحقيقية، وخلق حالة حضارية مستقربة ونامية. (يتواصل).