عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الحرب بين الهداية والجباية:

أزعم أن أكثر ما فشا في البرية من توسع إسلامي عقب وفاة الشيخين، مضافاً إليها القسم الأول من خلافة عثمان رضي الله عنه، لم يكن هدفه هداية الناس، لوجه الله، بقدر ما كان توسعاً إمبراطورياً، استهدف سعة الدنيا ورغدها، تلبية لما استجد من أحلام ملوكية لدى الطبقات الحاكمة الجديدة. ولذلك لابد لنا من فرز الأمور فرزا دقيقاً، وإعادة فحص  التعميمات والقراءات "المرمنسة" romanticized، التي ظلت مسيطرة إلى يومنا هذا. فلو نحن نظرنا إلى الأمر، مستصحبين دلالات النبوءة المحمدية، المبينة: ((الخلافة من بعدي ثلاثون سنةً، ثم تكون ملكاً عضوضاً))، (رواه روى أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي). لاتضح لنا أن ما أعقب الثلاثين سنة الأولى التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، يقع ضمن نطاق المفارقة العريضة التي بدأ تشكلها إبان الفتنة الكبرى، وظلت تنداح، حتى يومنا هذا. ولاتضح لنا، أيضاً، أن الهالة "الإسلامية"، بالمعنى الديني الدال على التقوى، وعلى العدل، التي تم إلباسها لكل العهود التي تلت تلك السنوات الثلاثين الأولى، التي مثلت فترة الخلافة الراشدة، لم تكن سوى هالةٍ زائفة. ولذلك، لا مناص لمن يريد أن يقرأ الأمور، من منظورٍ، لا يغض الطرف عن نبوءات النبي الكريم، ولا ينجرف وراء الهوى، ووراء التعبير "المرمنس"، عن الأشواق الدينية الملتبسة، التي تُُعشى عن رؤية الحقائق، أن يصطحب معه هذه الحقيقة الناصعة المتضمنة في النبوءات المحمدية الجلية. كما لابد له من أن يضيف عليها القراءة المحايدة لوقائع التاريخ الإسلامي، التي سوف تؤكد دون شك، أن ظلاماً دنيوياً، قد لف الوقدة الأولى، كما لف حالة التقوى الأولى، فأطفأهما،  كما لف، أيضاً، الحس الديني النقي، وحوله إلى طموحاتٍ "قيصرية" توسعية.

بناءً على ما أجملته عاليه، أرى أن الحرب التي تم شنها على مسيحيي السودان في القرن الثامن الميلادي، وعلى مسيحيي الحبشة في القرن السادس عشر الميلادي، لم تكن حروباً غرضها الهداية، ونشر الدعوة الصافية، النقية، التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، والكبار من أصحابه، بقدر ما كانت حروباً شكلت الجباية، وتوسيع الملك، القسم الأكبر من دوافعها. ودعونا نرى بعض الشواهد التي تؤيد هذا الزعم. أورد الدكتور الناصر عبد الله أبو كروق، استناداً على ما أورده الدكتور يوسف فضل في كتابه (دراسات في تاريخ السودان وافريقيا وبلاد العرب، ج 2 الخرطوم 1986 – ص 12)، أن شيخاً حميريا شهد حملة عبد الله بن أبي السرح على بلاد النوبة قال واصفاً حربهم مع النوبة: ((رمونا، ]أي النوبة[، حتى ذهبت الأعين، فعددت منها مائة وخمسين عيناً مفقوءة، فقلنا ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل، وإن نكايتهم لشديدة)). ومعنى الجملة الأخيرة التي قالها هذا الشيخ الحميري، أن الثمن الذي ظلوا يدفعونه بفقدان الأعين، في تلك الحرب الشرسة، مع هؤلاء القوم أولو البأس، لا يتساوى مع الغنائم التي يمكن أن يغنمونها منهم. فهم فقراء، يسكنون إقليماً فقيراً، نسبياً. كما أنهم مقاتلون أشاوس، يملكون من مهارات الرمي ما يجعلهم يصيبون مهاجميهم في الأعين. وهذا ما من أجله لُقِّبُوا بـ "رماة الحدق". فالدافع من الغزو في الأساس كان هو السلب، وليس نشر الهداية: ((إن سلبهم لقيل، وإن نكايتهم لشديدة))! ولو كان الأمر أمر هداية وتبليغ لرسالة السماء، لما توقف الغازون أصلاً، فإما النصر، أو الشهادة. فلو كان الأمر أمراً دينياً نظيفاً، لما قبلوا اتفاقية تلزمهم بتقديم العدس والحبوب، إلى النوبة، مقابل تقديم النوبة لهم العبيد. فلو كان السلب القليل الذي لدى النوبة يأتي لأولئك الغازين، بغير ذلك الثمن الباهظ، المتمثل في فقدان نور البصر، بفقء العيون بالسهام، لواصل الغزاة الحرب، ولأخذوا منهم ذلك السلب، على قلته. وعبارة (إن سلبهم لقليل) مجرد تبرير للتوقف عن محاربة النوبة، كما هو أيضاً تعبيرٌ عن الدافع الأساسي، المتمثل في المغانم، وفي توسيع الملك.

دلالات اتفاقية البقط:

وقَّع الغازون مع النوبة ما سُمِّيت باتفاقية "البقط"، التي يشير إليها كثير من المؤرخين بأنها اتفاقية هدنة عسكرية، غلبت عليها الصبغة التجارية. وهي بتلك الأوصاف، شأنها شأن أي اتفاقية يمكن أن يتم توقيعها بين أي دولتين، لا تقف وراءهما دوافع، وإنما مجرد حرب مطامع، وتوسع، وربما تأمين حدود. وفق تلك الاتفاقية، كان على مصر أن تمد النوبة بالحبوب والعدس، وفي مقابل ذلك ترسل النوبة الرقيق إلى مصر. والمظهر الديني الوحيد الذي تضمنته الاتفاقية هو أن يحافظ النوبة على المسجد المبني في دنقلا والعمل على إبقائه نظيفاً، وإسراجه ليلاً، وأن يسمح النوبة للعرب بالمرور شريطة ألا يقيموا.

يرى كثيرٌ من الدعاة، والكتاب، والمؤرخين الإسلاميين، أن الفتوحات الإسلامية، ومنها محاولة فتح بلاد النوبة، لم تكن سوى محاولة نظيفة لتبليغ الرسالة ولنشر الهدى. يقول الدكتور الناصر عبد الله أبو كروق، في ورقته (إفريقيا بين عبد الله بن أبي السرح وعقبة بن نافع الفهري)، المنشورة في الكتاب الرابع الذي ضم أوراق (المؤتمر الدولي الإسلام في إفريقيا)، الصادر عن جامعة إفريقيا العالمية، في نوفمبر 2006: ((ولعل محاولة المسلمين المستميتة لضم أرض النوبة تنفي نفياً قاطعاً الأسباب المادية للفتوحات الإسلامية، لأن النوبة لم يكن بها شيء يقيم حتى أود أهلها الذين يسكنونها، فكيف يطمع فيها غاز ليتقوى بها؟)). ( ص 23 - 72). غير أنني أختلف مع وجهة نظر الدكتور الناصر. فقول الرجل الحميري الذي أورده الدكتور أبو كروق: ((ما لهؤلاء خيرٌ من الصلح، إن سلبهم قليل، ونكايتهم شديدة))، قولٌ يدل على أن الدافع هو "السلب"، فإن كان السلب قليلاً، فلا مبرر لدفع ثمنٍ باهظٍ في الحرب. أيضاً، نجد أن اتفاقية البقط قد نصت على أن يقدم النوبة رقيقاً لمصر، في مقابل أن تقدم لهم مصر، العدس وغيره من الحبوب. تقول الاتفاقية في بعض بنودها: ((وعليكم كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أواسط رقيق بلدكم غير المعيب،  يكون فيها ذُكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل، لم يبلغ الحلم)). فالرقيق مال، والإمبراطوريات تسعى وراء الرقيق لأسبابٍ عديدة معروفة. فلو كانت بلاد النوبة أقل من مصر من حيث الثروات الطبيعية، إلا أن الغزاة رأوا فيها مكاناً لاستجلاب الرقيق، وهذا ما دلت عليه الاتفاقية نفسها. وحين فتح محمد على السودان، في الربع الأول من القرن التاسع عشر، كان "الرقيق"، هم الدافع الأول وراء حملته العسكرية. ولو كان غزو بلاد النوبة تقف وراءه الرغبة الخالصة في تبليغ رسالة السماء، لما كان احتوت اتفاقية البقط شرطاً بأن يورد النوبة لمصر رقيقاً.  فالنوبة أهل كتاب، وليس هناك سند شرعي لمطالبة أهل الكتاب بتوريد الرقيق.

باختصار شديد، ما جرى من جانب الغزاة، لم يكن سوى توسع إمبراطوري، ومحاولة للكسب المادي الإمبراطوري، وربما مجرد تثبيت الأمن في الحدود الجنوبية للإمبراطورية الإسلامية التي كانت في تلك اللحظة التاريخية، في آخر خطواتها للتحول إلى إمبراطورية أموية. فليس كل ما تم في التاريخ الإسلامي، كان إسلامياً بحقٍ وحقيقة. بل ما كان إسلامياً بحقٍ وحقيقةٍ، في التاريخ الإسلامي كله، كان قليلا جداً، وقد تحقق في فترةٍ قصيرةٍ جداً، هي فترة الخلافة الراشدة. ويمكن القول إن فترات الرشد، بعد فترة الخلافة الراشدة، كانت في حقيقة الأمر، قليلةٌ، قليلة، ويجب النظر إليها بمعايير السياسة، لا بمعايير الدين.

بين ملوك الدنيا وملوك الدين:

وأوضح عندي، في الدلالة على أن غزو بلاد النوبة، لم يكن من أجل نشر القيم الدينية الرفيعة، أن وجوه القوم من الأمويين، ومن العباسيين، لم يكونوا أفضل تديناً، ولا أكثر تقوى، من وجوه القوم من النوبة المسيحيين. فالتدين قيمٌ تُعاش، وليس مجرد شيء يدعيه المرء، أو مجرد بطاقة يلصقها على جبهته، لا أكثر. وأحب أن أورد هنا، قصة هي آية في الدلالة على الفرق بين التدين الحقيقي، الذي كان عليه ملوك النوبة، والتدين المظهري الذي كان عليه الحكام الأمويين. والتدين يمكن أن يكون، في حالةٍ بعينها، مجسداً لدى اليهودي، والنصراني، بأفضل مما هو لدى المسلم، والعكس بالعكس. أورد الدكتور حسن مكي في ورقته، (الإسلام في السودان وإفريقيا وإشارات من كتب التراث)، الواردة في الكتاب الرابع للمؤتمر الدولي: الإسلام في إفريقيا، الصادر من جامعة إفريقيا العالمية في نوفمبر 2006، ما أورده المسعودي حول قصة استدعاء الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لأسيره وسجينه، عبد الله بن مروان، آخر ملوك بني أمية، ليسمع منه قصته مع ملك النوبة. فحين فقد عبد الله بن مروان ملكه وأصبح مطاردا من جانب العباسيين، ذهب إلى ملك النوبة، وطلب منه حق اللجوء. قال عبد الله بن مروان، هو يلبي طلب المنصور منه بأن يسمعه القصة: يا أمير المؤمنين، قدمت إلى النوبة فأقمت بها ثلاثاً، فأتاني ملكها، فقعد على الأرض، وقد أعدت له فراشاً له قيمة. فقلت له: ما منعك من القعود على فراشنا؟ فقال ملك النوبة: لأنني ملك، وحقٌ على كلِّ ملكٍ أن يتواضع لعظمة الله عز وجل، إذ رفعه. قال عبد الله بن مروان، فسألني ملك النوبة: لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ قال عبد الله بن مروان، فرددت عليه بقولي: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا. قال عبد الله بن مروان، ثم سألني: فلم تطئون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ فقال عبد الله بن مروان، فرددت عليه بقولي: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا لجهلهم. فقال ملك النوبة: فلم تلبسون الديباج والحرير والذهب، وهو محرم عليكم في كتابكم ودينكم. فقال عبد الله بن مروان، فقلت له: ذهب منا الملك فانتصرنا بقومٍ من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا. قال عبد الله بن مروان: فأطرق ملك النوبة إلى الأرض يقلب يده مرة، وينكت في الأرض أخرى، وهو يردد: "عبيدنا، وأتباعنا، وأعاجم دخلوا في ديننا"!! ثم رفع رأسه وقال لي: ليس كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله، وركبتم ما نهيتم، وظلمتم في ما ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمةٌ لم تبلغ غايتَها فيكم. وأنا خائفٌ أن يحل بكم العذاب، وأنتم ببلدي، فينالني معكم. وإنما حق الضيافة ثلاث، فتزود ما احتجت إليه، وارحل عن أرضي. قال عبد الله بن مروان: ففعلت.

هذه القصة شديدة الدلالة على الفرق الكبير في المعيشة الصادقة لقيم الدين، بين هذا الخليفة الأموي المسلم، الذي سلبه عرشه العباسيون وطاردوه، فجاء يطلب لنفسه الأمن عند ملك النوبة، وبين ملك النوبة المسيحي التقي، البسيط، المتواضع، المتمسك بقيم دينه. فمكارم الأخلاق والقيم السلوكية الرفيعة في المسيحية، هي في حقيقة الأمر، قيم إسلامية، والعكس صحيح. فقد جاء في القران الكريم: ((شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب)).  (الشورى، الآية 42) . الشاهد، أن هذا الملك النوبي المتواضع، الذي يجلس على الأرض، أقرب إلى ما دعا إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من هذا الخليفة الأموي المخلوع. فهو يحرص على الجلوس على الأرض رعايةً لقيمةٍ دينية عيسوية. وهذه القيمة السلوكية العيسوية، هي أيضاً قيمة محمدية. فقد جاء في حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا عبدٌ، آكل كما يأكلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبد)). كما رُي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأصحابه أيضاً: ((لا تعظموني كما تعظم الأعاجم ملوكها)). وأحب أن أكرر مرة أخرى، ما سبق أن ورد في مقالاتي السابقات، من أن الروحانية تمثل، في حقيقتها الكلية، العميقة، مظلةً واسعةً، يمكن أن يستظل بها كل من عمل بعقيدته بصدقٍ. فقد ورد في القرآن الكريم: ((إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)). ( المائدة، الآية 69). مسألة التدين الحقيقي، والتدين المظهري، مسألة تحتاج إلى فرز. ولذلك ليس كل سعي إسلامي بالقوة المسلحة، أو بالمكر والحيلة، للتمكن من بلدان الآخرين، هو بالضرورة، خيرٌ وبركة على خلق الله.

ابن خلدون وخراب النوبة:

أورد الدكتور حسن مكي في مقالته السالفة الذكر، آراء بن خلدون حول العصبية ومعاداة البدو للحضر، وما يراه في أمر سقوط ممالك النوبة المسيحية، واستعرابها. يقول الدكتور حسن مكي: ((لو كان البدو الوافدين على شيء من الحضارة والتمدن، لنجحوا في إحداث انقلاب أبيض، ولكانوا أزاحوا ملوك النوبة الحاكمين، والجلوس مكانهم، مع الاحتفاظ بمدن النوبة التاريخية سليمة، مثل دنقلا، وسوبا. غير أن هؤلاء البدو دمروا هذه المدن)). وأضيف من جانبي، إلى ما تفضل به الدكتور حسن مكي، أن الذي حدث للنوبة باسم الاستعراب وباسم الأسلمة، لم يكن كله خيراً وبركةً، كما لم يكن كله حراكاً إلى الإمام، وإنما كان كثيرٌ منه، حراكٌ إلى الخلف، بمعنى إبدال الحضارة بالبداوة. ويورد الدكتور حسن مكي، أيضاً، ما قاله ابن خلدون، وهو يفسر خراب النوبة، حيث قال إن العرب لم يكونوا على شيءٍ من الخطط الملوكية، وإنهم تغلبوا على بلاد النوبة، وفرقوا كلمتهم، وأزالوا ملكهم. فقد انتشرت أحياء العرب من جهينة، في بلاد النوبة التي استوطنوها، وملكوها، وملأوها عبثاً وفساداً. وحاول ملوك النوبة مدافعتهم، ولكنهم عجزوا. الشاهد أن غلبة العرب البدو على النوبة، أدى إلى تراجع الحالة الحضارية القائمة للنوبة، لا إلى نموها. وهذا هو ما جعل منطقة وادي النيل الأوسط والشمالي في السودان تدخل في هذه الغفوة التاريخية الطويلة. فالبصيص الوحيد الذي أضاء هذا التيه الطويل، إنما جاء حين وفدت الدعوات الصوفية، التي أتي بها أفراد، لم يكونوا على ارتباط بالسلطات الحاكمة. هذه الدعوات الصوفية أحيت موروث الروحانية، وموروث الأخلاق المتراكم منذ العهدين النوبي القديم، والمسيحي، وتوجته بالأقباس المشعة من النور النبوي، الذي انطفأ في عمايات الاندياحات البدوية، والأطماع الإمبراطورية. وأخلص مما تقدم، إلى أن هذا النوع من التوسع الذي لا يحمل زاداً حضارياً حقيقياً، ولا يحمل روحانيةً حقيقية، هو الذي استهدف الإرث الحضاري، والتكوين الروحاني المتراكم منذ سوالف الحقب، لدى أهل السهل، ولدى أهل الهضبة. ومثل هذا كثير في تاريخ الأمم. فما أكثر أن اجتاحت قبائل رعوية، حضارات عظيمة، وبددت شملها، وأدخلت أهلها في غفواتٍ حضارية طويلة. نحن نحتفي بتحالف عرب القواسمة، والفونج، لاسقاطهم سوبا وتخريبها، لمجرد أنهم كانوا يحملون "البطاقة الإسلامية". نحن بحاجة إلى النظر إلى تاريخنا، بعقل ينظر وراء البطاقات، ويعرف كيف يحفر وراء التعميمات التبسيطية. (يتواصل).