صحيفة التيار 9 يوليو 2020

يبدو لي أن هذه الفترة الانتقالية هي أكثر الفترات الانتقالية الثلاث، التي مررنا بها، تعثرًا، وغموضا. لم تصمد الفترة الانتقالية الأولى، التي أدارتها جبهة الهيئات، عقب ثورة أكتوبر، وترأس وزارتها الراحل سر الختم الخليفة، سوى ثلاثة أشهر ونصف. إذ قامت جماهير حزب الأمة المجلوبة من الريف على ظهر شاحنات باستعراضٍ للقوة في شوارع الخرطوم ممارسةً ضغطًا على الحكومة لإجبارها على الاستقالة. فاستجاب سر الختم الخليفة واستقال، ربما ليجنب العاصمة حرب شوارع. ولعله عاد بذاكرته لأحداث مارس 1954 الدامية، التي صحبت زيارة محمد نجيب للبلاد حين استدعى حزب الأمة جماهيره من الريف، وحدثت مواجهات مات فيها ضابطان؛ بريطاني وسوداني، و34 من الشرطة والأنصار. أما الفترة الانتقالية الثانية التي أعقبت ثورة أبريل 1985 فقد سارت، بلا إشكاليات تذكر. ولعل السبب هو أن حكومتها كانت واثقةً من قدرتها على تصفية الثورة، وقد فعلت.

الآن، توشك الفترة الانتقالية الثالثة على إكمال سنتها الأولى، ولم يحدث تقدم ملموس في مفاوضات السلام. أيضًا، لم يجر تشكيل المجلس التشريعي، ولا تعيين الولاة، ولا إنشاء المفوضيات. وفي كل ذلك مخالفةٌ صريحةٌ للوثيقة الدستورية، وللمصفوفة، التي تبخرت عقب إعلانها. هذا في جانب السياسة، أما في جانب المعيشة، فالأمر أعجب. فقد عاشت البلاد أزمة خبز ووقود مستدامة. ويبرز الاخفاق أكثر، حين نصطحب حقيقة أننا أمضينا الشهور الثلاثة الماضية في البيوت، بسبب الحظر. فتناقصت حركة النقل داخل العاصمة وخارجها بما يزيد، في تقديري عن 60٪. لم تستغل الحكومة هذه الفرصة في خلق مخزونٍ به تنهي الأزمة. ففي أول يوم عقب الرفع الجزئي للحظر، كانت صفوف السيارات أمام محطة الوقود أطول من المعتاد. وكانت هناك أزمة مواصلات حادة، وزيادة في أسعار النقل. صاحب ذلك، تكدُّسٌ أكبر للجمهور أمام المخابز. بل، بشرتنا الصحف بأن أزمته ستستفحل أكثر.

وسط هذه الأجواء جرى اكتشاف 30 ألف جوال دقيق في مخزن في ولاية النيل الأبيض. ما يجعل المرء يتساءل: كم يا ترى كمية الدقيق المخزنة في كل ولايات السودان؟ كما ورد في الأنباء، أيضًا، إلقاء القبض على شاحنات صهاريج ولم نعرف ما إذا كانت للبيع في السوق الأسود أم للتهريب إلى دول الجوار. والسؤال هنا: كيف يحصل هؤلاء على حمولة شاحنة كاملة من وقودٍ، خرج بأوراق رسمية ليصل إلى قنوات توزيعٍ بعينها؟ اللافت أن لجنة تفكيك التمكين كانت قد زارت مصفاة الجيلي قبل ما يزيد على الأسبوع، وطمأنتنا أن الإشكالات عولجت. لكن مرت الأيام دون أي تغيير، بل أصبحت الأزمة في أول يوم لفك الحظر أسوأ مما كانت عليه.

لقد ظللنا نسمع تطميناتٍ متكررةٍ من منظومة الحكم، بشقيها، ونرى الواقع يزداد قتامةً كل يوم، حتى فقدنا الثقة في تصريحات المسؤولين. فهل لا توجد أموالٌ أصلاً، أم أن هناك عفونةٌ تشي بعملٍ منظمٍ لخنق حياة المواطنين، بغرض إفشال الفترة الانتقالية؟ ما أصبحت أشعر به، هو أن هناك من يحاول أن يقول لنا: أيها البهائم إما أن تنسوا ثورتكم هذه، وترضخوا وإلا فلن تحصلوا على العلف؟ على حكومة حمدوك أن تقلع عن عادة إرسال التطمينات، وتضع الواقع الحقيقي للشراكة، أيًّا كان، أمام الشعب، "على بلاطة".