حفلت الخريطة الفكر/سياسية، العربية، منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، بتناقضاتٍ جمة. وبنظرةٍ سريعةٍ للتاريخ الفكري والسياسي للمنطقة العربية، خاصةً المتعلق بالجماعات الدينية المسيَّسة؛ كالمذهب الوهابي السلفي، الذي تأسست عليه المملكة العربية السعودية، والفكر الإخواني، الذي ظل يسعى إلى تسلُّم السلطة في العالمين العربي والإسلامي، منذ العقد الثالث من القرن العشرين، يجد المرء كثيرًا من التناقضات الفادحة. ويمكن أن نشير، هنا، على سبيل المثال، إلى نكبة الإخوان المسلمين على يد الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، وهجرة عدد من كوادرهم القيادية إلى المملكة العربية السعودية، وتبني السعودية لهم، وتمويل نشاطاتهم، لعقودٍ طويلة. قبل سنواتٍ قليلةٍ، قلبت لهم السعودية ظهر المجن، حين أعلن وزير الداخلية السعودي، الراحل، الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود، فيما يشبه الندم، أنهم أخطأوا في رعايتهم للإخوان المسلمين. منذ تلك اللحظة، بدأت حملة شيطنة الإخوان المسلمين، حتى وصلت حدَّ تصنيفهم جماعةً إرهابية.

أيضًا، فعلت السعودية نفس الشيء مع الشيخ، أسامة بن لادن. استخدمت الإدارة الأمريكية، ومن خلفها، وكالة الاستخبارات سي آي آى، المملكة العربية السعودية، لخلق ما سُمِّي "المجاهدين الأفغان"، بغرض مواجهة احتلال الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان. غير أن تنظيم القاعدة الذي قويت شوكته بتمويل سعودي وتسليح وتدريب أمريكي، سرعان ما انقلب على السعودية، وعلى أمريكا، وأخذ يضرب في عمق أراضيهما. انقلب الأمريكيون والسعوديون على التنظيم الذي صنعوه بأيديهم، ولا تزال الحرب ضده، وضد الجماعات المسلحة التي خرجت من عباءته، قائمةً حتى هذه اللحظة.

في خطوةٍ جديدةٍ صرَّح الأمير، محمد بن سلمان، معلنًا أنهم قد استخدموا المذهب الوهابي، بناءً على توجيهاتٍ غربية، ليلعب دور الترياقٍ ضد التمدد الشيوعي في المنطقة. الأمر الذي يعني أن المذهب الوهابي، قد استنفد غرضه، ولا ضرورة لأن تلتزم السعودية بتعاليمه، من الآن فصاعدًا. لكنَّ المذهب الوهابي تمدد في أقطارٍ عديدةٍ، وقد كانت فروعه في عديد الدول الإسلامية مدعومةً بالمال السعودي، والخليجي، خاصةً في منطقة القرن الإفريقي، ومن بين أقطار القرن الإفريقي التي ينشط فيها السلفيون، السودان. ففي الوقت الذي بدأت فيه المملكة العربية السعودية تتجه إلى تحرير النساء من قبضة السلفية الوهابية، تقوم الجماعات السلفية التي صنعتها السعودية في السودان، بالهجوم على حقوق المرأة. والسودان بلدٌ، كانت فيه المرأة حرَّةً إلى حدٍّ كبيرٍ، إلى أن جاء الإسلاميون إلى الحكم بانقلاب عسكري في عام 1989. بل إن ثورة ديسمبر الأخيرة التي اقتلعت نظام الإسلاميين هي ثورةٌ نسويةٌ، وشبابيةٌ، بالدرجة الأولى ضد القهر الإخواني للنساء. الشاهد، أن الفضاء العربي محشو بالتناقضات، وبالمناهج الذرائعية. لم يصدر عن سلفيي السودان، وجماعات الإسلام السياسي السودانية، أيُّ نقدٍ لما قامت به السعودية من توجه انفتاحي. هذا في حين شرعوا الآن في شيطنة الفترة الانتقالية في السودان بسبب مباراة في كرة القدم النسائية، وبسبب تجدد الجدل حول اتفاقية سيداو. تستخدم هذه الهجمة المرتدة على الثورة السودانية، الخطاب الديني السلفي التكفيري، بغرض إرباك الفترة الانتقالية، وصرف الأنظار عن الجهود الجارية في الإعداد للتحول الديمقراطي القادم.

يعيد الإسلاميون والسلفيون ذات الأسلوب القديم الذي استخدموه في عام 1965، بعد عامٍ واحدٍ من ثورة أكتوبر 1964، حين قادوا حملة حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه من البرلمان. وقد تضافرت في تلك المؤامرة في حقبة الديمقراطية الثانية (1964 – 1969)، جهودُ كلٍّ من الشيخ حسن الترابي، والسيد الصادق المهدي، والزعيم إسماعيل الأزهري، وبقية القوى الطائفية. كما جرى استخدام ذات الخطاب التكفيري، أيضًا، في عام 1968، وانتهى بالحكم بالردة على الأستاذ محمود محمد طه. وهو نفس الحكم الذي جرى استنادا عليه، إعدام الأستاذ محمود محمد طه، في أخريات حكم الرئيس الأسبق، جعفر نميري، في عام 1985.

بدأت حملة شيطنة وزراء الفترة الانتقالية، في هذا المنعطف السوداني الجديد، بخطبةٍ للشيخ عبد الحي يوسف، إمام مسجد حي جبرة، جنوبي الخرطوم، هاجم فيها وزيرة الشباب والرياضة، ولاء البوشي، لتدشينها مباراةً لكرة القدم النسوية. وصف إمام المسجد الوزيرة بالانتماء إلى الحزب الجمهوري، الذي تقوده، حاليًا، أسماء، ابنة المفكر الشهيد، محمود محمد طه. وقد نفت الوزيرة ولاء انتماءها لأي حزب. ولكن الحملة استمرت في ربط الوزيرة بالحزب الجمهوري، بغرض شيطنتها، وشيطنة الفترة الانتقالية برمتها، ووصم كل ما يجري من مراجعات لتركة النظام السابق المثقلة بقضايا الفساد، بالعلمانية، وباستهداف الدين الإسلامي. هذا في حين أن تكوين فُرُقٍ لكرة القدم النسائية، لم يكن قرارًا اتخذته هذه الوزيرة، ولا علاقة له، البتة، بالفترة الانتقالية. فقد جرى الشروع في تكوين فرق لكرة القدم النسائية، في فترة حكم الرئيس المعزول، عمر البشير، تمشيًا مع توجهات الاتحاد الدولي لكرة القدم، (فيفا). حينها، صمت هؤلاء الأئمة، ولم يبدوا أيَّ معارضةٍ لذلك القرار. ولسوء حظ من قادوا هذه الحملة المغرضة، أن السعودية أعلنت في نفس الوقت، الذي قامت فيه الوزيرة السودانية ولاء البوشي بركلة البداية للمباراة النسائية في الخرطوم، عن الشروع في دوري لكرة القدم النسوية مكون من ست فرق. ولم يعلق هذا الإمام الذي قاد الحملة، ولا غيره، ممن ركبوا معه الموجة، على ما جرى في السعودية، ولا بكلمة واحدة. واستمروا في تدبيج الخطب النارية من بعض منابر المساجد، وشغل وسائط التواصل الاجتماعي، بالهجوم على الحزب الجمهوري، وعلى وزارة الفترة الانتقالية.

بقي أن نقول، إن هذا الإمام الذي قاد هذه الحملة الجائرة، المغرضة، على الوزيرة، وعلى مجمل الفترة الانتقالية، واصطف من خلفه رهط المتضررين من زوال نظام البشير، من الإسلاميين، رجلٌ متطرفٌ، خطب عقب مقتل بن لادن، وأقام عليه صلاة الغائب. كما أن له تسجيلٌ على موقع يوتيوب، يشيد فيه بالمتطرفين الانتحاريين الذي يربطون الأحزمة الناسفة ويفجرونها في أماكن التجمعات. أيضًا، نفس هذا الإمام، هو الذي اعترف الرئيس المعزول عمر البشير، أثناء محاكمته التي تجري حاليًا في الخرطوم، بمنحه خمسة ملايين دولارًا، من مجمل الخمسةِ وعشرين مليون دولارًا، التي وصلته من المملكة العربية السعودية، بطائرةٍ خاصة. فلا غرابة، إذن، أن صمت هذا الشيخ المتطرف، عن كرة القدم النسائية في السعودية، وعن توزيع شيوخ الوهابية الزهور في شوارع المملكة العربية السعودية، في عيد الحب الغربي، المسمى "فالنتاين". ولا غرابة، أيضًا، أن غض الطرف تمامًا عن حفلات الترفيه الغنائية الراقصة، وغيرها من إجراءات الانفتاح، التي لا تنفك، تتوالى تباعًا، في المملكة العربية السعودية، خبط عشواء.

القضية الثانية التي استخدمها السلفيون والإسلاميون، في السودان لإرباك الفترة الانتقالية، هي اتفاقية "سيداو"، الهادفة لإزالة التمييز ضد المرأة. أعادت الحملة الجارية الآن، ما ظل نظام البشير المدحور يردده باستمرار، لتبرير عدم التوقيع على هذه الاتفاقية، زاعمًا أن الاتفاقية تهدف إلى نسف العقيدة الإسلامية، وجر المجتمع السوداني إلى التفسخ والانحلال. هذا، في حين تمنح بنود هذه الاتفاقية، الموقعين عليها، حق أقلمة البنود بما يلائم السياق الثقافي والأخلاقي الخاص بكل قطر. غير أن الكارهين، أصلاً، لمنح النساء حقوقهن الدستورية، لا يناقشون نص الاتفاقية بموضوعية، وبنَفَسٍ هادئٍ، وإنما يتجهون، مباشرةً، إلى الشحن الديني العاطفي التهييجي، لخلق مناخٍ يتعذر فيه إسماع صوت العقل. والغرض المخفي وراء هذا التباكي الكاذب على الدين، هو محاولة استعادة المنظومة الاستبدادية المدحورة، والمنافع الشخصية التي أضحت مهددة، وإرباك الفترة الانتقالية، وصرفها عن أداء مهامها، أملاً في استعادة البنية الاستبدادية، الكليبتوقراطية، التي أخذت تخضع، حاليًا، للتفكيك.

بقي أن نقول إن السعودية، صاحبة المذهب الوهابي، موقعةٌ على اتفاقية سيداو، ومصر بأزهرها، موقعةٌ عليها، أيضا. بل، إن كل الدول المنضوية تحت مظلة الجامعة العربية، موقعةٌ على هذه الاتفاقية، باستثناء السودان، والصومال. السبب، أن السودان بقي تحت قبضة حكم الإسلاميين لثلاثين عامًا، أنفقوها في تدبيج الخطاب الديني الملتهب، واستخدامه لتغطية نهبهم لموارد الدولة، حتى أسقطتهم ثورة الشباب في ديسمبر 2018. أما الصومال فقد بقي متأثرًا بنظام الإسلاميين في السودان، منذ سقوط نظام سياد بري. كما وجد فيه السلفيون الممولون من السعودية، ومن دول الخليج أرضًا خصبةً لتوجهاتهم. فمن خليط التأثيرين؛ السوداني الإسلاموي، والسعودي السلفي، نشأت المحاكم الإسلامية، في الصومال، وانبثق منها لاحقًا، تنظيم الشباب الصومالي المتطرف.

يهاجم إسلاميو السودان وسلفيوه، الآن، الفترة الانتقالية بضراوةٍ شديدة، رغم أنها لم تكمل الشهرين، بعد. يصفونها بأنها تنوي هدم الدين، لمجرد أن مباراة نسائية جرت بناء على قرار جرى اتخاذه في فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير، ولمجرد أن جدلاً بدأ يثور حول إعادة النظر في الامتناع عن التوقيع على اتفاقية سيداو. هذا، في حين لم نسمع قط أن شن هؤلاء حملةً على السعودية، أو على مصر وأزهرها، لأنهن وقعتا على تلك الاتفاقية. يقدم إسلاميو السودان، وسلفيوه، بحملتهم الانصرافية هذه، أبشع الأمثلة، في صناعة الماء العكر، من أجل الصيد فيه. كما يقدمون، أيضًا، أصرخ مثلٍ للديماغوجية الانتقائية، وللشعبوية الدينية، واللامبدئية، علاوةً على فقدان الهدف السامي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.