قبل أن تكتمل التحريات، في قضية اختفاء الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، المعارض لسياسات الأمير، محمد بن سلمان، شرع الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في التبرير، استباقيًا، للموقف اللامبدئي، واللا أخلاقي، الذي ينوي وقوفه، في هذه القضية المحزنة، بالغة الغرابة، بالغة الشذوذ. فمع بدايات سيطرة القضية على العناوين الرئيسة، لوسائط الإعلام العالمية، صرّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، أن حكومته سوف تفرض عقوباتٍ صارمةٍ على الحكومة السعودية، حال ثبوت تورطها في قضية اختفاء خاشقجي. غير أنه سارع، مُردفًا، كعادته في قلة الحياء، حين يتعلق الأمر بجلب المال، إلى القول: إن العقوبات الأمريكية، المحتملة، على السعودية لن تشمل صفقات الأسلحة معها، لأن ذلك، وفقًا لتعبيره، "سيؤذي الولايات المتحدة الأمريكية". ولم يمض أسبوعٌ، حتى أردف ترمب، قائلاً: إن الذين غيَّبوا خاشقجي مجموعةٌ مارقةٌ، لا صلة لها بالبلاط الملكي السعودي.


هكذا قيَّض الله لحادثة اختفاء الصحفي جمال خاشقجي أن تصبح محكًا يفضح ظاهرة التآكل الأخلاقي، التي أخذت تتبدى، كأبشع ما يكون، على مستوى رؤية، ومسلك، رئيس أكبر دولة في العالم، يُنظر إليها، بوصفها، "زعيمة العالم الحر". وفي نفس الوقت، أبرزت مستوى الانحدار الأخلاقي، واللامبالاة، والحرص المريض، على النيل من الخصوم السياسيين، وبكلِّ سبيلٍ ممكن، لدى ولي العهد السعودي، الذي أخذ الغربيون ينظرون إليه، منذ فترة، بوصفه مصلحًا، وهبة الله إلى السعودية، في دروب التحديث. فوضح الآن، وسط ذهول، واستخذاء، الصحافة الغربية، أنه داعشيٌّ، متوحشٌ، تتقزّم أمام أفعاله، كل ما أظهرته ممارسات داعش من توحش.


جمعت حادثة اختفاء الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية، في استنابول، بتركيا، بين تيَّارين أخذا يجسدان، في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، المدى المريع الذي بلغته ظاهرة التآكل الأخلاقي، على مستوى المسلك الدولتي، في كلٍّ من أمريكا ترمب، والمملكة السعودية. ففي هذه الحادثة، ركبت الولايات المتحدة الأمريكية؛ الدولة التي تُعدُّ "زعيمة العالم الحر"، والنظام السعودي، الذي يمثل، دون منازع، أكثر أنظمة الأرض تخلفًا دستوريًا، وقانونيًا، وظلاميةً، ووحشية، فوق سرجٍ واحد. وما كان لظاهرة التآكل الأخلاقي، الذي وسم مجمل التجليات السياسية، لحقبة الحداثة، أن تجسد أزمة الأخلاق، وأزمة الديمقراطية، في وضعٍ أبلغ من هذا الوضع.


وصل إلى رئاسة أغنى، وأقوى، دولةٍ في العالم، رجلٌ لا يعرف قيمةً، غير قيمة المال، والكسب السياسي الشخصي، المرتبط بالمال. رجلٌ مشغولٌ فقط بإرضاء ناخبيه داخل أمريكا. ويريد، في سبيل ذلك، أن يستغل المملكة العربية السعودية، ويحلب ضرعها، إلى آخر قطرة فيه، ليوفر للشعب الأمريكي وظائف في قطاع تصنيع الأسلحة، كما يقول. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، لا يبالي بالتضحية بأي مبدأ. فلا حقوق الانسان، ولا العدالة، ولا المبادئ الأخلاقية، ولا حكم القانون، تعني لديه شيئا. بل هو مستعدٌ، كما رأينا، إلى اختلاق متَّهمٍ آخر، من صنع خياله، لكي يصرف الاتهام عن البلاط السعودي، حتى لا تتأثر صفقات الأسلحة التي أمضاها معهم. وقد ظل يكرر، عبر الأسابيع القليلة التي سبقت هذه الحادثة البشعة المقززة، مخاطبًا البلاط السعودي، في نبرةٍ مهينةٍ، لا تحتملها نفس كريم: "عليكم أن تدفعوا لنا، نظير حمايتنا لكم، لأن نظامكم لن يصمد لأسبوعين، من غير حمايتنا".


من الملاحظ، وعبر فترةٍ طويلةٍ من الزمن، أن البلاط السعودي، ومعه بعض من الأنظمة الملكية الخليجية، قد أيقنوا من فرضية أن الجميع يمكن شراؤهم بالمال، بما في ذلك رئيس أكبر دولة في العالم. استوثق البلاط السعودي، أن في وسعه، بناءً على قوةِ تأثيرِ المال، أن يرتكب أبشع التجاوزات. بل، أن يرتكب أبشع الجرائم، المماثلة لجرائم المافيا، ثم يخرج من المساءلة القانونية، والأخلاقية، خروج الشعرة من العجين. وها هو اليقين بقوة التأثير اللامحدود للمال، يتأكد أكثر حين ينبري للدفاع عن السعودية في جريمة مقتل خاشقجي، رئيس الدولة الأكبر في العالم.


دعونا نتأمل، أن أمريكا التي خرجت، طوعًا من عزلتها، في أربعينات القرن الماضي، وحشدت مواردها وجيوشها، وعبرت الأطلسي، لكي تنقذ أوروبا الغربية، والعالم من ورائها، من قبضة النازية والفاشية، أصبحت تقف اليوم، في عصر اللوثة الترمبية، في وجه كل أحرار العالم، مدافعةً، عن البلاط السعودي، في قضيةٍ لم تكتمل فيها التحقيقات، "من أجل حفنةٍ من الدولارات". بل، هي قضيةٌ تشير كل القرائن الظرفية، ومن عديد الزوايا، إلى أن البلاط السعودي متورط فيها، حتى أذنيه.


والآن، ها هو البلاط السعودي بعد أسبوعين من الانكار الكامل، لحدوث جريمة داخل قنصليته، يخرج على الناس بقصةٍ مضحكةٍ، مفادها أن خاشقجي قُتل في عراكٍ داخل القنصلية! ولم يهتم البلاط السعودي أن السؤال الذي سوف ينشأ في هذه الحالة هو: لماذا لم تبلغ قنصليتكم السلطات التركية، منذ الوهلة الأولى، أن حادثة قتلٍ جرت داخل مبناها؟ أليس واجبها الأول هو أن تستدعي الشرطة التركية ؟ فلم أخفيتم الجثة، وتسترتم على حادثة القتل، لأكثر من أسبوعين؟ ولو صدقنا هذه القصة المضحكة، أليس من واجب القنصل السعودي، إبلاغ السلطات السعودية، أن جريمةً وقعت في قنصليته؟ أين كنتم طيلة الأسبوعين المنصرمين، والعالم كله مشغول بهذه الجريمة الصادمة؟


لقد بلغ الانحطاط الأخلاقي في هذا العصر درجةً، يبدو أنها، أصابت كثيرًا من الناس بتبلد الشعور، فأصبحوا قليلي الحساسية تجاه التجاوزات الأخلاقية. ويبدو، أن أساليب الخداع والتمويه، ولي عنق الحقائق، أصبحت هي العملة السائدة. وقد أصبح فن الخداع والتمويه والتعمية على الحقائق، صنعةً لمتقني المماحكات الحجاجية، السمجة، من أهل الأقلام والأفواه المأجورة الذين أصبحوا ضيوفًا دائمين على القنوات التلفزيونية. فما أكثر ما شاهدنا هذه الأقلام والأفواه المأجورة، وهي تعمد إلى خلق سحب من الضباب، لحجب الحقائق، والتشويش عليها. الأمر الذي ينتهي إلى بلبلة العقول، وإضعاف الحس الأخلاقي السليم، لدى الجمهور، وتطفيف موازين الحق والعدل.


تصور أن يتحول الحكام، في عصرنا هذا، إلى مدبري جرائم، على طريقة المافيا. وأن تصل درجة اللامبالاة لديهم، بالقانون الدولي، وبالأعراف الدبلوماسية، وبحكم القانون، وبالعواقب المحتملة للأفعال الإجرامية، حدَّ استخدام قنصلية بلدهم، في دولة أخرى، مسرحًا لجريمةٍ مدبرة. وتصور، أن يصبح رئيس الدولة الأعظم فيما يسمى بمنظومة الدول العظمى، شخصٌ لا ينظر إلى قضية مقتل صحفيٍّ، بأكثر الصور بشاعةً، ووحشيةً، داخل مبنى قنصلية بلده، في أكثر صور الغدر، خِسَّةً ونذالةً، إلا من زاوية ضررها المحتمل على صفقة أسلحةٍ مليارية، عقدها مع حكام ذلك البلد.


يتضح، جليّا، من هذا الموقف الثنائي، اللا أخلاقي، المشترك، لكل من السعودية وأمريكا دونالد ترمب، أن السلطتين في هذين البلدين ليستا سوى وجهين لعملة واحدة. هذه العملة الواحدة، هي عملة الجهل الموبق، والفقر الأخلاقي المدقع، واللامبالاة الكاملة، بكل ما حمله التراث الانساني، وكل ما أكدته الشرائع السماوية، وعظَّمه سائر بني البشر، عبر العصور، من قيم الحق، والعدل، والنزاهة، والانصاف. من أكبر تجليات التردي المعرفي والأخلاقي في هذا العصر، ظاهرة وصول غير المؤهلين معرفيًا، وأخلاقيًا، إلى سدة الحكم، خاصةً حين ينطبق ذلك على دولة في كِبَرِ، وأهميةِ، الولايات المتحدة الأمريكية.


أما جرجرة الأقدام التي بقيت تمارسها الحكومة التركية، وتقديم المعلومات بالقطارة، نقطةً، نقطةً، للرأي العام، المحلي والعالمي، فهي الضلع الثالث المُكمِّل في هذا المسرح الذي يتجلَّى عليه الآن، الانحطاط الأخلاقي، كأبشع ما يكون. بقيت السلطات التركية تسرِّب المعلومات عن هذه الجريمة، إلى الصحافة، بغرض الضغط على البلاط السعودي، لجره إلى الاعتراف بحدوث الجريمة داخل القنصلية. وقد أثمر هذا التكتيك، كما رأينا. ويبدو أن الغرض من حرب الأعصاب هذه، هو وضع السلطات السعودية، وعلى رأسها الديوان الملكي السعودي، في ركن ضيق، حتى يضطر إلى إبرام صفقة ما، مع تركيا. ولكن، في نفس الوقت، إخراج الجالسين على قمة السلطة في السعودية، من المسؤولية عن الجريمة. ويبدو أن القضية سوف تنتهي على هذه الصورة. ونحن الآن في انتظار كيف سيتعامل الغربيون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، مع هذه الحبكة المهلهلة. الشاهد، أن الانحطاط الأخلاقي، في الممارسة السياسية، قد وصل في هذه القضية، إلى الذروة. ووضح أن الحكومات، بما فيها حكومات ما يسمى "العالم الحر"، تتحول، وبقوةٍ لافتة، إلى مجموعةٍ من العصابات. وكان الله في عون بني البشر، حتى تبزغ في أفق الحداثة المظلم الكئيب، شمس الحق والحرية والعدالة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.