كتبت في بداية هذا العام مقالةً عن التخبط الجيواستراتيجي لنظام الإنقاذ. وجاءت تلك الكتابة، على أثر تطورٍ لافتٍ، في التقارب التركي السوداني، كان قد أعقب، بصورةٍ مفاجئة، ميل نظام الانقاذ إلى المحور الإماراتي السعودي المصري، وما تبع ذلك من اشتراك نظام الانقاذ في حرب اليمن. ولقد أثارت تلك القفزة، في التقارب التركي السوداني، حنقًا مصريًا، سعوديًا، إماراتيًا. وقد جرت القفزة في التعاون السوداني التركي، في نفس الفترة التي استنجد فيها الرئيس عمر البشير بروسيا، على رؤوس الأشهاد، طالبًا منها أن تدرأ عنه خطر الاستهداف الأمريكي. وقد قلت، حينها، إنني أتوقع أن تحدث، نتيجةً لتلك الحالة من الحنق، أفعالٌ مضادةٌ، من نوعٍ ما، ربما تكشف عنها الأيام المقبلة. وها هو بعضٌ مما توقعته، قد أخذ في الظهور. لكن، للحق، فقد فاجأني، ما جرى، إذ لم أتوقع أن تجيء ردة الفعل بهذه السرعة، وعلى هذا النحو الذي جرى؛ خاصةً، النجاح اللافت، في مصالحة إثيوبيا وإريتريا، الذي قلب التوازنات الجيواستراتيجية، في منطقة القرن الإفريقي، وحوض النيل، رأسًا على عقب. وجعل نظام البشير، في أضعف أحواله على الإطلاق. ولربما سيكون لهذا التحول الكبير، ما بعده، في تحديد عمر نظام الإنقاذ، أو، على الأقل، تغيير طبيعته، إلى ما يخالف، كلِّيًا، الصورةَ التي طالما عرفناه بها. وها هي مصر، مما أظهرته كتابات العاملين في مركز الأهرام، تدخل، بقوة، مستغلَّةً هذه الحالة من فقدان الاتزان، التي دخل فيها نظام البشير.

قلت أيضًا، في نفس المقالة القديمة، التي أشرت إليها، إن أزمة الخيارات الجيواستراتيجية للسودان، بدأت من قبل الاستقلال. ولقد كان سببها هذا التوجه العروبي، لدى النخب السودانية، التي أدارات حراك الاستقلال، وأدارت، من بعد الاستقلال، مجمل شؤون الدولة. فقد جرَّ الاستلاب العروبي السودانَ من حاضنته الإفريقية، والشرق إفريقية، ورماه في أوار جيوبوليتيكا منظومة المشرق العربي، المتمحورة حول القضية الفلسطينية، التي ما فتئت تسير من خسارةٍ، إلى خسارةٍ أفدح من سابقتها. خرج السودان بذلك الخيار الخاطئ، من المظلة البريطانية، ليضع نفسه، بلا سببٍ وجيهٍ، يخصه، في سلَّةِ معاداة الغرب لعقود طويلة. ولقد توَّج نظام الانقاذ الحالي، حالة العداء للغرب، بالانخراط في مناطحةٍ ساذجةٍ للغرب، وفي تحالفاتٍ مع طيفٍ واسعٍ من المتطرفين، جلبت على السودان، حالة العزلة الخانقة، التي توشك، الآن، أن تخمد أنفاس كل شيءٍ، في دولته.
كان في وسع السودان، أن يسلك طريقًا مماثلاً للطريق الذي سلكته، كينيا، ويوغندا، والهند، وسائر المستعمرات البريطانية السابقة. أي، أن ينصرف إلى العمل على تثبيت، واستدامة، حالة الاستقرار، التي ورثها من البريطانيين، والتركيز على جهود بناء الدولة. بل كان في وسع السودان، أن يسلك دربًا كالذي سلكته سلطنة عُمان، التي بقيت مستظلةً بالمظلة البريطانية، حتى يومنا هذا، مفضِّلَةً، من أجل مصالحها القطرية، التغريدَ المستمر، خارج السرب العربي، متضارب الأهواء. أبعدت سلطنة عمان نفسها، عن كل المؤثرات، الخارجية، التي تعطل جهود بناء دولتها، وتضر بعلاقاتها الدولية.

أدى ضعف الرؤية الجيواستراتيجية، لمشروع الاستقلال السوداني، إلى حالة مستدامةٍ من الفشل العام. وهو فشل تواصلت حلقاته، حتى وثب الإخوان المسلمون إلى السلطة، عبر انقلابهم العسكري الذي جرى في يونيو 1989. بوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، وتراجع الأنظمة العروبية، من ناصرية، وبعثية، خرج السودان من الانجرار السياسي العروبي، الممتد منذ الاستقلال، إلى انجرارٍ آخر، وضعه على مسارِ إيديولوجيا الإسلاميين، عابرة الأقطار. ولا اختلاف، من حيث الخطأ الجيواستراتيجي، بين الانجرارين، فعداء الغرب، هو ما يجمع بينهما. كما تجمع بين الانجرارين، أيضًا، الصبغة الإيديولوجية الشمولية، المنكرة لتنوع السودان، ولطبيعته الثقافية، الكوشية، الشرق إفريقية. أيضًا، أضاف الانقاذيون، إلى عداء الغرب، منذ أول يومٍ وصلوا فيه للسلطة، عداء الدول العربية الخليجية، وعداء دول القرن الإفريقي. فقد انخرطوا في تدخلات في الإقليم، وفي أعمال إرهابية، متعددة، انكشفت لأهل الإقليم، وللمجتمع الدولي. فدخلت البلاد، بسببها، في فخ العزلة الدولية والإقليمية، المحكمة، التي وصلت الآن إلى أحرج مراحلها.

تحول عمى نظام الإنقاذ الجيواستراتيجي، ليصبح عمى تكتيكيًا، به فقد القطر جنوبه. انفصل الجنوب، وتعمَّقت الأزمة الاقتصادية، وتفاقم الخطر على بقاء النظام، فاضطر إلى تغيير تحالفاته، فقام بطرد الإيرانيين. لكن، لا أحد من أهل الإقليم، عربُهم، وغيرُ عربِهم، صدَّق، أن الانقاذ غيرت خطها، أو أجندتها. ولا يزال من جرَّوا الانقاذ، مكرهةً، إلى مستنقع حرب اليمن، يقولون، إن سيفها معهم، ولكن قلبها، مع قطر، ومع تركيا؛ أي، مع جملة مشروع الإسلاميين للعالم العربي.


الإنقاذ على منصة الخنق
أتقنت الانقاذ، بالممارسة الطويلة، لعبة التكتيكات السياسية، واستطاعت أن تلعب على أكثر من حبل، وأن تقوم بالملاحة بسلامٍ، وبسلاسةٍ، وسط أمواج الإشكالات الداخلية، والخارجية، لما يقارب الثلاثين عاما. وقد غرَّتها النجاحات المتتالية، في الخروج من المطبات، أيَّما غرور. فهي، بحكم بنيتها العقلية المؤدلجة، وقلَّةِ محصولِ كبار قادتها من المعارف، ومن المرونة المطلوبة، لإدارة دولة شديدة التعقيد، كالسودان، لم تنتبه إلى خطر الألاعيب التكتيكية، قصيرة الأجل. يضاف إلى ما تقدم، أنها استهانت بقدرات الغرب، وبقدرات القوى الإقليمية؛ في الجوار الشرق إفريقي، وفي الجوار العربي الخليجي، وفي الجوار المصري. وها هو العمى الجيواستراتيجي، وسوء التقدير، يقودها، مغمضة العينين، إلى فخِّ الخنقِ. وتقف الإنقاذ، الآن، على منصة الخنق، وهي في أكثر أحوالها ضِعَةً، وضعفًا، وقِلَّةَ نصير.

راهنت الإنقاذ على حالة التباعد المصري الإثيوبي، فوقفت مع إثيوبيا في ملف سد النهضة، لكي تجد مساحةً للمناورة مع مصر. وراهنت، في نفس الوقت، على حالة استمرار حالة العداء بين إثيوبيا وإريتريا، فمالت نحو إثيوبيا لتضعف أوراق إريتريا، التي يمكن أن تستخدمها ضدها. استنادًا على هذه المعطيات، وغيرها، نظَّمت الانقاذ أوراقها التي تلعب بها في المنطقة. لكن الأوضاع تبدلت، فجأةً. فقد انتهت حالة العداء الإثيوبية الإريترية. وانتهت حالة الاحتقان بين إثيوبيا ومصر، حول ملف سد النهضة. أكثر من ذلك، احتضنت السعودية والإمارات، النظامين الإثيوبي والإريتري، واستقبلت رئيسي الدولتين بحفاوةٍ لافتة. بهذه التغيُّرات الدراماتيكية السريعة الكبيرة، فقد نظام الانقاذ معظمَ أوراقه، بما فيها ورقة الصومال، التي كانت إريتريا تخدم فيها أجندة الإسلاميين، لا حبًا فيهم، وإنما كيدًا لغريمتها، إثيوبيا. باختصارٍ شديد، فقدت الانقاذ، الآن، أوراقها التي كان تدير بها تحركاتها المتقلبة في المنطقة، وتمارس بها ألاعيبها، ذات الأهداف القصيرة. ويمكن القول إن الحلف السعودي، الإماراتي، المصري، البحريني، قد كسب، حاليًّا، رُجحانَ الكفةِ، في منطقة القرن الإفريقي، ووادي النيل. وهو نجاحٌ يعد خصمًا على كفة الحلف التركي، القطري، الذي لا تزال الإنقاذ محتفظةً معه، بشعرةِ معاوية. كسبت إثيوبيا وإريتريا مغانم كثيرة، من الحلف السعودي، دون أن تقحما نفسيهما في حرب اليمن. وخرج السودان بخفي حنين، وبجنود يموتون كل يوم، في حربٍ لا ناقة لهم فيها، ولا جمل.


السودان جزء من منظومة القرن الإفريقي
يُحمد لمحمد أبو القاسم حاج حمد، أنه كان أول من دعا إلى كونفدرالية القرن الإفريقي. لكن، لم يكن طرح حاج حمد، في هذه الوجهة، عميقًا، بالقدر المطلوب. فقد اعتل طرحه، بسبب علل شخصيته. ومن ذلك، عروبيته، وانغماسه الشخصي، مع الأنظمة المختلفة في المنطقة. ثَلَمَ تماهي حاج حمد مع مختلف الأنظمة، في الجزيرة العربية، وفي القرن الإفريقي، وفي الهلال الخصيب، الحدَّ القاطعَ لطرحه. ومع ذلك، يعود له الفضل، في التأشير نحو هذه الوجهة الصحيحة.

بقي أن نقول، إن الميل الإثيوبي الإريتري، إلى المحور السعودي الإماراتي، المصري، البحريني، يقف وراءه الخوف من مشروع الإسلاميين، ومن وسائل تحقيقه العنيفة، التي بدأت تظهر عقب ثورات الربيع العربي. وتملك أجهزة استخبارات المنطقة، شرقي وغربي البحر الأحمر، من الأدلة، ما يثبت أن النظام السوداني، هو حصان طروادة الإسلاميين، في منطقة القرن الإفريقي، ووادي النيل. والنزعة التوسعية لدى محور الإسلاميين ليست وقفًا عليه، وحده، فالمحور الآخر، له نزعته التوسعية وحروبه من أجلها. يضاف إلى ذلك أن السعودية ظلت، تعمل على تصدير النسخة الوهابية من الإسلام، إلى مختلف الأقطار، مشعلة بذلك الصراع المذهبي. لكن، يبدو أن التوجه الجديد للسعودية، قد شجع كلا من إثيوبيا وإريتريا، على التقارب معها، ومع حلفها. يضاف إلى ما تقدم، فإن لهذا التقارب فوائده المالية، والاقتصادية، والأمنية، الجمة، لكلِّ من إثيوبيا وإريتريا.

ليس للسودان مصلحة في الانتماء إلى أيٍّ من الحلفين العربيين المتنافسين. وتنحصر مصلحة السودان، فيما أرى، في أن يكون جزءًا من منظومة القرن الإفريقي، التي بدأت في التشكُّل مؤخرا، فهذا يعينه على أن يتعاطى مع الطيف العربي، باتزانٍ، يضمن له استقلالية قراره. فميل إثيوبيا وإريتريا، إلى الحلف الذي تتزعمه السعودية، ميلٌ تكتيكي، وليس ميلاً استراتيجيا. فهذان قطران يعرفان كيف يديران مصالحهما، بناءً على معرفتهما الراسخة بطبيعة ثقافتهما، وهويتهما الوطنية، وصورة مستقبلهما. ولذلك فقد ظلا قطرين محترمين، ومهابين. وحين يدخلان في صفقةٍ ما، مع الفضاء العربي، يكونان رابحيْن فيها.

أما السودان فقد ظل، منذ استقلاله، قطرًا مستلحقًا، مستتبعًا. أضاعت نخبه التي أسلمت قيادها، منذ منتصف القرن الماضي، إلى العروبيين، والإسلاميين، على التوالي، بَوْصَلَته الوطنية، الهادية. وهكذا انتهى السودان، إلى مجرد كمٍّ مهملٍ، يجري به استكمال المقايضات الوقتية، في توازنات الإقليم، ما أفقده وزنه الجيواستراتيجي، بل، واحترامه. ودعونا، فقط، نقارن بين الكيفية التي استقبل بها السعوديون والإماراتيون، الرئيسين؛ الإثيوبي، أبي أحمد، والإرتيري، أسياس أفورقي، والكيفية التي ظلوا يستقبلون بها الرئيس البشير، الذي حفيت أقدامه، من كثرة الركض إليهم.

خلاصة القول، يعاني السودان من انعدام الرؤية، ومن عدم معرفة حقيقة انتمائه الثقافي، ومن ثم أهميته الجيواستراتيجية. لا مناص، البتة، من رجوع السودان إلى حاضنته الشرق إفريقية، بأن تكون سياساته متناغمة معها. وأن تكون أجندته الوطنية هي همه الأول والأخير. نحن، الآن، أحوج ما نكون، إلى رسم تصورٍ جيواستراتيجي، سودانيٍّ، يخدم المصلحة الوطنية، بعيدًا عن التماهي، الكلي، مع أي محور من المحاور العربية، أو الإقليمية. ولا تكون البداية، في هذا المسار، بتبديل الوجهة السياسية، وحسب، وإنما بتبديل الوجهة الثقافية، في المقام الأول. ويقتضي ذلك، مراجعاتٍ تاريخيةً، جوهرية. إضافةً إلى نقدٍ عميقٍ لتجربة الاستلحاق، والاستتباع، التي بدأت منذ الغزو الخديوي. ثم مراجعة تجربة الاستقلال، ونقد أخطائها المتكررة. هذا هو الطريق للخروج بملامح جديدة، لأفقٍ جديدٍ، منفتحٍ على حراك الكوكب، يكفل للبلاد، الاستقرار والنماء. ولا يكتمل ذلك، إلا بتعليمٍ جديدٍ، وأكاديميا ومراكز بحوث مستقلة، مرتبطة بنظيراتها في القرن الإفريقي. وكذلك، بإعلام جديدٍ، يرفد جهود الصحوة الثقافية، ويحدو قوافل إعادة بناء الدولة السودانية، التي أوشكت أن تتحول، بسبب فقدان الرؤية، إلى هشيم تذروه الرياح. هذا هو واجبنا المنزلي homework، الذي طالما تقاعسنا عن القيام به. وكل المؤشرات تقول: إن الأوان قد آن، لكي نطَّلعَ به. وما أكبرَ، وأطولَ، غفلة مثقفينا، وأكاديميينا، وأحزابنا، وسياسيينا، وانصرافهم عن هذا الواجب المركزي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.