الحكام هم أكثر خلق الله عرضةً للإصابة بعمى البصيرة. فمن طبع الحاكم أن يعيش في حوصلةٍ منفصلةً تمامًا عن الواقع الذي يعيشه شعبُه. والسبب هو الإحساس بالاستحقاق المطلق في الترف، ورغد العيش، الذي يجعل الحاكم غير قادرٍ على رؤية الواقع، على نحوٍ مغاير لما يعيشه هو، ومن حوله. ولا تُلجم نزواتِ الحكَّامِ في الترفِ ورغدِ العيش، إلا الأنظمةُ الديمقراطيةُ، الراسخةُ، الفعالة. ولربما أمكن القول إن اللَّجمَ المؤسسيَّ، لشهوات الحكام في كنز المال، وفي حياة الترف، والتبذير، والدعة، لم يبدأ، بصورة جدية، إلا بعد ظهور أنظمة الحكم الديمقراطي. وبطبيعة الحال هناك استثناءات؛ فقد عرف التاريخ القديم، حكامًا زاهدين في حطام الدنيا، سبقوا مجيء الأنظمة الديمقراطية الحديثة، مثلما جرى في صدر الإسلام، ولكن، لفترةٍ قصيرةٍ جدا.

تحيط بكل حاكمٍ، بل، وكل رئيسٍ، في أي مجالٍ من مجالات العمل المؤسسي، بطانةٌ، من أهل المصلحة. والبطانة وفقًا لقاموس المعاني، هم الأصفياء الذين يكشف لهم الرجل أسراه. وفي السياسة هم المقربون المحيطون بالحاكم. وهناك بطانة خيرة وهناك بطانة شريرة. وتحرص البطانة الشريرة، أشد الحرص، على أن تصبح عين الحاكم، أو المسؤول، التي يرى بها الأمور. فدور هذا النوع من البطانة، النابع من سوء القصد، يتلخص في منع الحاكم، أو المسؤول، من رؤية الأمور، على حقيقتها. تقوم تلك البطانة بصناعة صورةٍ ورديةٍ، لواقعٍ وهميٍّ، تغذِّي بها عقل الحاكم. وتظل تعيد عليه من صورٍ ورديةٍ، حتى يصدقها، ويكتمل إيمانه بها. وبطبيعة الحال، يود كل أنسان أن يكون مَرْضَيًّا عنه. ولأن البطانة تعرف ذلك، فإنها تسرف في تعبيرها، عن رضاها عن الحاكم. ويقوم الحاكم، بدوره، بسحب ذلك الرضا الذي يحسه في تلك الدائرة، المحيطة به، على النطاق الأوسع. فيخالُ أنَّ كلَّ الشعب راضٍ عنه.

لا يخرج من مثل هذه الأشراك، والفخاخ، سوى الأذكياء، الغارفين من معين الحكمة القديمة. غير أن هؤلاء نادرًا ما يصلون إلى السلطة. فالسلطة قد ظلت، عبر التاريخ، منحصرةً، بقدرٍ كبيرٍ جدا، في متوسطي المواهب، وخامديها.
تستولي البطانة على عقل الحاكم، عن طريق إمطاره، بالإعجاب والثناء، بصورةٍ متواصلة، وحشو دماغه، بأنه عبقريٌّ، وأنه فريدُ عصره، وأوانه. ويقود ذلك الإطراء، المستمر، الحاكمَ إلى الركون إليها، والاطمئنان الكامل لها. فتصبح رؤيته هي رؤية بطانته. بل، وتصبح، حتى لغة خطابه، هي لغة خطابها. وهكذا يغرق الحاكم، أو المسؤول، في التضليل، حتى يبلغ مرحلة عمى البصيرة، وحالة التنويم المغناطيسي الكاملة.

قليلٌ جدًا من الحكام ومن المسؤولين من يشكك في حقيقية نوايا البطانة، وصدقها، فلا يركن إليها، ويحرص، من ثم، على معرفة حقيقة ما يجري في الواقع، بنفسه. لكنَّ، هذا النوع من الحكام والرؤساء، أندر من الكبريت الأحمر. ولقد قدمت ثورات الربيع العربي، أقوى الأدلة، على المدى العجيب، الذي يمكن أن يبلغه عمى البصيرة، لدى الحاكم. والأمثلة الأكثر بروزًا، في هذا الباب، هي أمثلة، زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، وصدام حسين، وعلي عبد الله صالح. وقد مات ثلاثةٌ من هؤلاء الرؤساء الخمسة، الذين بقوا في الحكم لحوالي الثلاثة عقود، ميتاتٍ مأساويةٍ عنيفة، بسبب هذا النوع من عمى البصيرة. ونجاَ الآخران، من الموت، المأساوي، الفضائحي، العنيف؛ أعني، بن علي، ومبارك. ولقد نجيا لأنهما تخليا، أو أُجبرا، على التخلي عن الإنكار، والمغالطة، في اللحظة المناسبة.

كلمة "بطانة"، كلمة استُخدمت كثيرًا في الأدبيات، التي عالجت شؤون الحكم، في التاريخ العربي الإسلامي. وهي مرتبطةٌ عضويًا، بأنظمة الحكم المطلقة، أو الشمولية. ففرص قيام البطانة، في الأنظمة الديمقراطية، محدودةٌ جدا. وإن هي قامت، فإن تأثيرها يكون قليلا. فللنظام الديمقراطي، قوانينه وضوابطه التي تحرس الشفافية، والأداء الحكومي العلني، والمحاسبية. وكل ذلك يضعف فرص نشوء البطانة، كما يضعف تأثيراتها. وعلى خلاف الأنظمة الديمقراطية، فإن الحكام في الأنظمة الشمولية، يقيمون علاقاتٍ اجتماعيةً لصيقةً بمعاونيهم، ومسانديهم، الذين يتحولون إلى جزءٍ من البطانة، وتصبح صلتهم بالحاكم، صلةً اجتماعيةً، تجري بصورة شبه يوميةٍ، خارج إطار العمل الرسمي. وبمرور الزمن تصبح هذه الصلة، مماثلةً، في قوتها، لقوة صلة الأسرة الصغيرة، والأسرة الممتدة. ويعين هذا الجو، شبه الأسري، باجتماعياته، وثرثراته، وقفشاته، وبعده عن قيود العمل الرسمي ومقتضياته، على إحكام القبضة على رؤية الحاكم، وإبعاده عن رؤية الواقع. والحكام الذين يصبحون عجينةً طيِّعةً في يد البطانة، غالبًا ما يكونون من ذوي المعارف المحدودة، ومن ذوي البناء الأخلاقي الهش.


الإنقاذ وقبضة البطانة
ظل السودان، طيلة فترة حكم الانقاذ، محكومًا ببطانات السوء. وقد وجدت، هذه البطانات، التي تغيرت، عبر السنوات، رئيسًا، لا يملك الاستعداد، ولا القدرة، لأن يرى سوى ما تريه. لذلك، بقي النظام سائرًا في طريق المناورات الدائرية، غير المنتجة. مؤثرًا نهج الالتفاف المستمر، حول القضايا الجوهرية. ومن آخر هذه المناورات الفاشلة، ما ظل يقوم به النظام، عبر أكثر من أربع سنوات، من تفريغٍ، ممنهج لمحتوى، لما أسماها، استنادًا على "خطاب الوثبة"، "مبادرة الحوار الوطني. لتبقى، حالة الاحتقان السياسي، في محلها. وتستمر، من ثم، عزلة النظام الداخلية، إضافة إلى عزلته الإقليمية والدولية، المزمنة. لكل ذلك، تعذر وجود منفذ للخروج من الأزمة المستطيلة، التي وصلت الآن مرحلة الحرج البالغ، الذي ينذر بالكوارث.

في الوقت الذي ظل النظام يمارس فيه هذه المناورة، قصيرة النظر، أخذت الأوضاع الاقتصادية، في البلاد، في التردي، بصورةٍ بالغة السرعة. وأخذت عزلة النظام، نتيجة لأخطائه المتوالية، على مدى ما يقارب الثلاثين عامًا، تحيط برقبته، وتمسك بخناقه. ومع ذلك، بقي النظام مصرًّا على اتباع أساليبه القديمة. بل شرع، الآن، في العمل على كتابة الدستور، بنفسه، من دون شركاء، ممن لهم وزن. ونظامٌ كهذا، لا يملك، بحكم طبيعته، وتجربته، أن يأتي سوى بصيغةٍ لا تمت بأي صلةٍ لمفهوم الدستور. أيضًا، أخذ النظام يعمل، منذ الآن، في وجهة تزوير نتائج الانتخابات القادمة، إن هي قامت. وهذا هو عين عمى البصيرة، الذي تتسبب فيه بطانات السوء، ويصيب مركز القرار، في هذا النوع من الأنظمة الكليبتوقراطية.

البِطانة المنتفعة من الأوضاع القائمة، الغارقة في خدمة مصالح الذات، والعائلة، والعشيرة، التي راكمت الثروات الطائلة من سرقة المال العام، ونهبت المقدرات، وهدمت حكم القانون، وفتحت البلاد للنهب الأجنبي، ستبقى حريصةً، أشد الحرص، على جعل الخيارات السياسية، حبيسة في المجرى الذي يؤمن لها الحماية، من المحاسبة، ويضمن لها عدم الطرد من مراتع الجاه والثروة. ويمكن القول، وبكل ثقة، أن إمساك بطانات السوء الانقاذية المتتالية، بمراكز القرار، عبر ما يقارب الثلاثين عامًا، قد جعل النظام خلوًا من أي طرفٍ بارئٍ من الفساد، يمكنه أن يحاسب طرفًا آخر. فكل الذي يجري فيما سُمي، الآن، حملةً لمحاربة الفساد، ليس سوى مناورةٍ فاشلة، جديدة، وذرٍّ للرماد في العيون، بغية شراء بعضٍ من الوقت. فالنظام أصبح، ومنذ وقت طويل جدًا، فاقدًا للأهلية الأخلاقية، التي تمكنه من الحكم الأخلاقي على أطرافه، التي يصمها بالفساد. كما أن تلك الأطراف تعرف، وتملك من الوثائق، ما يؤكد أن الفساد في الانقاذ لا يستثني أحدًا قط. بل، ولربما تكون البطانة، التي تسيَّر المرحلة الراهنة، هي الأكثر ولوغًا في بركة فساد الإنقاذ، الآسنة، الشاسعة.

قيادات الإسلاميين، التي قلَّم النظام مخالبها، وأحالها إلى التقاعد، ووضعها على الرف، لم تستلم، ولن تستلم. فهؤلاء هم مركز الإيديولوجيا الإخوانية داخليًا، وهم أهل أول تجربة للإسلاميين في الحكم، في العالمين العربي والإسلامي. ولذلك، لن يطيب لهم، رغم كل شيء، أن يروا تجربتهم هذه تتبخر أمام أعينهم، وهم أحياء يرزقون. كما أنهم، الأخطبوط الذي يمد أذرعه إلى مراكز الإيديولوجيا الإخوانية في الخارج. ولقد شرعت هذه القيادات، ومنذ فترة، في العمل ضد النظام، مستخدمةً كامل قوة منظومتها في الداخل، من معرفة بالسوق، وبالنظام المالي للدولة، ومن معرفة بتجارة العملة، وبتهريب الثروات، وبالإمساك بمفاصل تجارة ضروريات المعيشة، وغير ذلك. أيضًا، تعرف هذه القيادات الإسلامية، المُبعدة، ثغرات النظام، ومقاتِلَه، بأكثر مما يعرفها، أي سوداني آخر. فالحرب الآن تدور رحاها بين الإسلاميين أنفسهم. وقد جاوز العراك مرحلة الضرب تحت الحزام، ودخل مرحلة الاشتباك، والالتحام الكامل. وسينتهي هذا الصراع المرير، فيما يبنهم، كما ورد في نبوءة الأستاذ، محمود محمد طه، الشهيرة. لكن، قد يطول ميقات النهاية، وقد يقصر.


وهن المعارضة
مع تفاقم أزمة النظام، ونفاد كنانته من حيل البقاء، تباعدت خطوط المعارضة، وتفرقت كلمة الشعب، وتبددت وحدته الشعورية. لقد تحولت قوى المعارضة، بمرور الزمن، وترهل الأداء، إلى مجرد ظاهرةٍ صوتية، لا أكثر. ويشمل ذلك قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، معا. ولم يظهر تأثير يذكر لعمل المعارضة على حالة الشارع؛ سواءً من جانب شقها الذي يعمل في الداخل، أو الآخر، الذي يعمل في الخارج، رغم وصول الأزمات حدًا لم تصله قط، في تاريخ الدولة الحديثة في السودان. وكما للنظام بطانة سوء، كذلك للمعارضة بطانة سوء. وكما سبق أن قلت، فإن الشمولية، وانعدام المؤسسية، هو الذي يخلق البطانة، وهو الذي يبقي رئيس الدولة في مقعده يد الدهر. وينطبق نفس الشيء على رئيس الحزب الذي تنعدم فيه المؤسسية. وأكبر أحزابنا لا تعرف المؤسسية، ولم تعرف غير رئيسٍ واحدٍ على مدى نصف قرن.

ظلت أجساد الأحزاب السودانية تتشقق، منذ مؤتمر الخريجين، بسبب فعل البطانات. وقد عرفت الانقاذ ذلك، فأعملت معاولها في أجساد الأحزاب جميعها، ثم انقلبت، فأعملتها في جسدها هي. أيضًا، أعملت الإنقاذ معاولها في أجساد الحركات المسلحة، ففرقتها، شذر، مذر. وكانت آخر التشققات، تلك التي أصابت الحركة الشعبية قطاع الشمال. وأحزر أن ذلك قد جرى لها بفعل دس البطانات، التي تحيط بقياداتها.

النهج الأوتوقراطي، الذي يخلق الجو الأمثل، لنشوء البطانات، هو المكون الغالب في تركيبة الحكومة، وفي تركيبة أكبر أحزاب المعارضة، أيضا. فالحكومة والمعارضة طرفان لبرادايم واحد، قديم. وقد استنفد هذا البرادايم القديم كامل طاقاته، ولم يعد، يملك شيئًا من وعود الغد. وكل ما حولنا، فيما أرى، يشير إلى مجيء أوان رسم ملامح البرادايم الجديد، الذي نخرج به، من الأوتوقراطية، والأبوية السلطوية، ومن الوصاية، إلى فضاء الحرية، والممارسة الديمقراطية. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تحدث قفزةٌ فجائيةٌ، تنقلنا من هذا الوضع، إلى الوضع الذي نتطلع إليه. فالحكومة والمعارضة، هما ما لا يزال يمسك، عمليًا، حتى يومنا هذا، بالجزء الأكبر من مكونات واقعنا الثقافي، والاجتماعي، والسياسي. ولذلك فإن على الشباب، أن يضعوا نصب أعينهم، أن ما يجري الآن، وما سوف يجري لأعوامٍ مقبلة، قد تكثر، وقد تقل، إنما هو نفس البرادايم القديم، الذي يحمل جرثومة الفشل، والتراجع، بين جنبيه. فالبرادايم الجديد، لن يهبط من السماء. وإنما سيتخلَّقُ من الاشتباك الفكري، والتنظيمي، بين قوى المستقبل، التي تعتمل طاقاتها وسط الشباب، وبين مجموع القوى الراهنة، المكبِّلة للحاضر. فهمنا للأزمة، على هذا النحو، هو ما سيعين، في تقديري، على استيلاد البرادايم الجديد. كما سيعين، في ذات الوقت، على رسم مسارات العمل الفكري، والتنظيمي، الضخم، الذي ينتظرنا، نحن السودانيين.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.