مقدمة:

لا ننفك، نحن السودانيين، ننظر من فوق أكتافِنا إلى الوراء نحو عقديْ الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ونحن مفعمينَ بمشاعر الحنينِ الجارفِ؛ التي يسميها الغربيون "النوستالجيا". ولا غرابةَ، فحاضرُنا المعاشُ عبر العقودِ الأربعةِ المنصرمةِ، ظل كئيبًا ومحتقنًا بلغ به الاحتقان درجة التفجر. وحين يكون الحاضرُ كئيبًا ومحتقنًا، ومتفجرًا، يشتد عادةً الشعورُ بالحنينِ إلى الماضي، الذي يتحول في الذهنِ والوجدانِ، إلى ملجأٍ للهروب. وعمومًا فإن حالات التوهانِ والتراجعِ التي تعتري الشعوبَ، تجعل الماضي أكثرَ إشراقًا، وأكثرَ امتلاءً بالمعاني، وأشدَ نبضًا بالحيويةً، ما يدفع تلقائيًا، إلى نزعة الحنين إليه. يقول موريس هولبروك، إن النوستالجيا، تعود على المستوى الإدراكي، إلى كونها ذكريات جماعية، أو ذكريات مرتبطة بالجيل. وفي هذا المنحى، يكون هناك انحيازٌ لتذكر الأمور ذات الصلة بفترة الشباب 1.

أشعلت حالةُ التراجعِ الشاملةِ التي وسَمَتْ حقبةَ ما بعدَ الاستقلالِ في القطرِ السوداني، هذه النزعةَ وسط السودانيين، فأخذت تتنامى، حتى سيطرت. ومن علاماتِ سيطرتِها، ميلُ السودانيين المتنامي إلى إطلاقِ عبارةِ "الزمن الجميل"، على العقدين اللذين تليا منتصفَ القرنِ العشرين. ولا أظن أن أحدًا بحاجةٍ إلى التدليلِ على تراجعِ الأحوالِ في السودان، فذلك أمرٌ ظلّ يحكي عن نفسِه بنفسِه، على مدىً زمنيٍّ بلغ الستةَ عقود. والنوستالجيا، من حيث هي، راسخة في آداب العربية، وخير من عبر عنها هو الشاعر أبو تمام، حيث قال:
نقِّل فؤادَك حيث شئتَ من الهوى، ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كــم منـزلٍ في الأرضِ يألفُــه الفتى، وحنــــينُه أبــــدًا لأولِ منــزلِ
والنوستالجيا وما يتبعها من حديث عن "الزمن الجميل" ليست ظاهرة سودانية خالصة، وإنما هي ظاهرة تتشاركها معنا بلدان كثيرة. وعلى سبيل المثال ورد في الأخبار مؤخرًا، أن منظومة لجنة الأمم المتحدة للفنون في الشرق الأوسط وأفريقيا، أقامت في يوم 14 أيار/مايو 2015 أولى فعاليات وأنشطة ما أسمته "أبناء الزمن الجميل"، احتفاءً بالممثلين المصريين الذي بروزا في الحقبة السينمائية التي كانت الأفلام السينمائية فيها، "أبيض وأسود". وجرى الاحتفال بحضور أبناء الفنانين الراحلين الذي أسهموا وأثروا الحركة الفنية التلفزيونية والمسرحية في جمهورية مصر العربية 2.

غير أن السياق يختلف من قطر إلى آخر. ولإيضاح اختلاف السياقات، أود أن أستعين بما كتبه الكاتب السعودي عبد الله المسيان، في صحيفة الرياض السعودية تحت عنوان، "أكذوبة الزمن الجميل" حيث قال:
نقلنا مصطلح "الزمن الجميل" من الإعلام المصري، دون تمحيص أو تنقيح، وحين نقول "الزمن الجميل" فإننا نقصد على وجه التقريب الفترة الزمنية ما بين الخمسينيات إلى السبعينيات الميلادية. فهل هو فعلاً زمن جميل؟ ... الفجوة التكنولوجية والحضارية والتنموية والاقتصادية بين ذلك الزمن وبين اليوم كفيلة بدحض هذا الرأي، البيوت صغيرة جداً ومبنية من الطين، لا مكيفات، لا جوالات، لا إنترنت، لا تلفزيون، لا جرائد، لا مطاعم ولا مجمعات تجارية.. الخ. إضافة إلى أن النظافة معدومة، وعمر الإنسان أقصر بحكم الأمراض وانعدام التطعيمات الأساسية. ومجالات الترفيه محدودة ... فعن أي زمن جميل يتحدثون؟3
صعد السياق السعودي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، صعودًا صاروخيا، مقارنًا بما كان عليه حاله عند منتصف القرن العشرين. ولا مجال البتة لمقارنة حاله اليوم بما كان عليه في الحقبة الممتدة من خمسينات القرن الماضي إلى سبعيناته. وعلى العكس من ذلك تمامًا، تراجع السياق السوداني، العام؛ اقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، تراجعاً صاروخيًا، مقارنة بما كان عليه حاله في حقبة الستينات والسبعينات. وتحتاج الجملة السابقة إلى فرز أكثر، لأن الصورة في جملتها شديدة التركيب. ففي حالات التراجع العام، يحدث أن تتقدم بعض الجوانب، لكنها لا تغير كثيرَا في الصورة العامة. وتمثل الحالة السودانية حالة نموذجية في حالت التقدم التي عكست تأخرا. فقد اتسعت الخرطوم اتساعا كبيرًا وازدادت الشوارع المرصوفة فيها زيادة كبيرة للغاية وامتدت فيها أسلاك الكهرباء ومواسير المياه امتدادًا كبيرًا أيضا، غير أن الماء شح، والكهرباء أصبحت أقل استقرارًا بكثير، والمدينة متسخة بصورة لا مثيل لها. كما أن حركة المرور تحولت إلى كابوس يومي. يضاف إلى ذلك أن سلوك السائقين تدني، ما زيادة ملفتة في سوء الخلق. جملة القول تتلخص في أن أحوال السودان السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، تراجعت عبر الخمسين سنة الماضية، تراجعًا مريعا. ولقد تراجع الجانب الثقافي، تحديدًا، تراجعًا كبيرًا. ولا غرابة، فالنظام الديكتاتوري الذي يلتحف بلحاف ديني زائق هو أكبر قاتل للفكر وللثقافة. كما أن التعليم في السودان، شهد انهيارات تكتونية، وأصبح يواجه مشاكل كثيرة، فأصبح التعليم الحكومي، ضعيفًا، هذا إن لم نقل أن أضحى قليل الجدوى، أو منعدم الجدوى تماما 4. وما من شك أن التعليم يمثل الحاضنة الأم التي تنتج شجرتها المفكرين والمثقفين الين بهم تزدهر الثقافة في كل ضروبها.


حداثة معلقة في الهواء:
يبدو من الضروري، وانا أناقش حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي في السودان، بوصفها حقبة ازدهار للحداثة في السودان، أن أشير إلى الفارق بين الحداثةmodernism بوصفها النزوع إلى الانفلات في حقول التعبير المختلفة، من قيود الأطر التقليدية، وبين التحديث modernity، بوصفها حداثة البنى التحتية، وأنماط العيش وأساليبه. وأعني هنا، البنية الاقتصادية التنموية، والبنية السياسية المعافاة التي تسند البنية الاقتصادية التنموية.

الحداثة، كما تعرفها القواميس والموسوعات، تعني الممارسة والاستخدام والتعبير في الفنون والآداب التي تنزع إلى الابتعاد من الأساليب التقليدية. كما تعرفها أيضًا بأنها تيار في اللاهوت يُعنى بمواءمة التعاليم الدينية التقليدية مع الفكر المعاصر، وخاصة عن طريق التقليل من أهمية العناصر اللاهوتية المتعلقة بما فوق الطبيعة 5. والحكم هنا ليس حكمًا قيميًا معياريًا، بمعني أن كل حديث متقدم، وأن كل قديم متخلف. كل ما في الأمر أن الحداثة تعني في واحد من جوانبها الابتعاد عن الميتافيزيقيا في إدارة شؤون الناس، كما هو واضح في السياق الحداثي الغربي. أيضًا، تربط بعض القواميس مصطلح "الحداثة" بالسياق الغربي، حصرًا؛ ولا غرابة. فالحداثة بوصفها حراكًا في الفكر والآداب والفنون نشأت في السياق الغربي. وقد تولدت، إلى حد كبير، نتيجة لتحديث المجتمعات الغربية على مستوى البنى التحتية، نتيجة للثورة الصناعية ونشوء الرأسمالية. ولذلك جاء الفرق بين كلمتيmodernism ، التي تؤطر أساليب التعبير التي انفكت من الأطر التقليدية، وبين كلمة modernityالتي تعنى مستوى الارتفاق بالتكنولوجيا في التصنيع والمواصلات والاتصالات وأساليب العيش، من سكن، وملبس، ومأكل، ومشرب.. إلخ. وما من شك أن الحداثة، في السياق الغربي، كانت إلى حدٍ كبيرٍ جدًا، نتيجة لما غشي البنى التحتية من تحديث.

لكن، قد توجد حداثة في الفكر، وفي الأشكال التعبيرية وفي المعاني، من غير أن تسندها بنية تحتية من التحديث الصناعي أو التقني، أو التحديث فيما يسمى "البنى التحتية". غير أن الحداثة التي تنشأ خارج إطار البنى التحتية المتقدمة، تبقى منحصرة في أفراد قلة، لا أكثر. فقد عرف التاريخ حداثيون، سبقوا حقبة الحداثة والتحديث بقرون. يقول هادي العلوي، إن التاريخ الإسلامي متداخل، وليس متتابعًا. أي، أن موجاته لا تسير في خط مستقيم، متحركةً من الأدنى إلى الأعلى. وإنما هي موجاتٌ متداخلة، تحتل فيها، أحيانًا، الأفكار التنويرية المنفتحة أمكنةً في الزمن الأبكر من السيرورة التاريخية، في حين تحتل فيه، أحيانًا، الأفكار المنغلقة، أمكنةً في الزمن المتأخر، أي؛ الأقرب، والأحدث. يستشهد العلوي في ذلك بقوله، إننا حين نجد أن أبا العلاء المعري، في القرن الحادي عشر الميلادي، ( 363 - 449 هـ)، (973- 1057م)، يعلن ثورةً تنويريةً، نجد في القرن العشرين، والقرن الواحد والعشرين، من يدعون إلى إقامة الدولة الدينية 6. ولست متبنيًا هنا لرأي العلوي، تبينًا تامًا، ولكني أورده لأهميته في ملاحظة تداخل حقب التاريخ.

أيضًا من الأمثلة التي يمكن أن نضربها في هذا الصدد مثال وحدة فضاءات الفكر في الحضارة العربية الإسلامية، التابعة لشعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط. فقد نظمت هذه الوحدة بالتعاون مع مؤسسة "كونراد ايدناور" الألمانية، في أيام 24 و25 و26 تشرين الأول/أكتوبر 2002، ندوة دولية، بالعاصمة المغربية، الرباط، بعنوان: "ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة"، شارك فيها حوالي ثمانية وعشرين مفكرًا، وفدوا من كل أنحاء العالم 7. فهم لم يضعوا ابن عربي في سياق الحداثة، وحسب، وإنما أدخلوه سياق ما بعد الحداثة، بزعم أنه سبق زمانه بهذه الدرجة الكبيرة. وددت مما أشرت إليه أعلاه من أمثلة، أن أقول إن الحداثة، وما بعد الحداثة، لا تخضعان خضوعا تامًا للترتيب الكرونولوجي.


فقاعة الحداثة في السودان:
ما وصفته بـ "فقاعة الحداثة في السودان" التي عاشت عصرها الذهبي في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ظاهرة ليست لها علاقة عضوية، في غالب أمرها، بالسياق السوداني العام. أي، أن علاقتها بالسياق العام للبنية التاريخية السودانية، علاقة ضعيفة جدًا. ويمكن القول، إن الحداثة السودانية التي أفرزتها الحقبة الاستعمارية البريطانية، (1898 – 1956)، تأسيسًا على ما انجزته الحقبة الخديوية، (1821 – 1885)، كانت، إلى حد كبير ظاهرة معلقة في الهواء. فقد كانت حداثة، على التفاوت الكبير بين ما أنجوته فيها الحقبة الخديوية، مقارنة بالحقبة البريطانية، حداثة مجلوبة من سياق حضاري آخر، ومحروسة بحد السلاح. فهي لم تأت نتاجًا طبيعيًا لبنى تحتية فكرية وثقافية سندتها من تحت، وتسببت في توليد وعي حداثي. وإنما هي حالة غشيت النخب، التي جرى استتباعها، وبقيت تعاني حالة من حالات انعدام الوزن، نتيجة للانتقال الفجائي من السياق الثقافي المهدوي إلى السياق الثقافي الاستعماري. كما أن التحديث الذي غشي النخب، كان في جانب منه، ظاهرة تابعة لحالة الاستلاب، التي تبعت الاستعمار، الذي اقتلع النخب المتعلمة من جذورها، وجرها نحو السياق الغربي، فكرًا، وإلى حدٍّ كبير، وجدانًا، دون أن تكون مستعدة لتك النقلة استعدادًا حقيقيًا. فأصبحت تلك النخب معلقة في الهواء، ومنقسمة بين حالتين نقيضتين. وكما يقولون: فإن العبرة بالنهايات. وأقوى دليل عندي، على غرابة الحداثة على المتكون التاريخي السوداني هو تراجع تماسك بنية الدولة وتراجع الأداء المؤسسي، وتراجع القدرة على إيقاف مسلسل التدهور الذي أعقب خروج المستعمر. وقد شمل ذلك، بطبيعة الحال، حقول التعبير في السودان. فنتيجة لحالة الاستقرار العامة التي شهدتها البلاد عقب إخماد ثورة 1924، ثم نشوء مؤتمر الخريجين، نشأ نشاط فكري وأدبي وفني بلغ ذروته في ستينات وسبعينات القرن الماضي. غير أن ذلك المد، الفكري والفني والأدبي، أخذ في التراجع حتى أضحى، من الناحية الواقعية، أثرًا بعد عين. فقد كانت تلك الحالة مستجلبة، وبقيت إلى حد كبير، معلقةً في الهواء، ولذلك، لم تستطع أن تعيش طويلا.

......................................................
1. Morris B. Holbrook & Robert M. Schindler, Nostalgic bonding: Exploring the role of nostalgia in the consumption experience, Journal of Consumer Behaviour, Vol. 3, 2, 107–127
2. لجنة الأمم المتحدة للفنون تحتفي بفناني الزمن الجميل، تعدد نت، (استرجاع في 15 مايو 2014،)، على الرابط: http://motaded.net/show-6023797.html
3. عبد الله المسيان، أكذوبة الزمن الجميل، صحيفة الرياض السعودية، النسخة الإلكترونية، (استرجاع في 11/5/2015). على الرابط: http://www.alriyadh.com/1047090
4. راجع تقرير البنك الدولي، The Status of the Education Sector in Sudan (استرجاع في 12/5/2015)، على الرابط:
http://elibrary.worldbank.org/…/b…/10.1596/978-0-8213-8857-0
5. راجع تعريف قاموس: Merriam-Webster على الرابط: http://goo.gl/C5B0wK وراجع تعريف قاموس أكسفورد على الرابط: http://goo.gl/1JbTJ2
6. خالد سليمان وحيدر جواد، هادي العلوي: حوار الحاضر والمستقبل، دار الطليعة الجديدة، دمشق سوريا، 1999، ص، 68.
7. سعيدة شريف، ابن عربي في أفق ما بعد الحداثة، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 8734، 27/10/2002.