كان عملاً مخجلاً، ومخزيًا، بل ومريقًا لماء وجوه السودانيين، ولماء وجه البلد، ذلك الذي قام به جهاز الأمن، حين أرسل في صباح الإثنين الثالث والعشرين من أكتوبر، ضابطًا من ضباطه، ليمنع قيام فعالية أكاديمية استغرق الإعداد لها أكثر من نصف عام. والفعالية المعنية هنا، هي الفعالية التي أعد لها النادي الفلسفي السوداني، وهو جهة أكاديمية بحته، تتدارس الفكر السوداني، بغض النظر عن مصدره. وكان المشروع الفكري للأستاذ محمود محمد طه، هو المشروع موضع التدارس لدورة الانعقاد هذه التي اعترضها جهاز الأمن. وقد كان عنوانها: "الدين والحداثة: المشروع الفكري للأستاذ محمود محمد طه. ومعلوم أن دور الأكاديميا ينحصر في البحوث العلمية وفي التدريس. فالنشاط الذي يقوم به النادي الفلسفي السوداني، نشاط أكاديمي بحت، لا علاقة له بالسياسة، إلا بوصفها علمًا يُدرس.

بفعلته النابية تلك، أراق جهاز الأمن ماء وجوه السودانيين، أمام ضيوفهم من الأكاديميين الذين توافدوا من مختلف الدول العربية، ليقدموا أوراقًا علمية. كما أراق ماء وجه البلد الذي أصبحت اراقة ماء وجهه فعلاً يوميًا. فهل مر علينا، في الآونة الأخيرة، شهرٌ دون أن نسمع عن فعلة فعلها النظام الحاكم، أو فعلها بعض منسوبيه لم يندى لها جبين السودانيين خجلا؟ لقد أضحى اتيان السلطات ومنسوبيها من الأفعال التي يندى لها جبين السودانيين، أقرب ما يكون إلى الروتين، بل، وإلى العمل المؤسسي الراتب. وهكذا تصبح الأنظمة الاستبدادية حين تصل طورها الأخير، وتشرع في إطلاق النار على قدميها بنفسها.

تُقام هذه الفعالية، التي يشرف عليها النادي الفلسفي السوداني، بصورةٍ دوريةٍ، ويجري اختيار شخصية سودانية مفكِّرة، ليصبح طرحها الفكري موضوعًا لحوارٍ، عبر أوراق علمية محكَّمة، يجري تقديمها للمناقشة. وقد كانت شخصية هذه الفعالية، في دورة انعقادها السابقة، المفكر السوداني، محمد أبو القاسم حاج حمد.
ولم يعترض جهاز الأمن عليها. بل احتفت أجهزة الإعلام المملوكة للسلطة الحاكمة بالفعالية، وقامت بتغطيتها، وأفردت لها مساحةً معتبرةً من ساعات بثها.
لكن، ما أن اختار النادي الفلسفي مشروع الأستاذ محمود محمد طه الفكري، سارع جهاز الأمن إلى المنع، وبطريقة بالغة السوء. فقد جرى المنع في صبيحة يوم انعقاد الفعالية، لحظة كان الضيوف، من الأكاديميين والكتاب الذي توافدوا من مختلف الدول العربية للاشتراك فيها، يتهيؤون، مع زملائهم السودانيين، لدخول القاعة. وبما أن النادي الفلسفي ليست له امكانات مالية، فقد تبرع هؤلاء الباحثون القادمون من الدول العربية، بالحضور على نفقتهم الخاصة. صُدم الجميع، وذهلوا، ليس بسبب المنع المخجل وحسب، وإنما من الصلف والعنجهية ونبرة الاستبداد، التي ألقى بها الضابط قرار المنع. والغريب أن المنع جرى في اللحظة الأخيرة، رغم أن الإعلان عن الفعالية جرى قبل فترة طويلة من انعقادها. أكثر من ذلك، كانت الفعالية مصرحًا بها، وقد جرى بناءً على التصريح حجز قاعة لها بفندق كورال.

سبق قرار المنع تصريحٌ صحفيٌّ لواحدٍ ممن يُسمون "علماء السودان"، يقول فيه: إن الاحتفال بمحمود محمد طه إهانة لشعب السودان. وأن محمود محمد طه حُوكم وقتل بتهمة الردة، وما إلى ذلك من غث القول وساقطه، الذي لا يعرف من يُسمون "رجال الدين"، غيره. فإلى متى تظل السلطات الحاكمة عندنا رهينة لمن يسمون "رجال الدين"؟ إن من يسمون "رجال الدين" قومٌ جهلاء، بكل ما تحمل كلمة "جهل" من معنى. فهم ضحايا تاريخيون، جنى على عقولهم وملكاتهم نظامٌ تعليميٌّ قروسطي، سيطر في عهود الانحطاط الإسلامي. وهو نظام تعليمي، تلقيني، أساسه حفظ متون السلف، واستظهارها، واجترارها. فهم لا يفهمون صرفًا ولا نحوًا في قضايا الحياة الحية. ولا يعرفون، لا من قريب، ولا من بعيد، ما ينبغي أن تكون عليه المؤسسات الأكاديمية العصرية، وما ينبغي أن يكون عليه البحث العملي. والسلطة التي تسمع لهم، وتأتمر بأمرهم، هي الأخرى من طينتهم، مصنوعةٌ من ذات المادة التي صُنع منها هؤلاء الذين يُسمون "رجال الدين".

تستضيف مدينة الدوحة عشرات المؤتمرات كل عام. وتستضيف دولة الإمارات العربية عددا مماثلا منها. في هذه المؤتمرات العلمية تجري مناقشة كل الأفكار بحرية كبيرة. كما تستضيف قنوات أبو ظبي مختلف المفكرين التجديديين. ومنهم على سبيل المثال، محمد شحرور الذي سمع منه الجمهور عبر حلقات متسلسلة طرحه لمشروعه الفكري. والآن تغادر المملكة العربية السعودية محطة الجمود العقلي والوجداني الوهابي، مستقبلة عهدًا جديدًا تبغي به الانفتاح على العصر وعلى تياراته، ونبضه. أما نحن فنتراجع في كل شيء. وطالما ظلت لمن يسمون "رجال الدين" كلمة مسموعة في بلادنا، فلن تعرف البلاد العافية مطلقا. بل ستسير من دركها هذا إلى درك أكثر سحقا. لقد أدخلنا الإخوان المسلمون، بعجلتهم، و"كلفتتهم" للأمور في حجر ضب خرب، لا يعرف أحدٌ كيف سنخرج منه.

أما بعض صحفنا، فقد دللت، هي الأخرى، على أنها مصنوعة من جنس مادة "رجال الدين"، في عدم القدرة على التمييز. فقد نشرت بعضها، وبخط أحمر، من دون تمييز أو تثبت، أن السلطات أوقفت مؤتمرًا للجمهوريين بفندق كورال. وأن السلطات اعتقلت الجمهوري، د. مجدي عز الدين. وكل هذا هراءٌ محض، ما ينبغي أن يحدث من صحيفة تحترم نفسها. فالفعالية نظمها نادي الفلسفة السوداني، وهي فعالية أكاديمية، وليست نشاطًا دعويًا للإخوان الجمهوريين، أو نشاطًا سياسيًا للحزب الجمهوري. ولو تصورها بعض الجمهوريين كذلك، فهم مخطئون. ود مجدي عز الدين باحثٌ وأستاذٌ جامعي، لا اعرف، رغم معرفتي بجميع الجمهوريين، أنه جمهوري. كل ما أعرفه عنه أنه أكاديميٌّ متميزٌ، منشغلٌ بقضية الدين والحداثة، وقد استمعت له في حلقات مع د. الجيلي علي البشير، في برنامجه "مقاربات"، أثبت فيها، بقوة، أنه باحثٌ متميزٌ جدا.

خلاصة القول، نحن نمر الآن، في السودان، بأخطر المنعطفات في تاريخ الدولة. فإذا أدركت السلطات أن مشروع الحركة الإسلامية الذي جاءت باسمه في عام 1989، قد أورد البلاد موارد الهلاك، وإذا أرادت السلطات أن تسهم، مع السودانيين في إخراج البلاد من هذا المأزق التاريخي العويص، فعليها أن تقطع أي صلة لها بأيديولوجيا الإخوان المسلمين، وإيديولوجيا الوهابيين. ولا ضير أن يبقى هؤلاء أصواتًا دينية، مثل غيرهم من الأصوات، فهذا حقهم الدستوري. لكن يجب أن يُوضع حدٌّ للحلف بينهم وبين السلطة، الذي يصادر حقوق الآخرين. وإذا لم ندرك هذا، ونشرع في تنفيذه، فإننا سوف نغطس في وحل أسوأٍ من هذا الذي نحن فيه.

أهم من ذلك، لابد، طال الزمن أم قصر، من لجم من يسمون "رجال الدين". فهم لا يفهمون في بناء الدولة، ولا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في التحديث، ولا في النهضة، ولا في العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، ولا في العلوم الإنسانية، وذلك بحكم تعليمهم وتدريبهم الذي تلقوه. لجم هذه الأصوات بمعنى إبعادها من احتكار السلطة الدينية، والتأثير على القرار السياسي، وعلى حريات الآخرين، هو ما توصلت إليه المملكة العربية السعودية، بعد قرن من التحالف مع الوهابيين.
وقد تنجح السعودية وقد تفشل، في مسعاها هذا، بسبب طول مدة القبضة الوهابية. الخروج من حفرة دعم الارهاب التي رمى فيها الاسلاميون السودان، يبدأ بتجفيف منابعه، وهي الفكر السلفي الذي يضيق بالآخر، ولا يجد بأسًا في مصادرة حقه في التعبير عن نفسه. بل ولا يجد بأسًا في تكفير الآخر، وقتله. فتنظيم داعش رابضٌ في إهاب هؤلاء، جميعًا، لا يملكون منه فكاكا.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.