مقدمة:

أبقى تعاقب الأنظمة العسكرية والحزبية الفاشلة على السودان، قطاعًا عريضًا من السودانيين متعلقًا بحلم عودة ثورة أكتوبر 1964. ولقد بقي هذا الحلم حيًا في النفوس رغم أن نجاح تلك الثورة لم يتعد مجرد اسقاطها النظام العسكري للفريق إبراهيم عبود. ومثلما عجزت ثورة أكتوبر عن أن تحدث تحولاً جوهريًا، أو تحرز ما يمكن أن نطلق عليه نقلةً إلى الأمام في الواقع السياسي السوداني، عجزت انتفاضة أبريل، التي أسقطت النظام العسكري للعقيد جعفر نميري، عن إحداث التحول الذي كان منتظرًا. كانت ثورة أكتوبر 1964 آليةً ناجحةً جدًا في إجبار النظام العسكري على التخلي عن الحكم، غير أنها لم تأت بأي مضمونٍ يذكر في جانب استبدال النظام العسكري بنظام أفضل منه. ولربما جاز القول إن ثورة أكتوبر، حين ننظر إليها ضمن سياق الصورة الكلية لما سارت عليه الأمور في السودان، منذ منتصف الستينات من القرن الماضي، لربما صح لنا أن نقول إنها أعادت عقارب الساعة إلى الوراء. فهي قد أعادت النظام الديمقراطي الأعرج الذي ظلت تسيطر عليه القوى الطائفية منذ لحظة الاستقلال، فأدخلت المسيرة السياسية في سلسلة من الممارسات المعوجة والأخطاء القاتلة، كان حصادها النهائي وصول الإسلاميين إلى السلطة في البلاد، ووصول البلاد عبر خمسة وعشرين من حكمهم الفاشل، إلى حالة الانهيار شبه التام التي هي عليها اليوم.
مقاربة أكتوبر نقديًا إلى درجة القول بأنها رغم اجبارها نظام عبود على الذهاب، لم تنجز شيئًا ذا بال، وأن الأمور من بعدها سارت في طريق الانحدار المتصل، ربما لا يجد القبول، وربما وجد الاستنكار والاستهجان. غير أن الحقائق الموضوعية تسمح باجتراح مقاربةٍ من هذا النوع. ورغم أن التردي المريع الذي بلغه السودان الآن، واحتمال تفكك الدولة فيه، ترجع جذوره إلى ما قبل لحظة الاستقلال، إلا أن ثورة أكتوبر شكلت علامة بارزة في مسيرة الانحدار. وينبغي من أجل تصورٍ صحيح للأمور أن تتم مراجعة كل المسار بما في ذلك منعرجاته التي تم الإجماع على أنها كانت نقاطًا مضيئة، لا يأتيها الباطل من بين يديها أو خلفها، كثورة أكتوبر. فمن الإشكالات التي لم تجري مناقشتها بقدر كافٍ، في تقديري، اشكال سيطرة اليسار على تجربة أكتوبر في ظل المفاهيم اللينينية السائدة في حقبة الحرب الباردة وحالة اليسار العربي آنذاك. ومن الجانب الآخر لابد من إعادة النظر في حالة العداء المتطرفة للطائفية وسط طلائع المتعلمين، دون أن يكون لديهم التأثير الذي كانت تملكه على الجماهير، ودون أن يكونوا بديلاً حقيقيا لها.
كان البريطانيون يخشون على السودان، خشيةً حقيقية، في ما تقوله كتبهم ومدوناتهم، من اندفاعات أنصاف المتعلمين السودانيين. أورد محمد عمر بشير عن سير لوجارد قوله إن على الإدارة الاستعمارية أن تنشئ في المستعمرات مدارس يكون هدفها الرئيس خلق شخصية مشبعة بالعادات الحسنة، وحب النظام، وليس مجرد تزويد الطالب بقدر معين من المعلومات النظرية والمهارة الفنية 1. ويبدو لي أن طلائع المتعلمين السودانيين كانوا من الصنف الثاني. بل إن التجربة العملية أثبتت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. كما أورد أيضًا عن سير لوجارد تحذيره من عاقبة عدم الرضا والفوضى التي قد تنشأ من أثر الثقافة الغربية على متعلمي المستعمرات، لأنها قد تقلل من احترامهم لكل من السلطات المحلية والأجنبية 2، وهذا ما حدث بالضبط. فقد ناصب طلائع المتعلمين القوى التقليدية المتمثلة في الطائفية والإدارة الأهلية العداء، وبنفس القدر ناصبوا العداء للإدارة البريطانية. وعمومًا ذخرت كتابات البريطانيين عن التعليم ودوره في مستقبل السودان بالتنبيهات المتكررة إلى خطر المعرفة غير الناضجة التي يمكن أن تخلخل المتشكل التقليدي الحافظ للاستقرار، من غير أن تكون هذه المعرفة الناقصة قادرةً على خلق بديلٍ منتجٍ يحل محل ما هو قائم. وقد أورد ماكمايكل في كتابه "السودان" أن السياسيين في الشرق درجوا منذ فترةٍ طويلةٍ على تغذية عقول الطلاب بالمعتقدات التي تخصهم بوصفهم نخبة، وتشجيعهم على المظاهرات وإحداث الاضطرابات لتأييد أي دعاية أو أي إشاعة سارية. وقال، إذا لم يوضع لذلك حدٌّ فإنه سوف يفسد مجهودات من يدركون بحق مغزى أهداف التعليم التي ينبغي اتباعها 3.
تجاهل طلائع المتعلمين حكمة المستعمر المتمثلة في الابقاء على البنى التقليدية للمجتمع كالطائفية والإدارة الأهلية، والعمل بالتعاون معها لتحويل ذلك الوضع تدريجيًا نحو الحالة الحداثية، بلا نزعات لإحداث قفزاتٍ غير محمودة العواقب. لم يفهم طلائع المتعلمين نهج الحكم الاستعماري في تقوية زعماء الطوائف، وزعماء الإدارة الأهلية، وأتهموا ذلك النهج بأنه لا يمثل، في مجمله، سوى حيلةٍ استعماريةٍ مكشوفةٍ للاستمرار في حكم البلاد. ولذلك، لم يحاولوا قط فهم الرسائل التي تحذرهم من المستقبل. فعملوا بكل جدٍّ ضد السلطة الاستعمارية وضد السلطات التقليدية،. أشاع ذلك المسلك النفور من الطائفية والإدارة الأهلية وسط النخب المتعلمة، وجعل كراهية القوى التقليدية مرادفة للثقافة الصحيحة والموقف التقدمي. ولقد خلق ذلك اشكالاتٍ عويصة في مسار العمل السياسي في البلاد، وأدى إلى كثيرٍ من الصراعات غير المنتجة التي عطلت تقدم البلاد عبر العقود التي تلت.
ذكر ماكمايكل أن من بين نتائج التعليم الأكثر بروزا في السودان، قبيل نهاية النصف الأول من القرن العشرين، الرغبة في استخدام التعليم من أجل تحقيق الأهداف السياسية، ويقول لا غبار على ذلك، ما دامت تقف وراءه دوافع وطنية. غير أنه يعلق في نفس السياق قائلاً، إن الموضوعية العلمية المجردة نظرية من نسج الخيال. ويضيف، أن الاختبار الحقيقي بالنسبة للسودان سوف يجري في المستقبل؛ فهل سيبرهن التعليم والخبرة العملية التي تلقاها السودانيون خلال نصف قرن من الزمان، وهي فترة بالغة القصر، أنها تمثل فعلاً أساسًا متينًا لكي يقوموا بتصريف أمورهم بحكمة واعتدال، أم أن النزعات الوطنية سوف تنحط لتصبح طموحاتٍ شخصيةٍ وطائفيةٍ وضيعة، لا تلقى بالاً لاحتياجات البلاد الحقيقية؟ 4. وواضح جدًا مما آلت إليه أمور السودان الآن، أن الاحتمال الأخير هو الذي رجحت كفته.
أود أن أتساءل في مضمار إعادة النظر في ثورة أكتوبر: هل كان السودان بحاجةٍ ملحّةٍ حقًا، إلى تلك الثورة، في ذلك الوقت؟ وهل كان الواقع الموضوعي يعيش حالة الضغط القصوى التي تولد الثورات عادةً؟ أم أن تلك الثورة لم تكن سوى واحدة من أعاجيب التاريخ وصدفه الشاذة التي لا يصلح القياس عليها. والأهم من ذلك، هل تقدمت مسارات الأمور في السودان بعد تلك الثورة، أم تلك الثورة مثلت نقطة التحول المركزية التي لم تتقدم بعدها الأمور في السودان على الإطلاق؟ لقد بلورت ثورة أكتوبر الصراع بين "التقليديين" والحداثيين"، إلى قمة غير مسبوقة. فهل كان عداء النخب للطائفية وللإدارة الأهلية، خاصة النخب صاحبة الأحزاب ذوات الإيديولوجيات، عداءً ناضجًا، أم أنه كان اندفاعًا حداثويًا نخبويًا فوقيًا، زعزع الاستقرار، وخلق استقطابًا حادًا ترتبت عليه بمرور الزمن نتائج كارثية؟ ولا أريد أن أقدم إجابات على هذه الأسئلة هنا، بقدر ما أريد طرحها بصوتٍ عالٍ. ولسوف أترك سياق بقية هذه الورقة يلقي مزيدًا من الضوء على تلك الأسئلة. فغرضي من هذه الورقة هو تخليق أجندة بحثية تستدعي حفرًا أكثر عمقًا في تجربة أكتوبر، وفي غرابة التاريخ السياسي السوداني، والتطاحن غير المنتج الذي ساده منذ فجر الحركة الوطنية.
لقد "تأيقنت" ثورة أكتوبر، iconized، و"تصنَّمت" idolized، ما جعلها تقبع، إلى حدٍّ كبيرٍ، في حرز ما هو مقدس، خارج دائرة المساءلة النقدية. ولربما أمكن القول أن المساءلة النقدية لثورة أكتوبر، المنفلتة من قيدَيْ الإيديولوجيا، والانتماء الحزبي القح، والعاطفة السياسية الجامحة، لم تجر حتى الآن. فقد تجمدت تلك الثورة، إلى حدٍّ كبير، في مقام التمجيد وحده. وكل محاولتي في هذه الورقة إنما تنصب في اخراج تلك الثورة من سماوات "الأيقونة"، ومن ثم، نزع سرابيل التمجيد المحض عنها، ووضعها، على منضدة التشريح.
أيضًا تلمس هذه الورقة حلم عودة أكتوبر، وإمكانيته، خاصةً بعد أن بلغ الخراب في البلاد هذا المبلغ الفظيع، وبعد أن تراجع وعي الجماهير، واشتدت قبضة الخطاب الديني على العقول في السودان، وتغيرت موازين القوى في الإقليم، وتبدلت تضاريس طوبوغرافيته السياسية، وهاجرت منه صفوة المتعلمين والمثقفين، وسيطرت الدولة على العمل النقابي، سيطرة شبه مطلقة، وتبددت الطاقات التي كانت فاعلة وقادرة على تحريك الجماهير، وانقصم ظهر الوحدة الوطنية، وتبعثر الوجدان القومي الجمعي، وثار أهل الهامش، واشتعلت الحروب في كل أطراف البلاد، وانتشر السلاح هذا الانتشار الواسع المخيف، علاوة على دخول القوى الإقليمية، خاصة المرتبطة بأجندة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، كلاعبٍ رئيسٍ في الصراع السوداني السوداني الدائر الآن.


أكتوبر بوصفها مفترقًا نحو التراجع
لم تحقق ثورة أكتوبر 1964، من شعاراتها التي رفعتها شيئًا يذكر، فقد أُجهضت تلك الشعارات بعد أربعة أشهر فقط من تاريخ حدوث الثورة. وفي الانتخابات الديمقراطية التي جرت بعد عامٍ واحدٍ من تلك الثورة، عادت الأحزاب التقليدية إلى الحكم بكل ثقلها المعهود، ورجع الوضع إلى ما كان عليه قبل مجيء نظام الفريق عبود إلى الحكم، بل عاد، في حقيقة الأمر، إلى ما هو أسوأ!
في أول عامٍ من عمر الديمقراطية الثانية (1964 – 1969)، التي أعقبت ثورة أكتوبر، جرى تعديل الدستور، لكي يصبح من الممكن حل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه المنتخبين، وقد تم ذلك بالفعل. أيضًا، بعد ثلاثة أعوامٍ من حل الحزب الشيوعي حوكم الأستاذ محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري، الذي قاد تيارًا اسلاميًا إصلاحيًا منذ منتصف القرن العشرين، بتهمة الردة، وتم إعلان ردته من قبل المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم. وقد جرت محاكمة الأستاذ محمود في تزامنٍ مع مقترح بكتابة مسودةٍـ لما سُميَّ بـ "الدستور الإسلامي الكامل". وهي مسودة كانت الأحزاب التقليدية ومعها بعض رجال الدين، والإخوان المسلمون منهمكون في الإعداد لها. لذلك، يمكن القول إن ثورة أكتوبر لم تفعل، من الناحية العملية الواقعية، أكثر من أنها أعادت عقارب الساعة إلى الوراء، في إطار تحولٍ سياسيٍّ كان واضحًا أنه يسير في طريق إقامة دولةٍ دينية، تسيطر عليها سيطرةً مطلقةً الأحزاب الطائفية، ومعها الإخوان المسلمون. مع ملاحظة أن تحالف الإخوان المسلمين مع الطائفية لم يكن سوى تحالفٍ تكتيكيٍّ، كان هدفه استخدام الطائفية للقضاء على قوى اليسار أولاً، ثم الانفراد بالقوى الطائفية والقضاء عليها لاحقًا. وهذا ما حدث بالفعل، حين قام الإسلاميون بالانقلاب على الديمقراطية الحزبية الثالثة (1985 -1989)، وقد كانوا جزءًا منها.
نتيجة لما قامت به الطائفية في حقبة الديمقراطية الثانية رحبت القوى الحداثية بانقلاب نميري الذي جرى في مايو 1969، بل ودعمته. أيضًا، رحب بانقلاب نميري قطاعٌ عريضٌ من الجمهور المتعلم، بسبب ما شهده من انحصار الصراع بين الأحزاب على الكراسي. كان واضحًا جدًا أن العمل السياسي قد ظل يدور في حلقة مفرغة، ما تسبب في خلق حالة مستدامةٍ من انسداد الأفق السياسي. يضاف إلى ذلك، تنامي مظاهر الفساد في الحياة اليومية، وتفشي المحسوبية والرشوة، وخلو البلاد من أي فعلٍ تنموي. وترسم ديدار روسانو صورةً لحالة الحكم الحزبي في السودان، في مجمل مرحلة ما بعد الاستقلال، قائلة: "ومتى تحقق الاستقلال والسيادة، أصبحت الصراعات صراعاتٍ عقيمة، لا تعكس إلا مزاحماتٍ شخصية. بل ولم يكن لهذه التشكيلات المتواجدة في السلطة أي برامج للبناء الوطني" 5. الشاهد هنا أن أكتوبر واخفاقاتها ساقت القوى الحديثة التي اقتلعت نظام الفريق عبود إلى قبول نظام جعفر نميري والاصطفاف وراءه، عبر طيفها العريض، خاصة في بداياته.


راديكالية ثورة أكتوبر:
سيطرت جبهة الهيئات، عبر الشهور الأولى من الفترة الانتقالية، على مجريات الثورة فطرحت أجندةً راديكالية، جعلت القوى التقليدية الطائفية تشعر أن هناك اتجاهًا لإقصائها وتهميشها، بل وتصفيتها. وبدا جليًا أن الثورة قد أخذت منحىً يساريًا واضحًا. ومما لا يعطيه من يتحدثون عن "عودة أكتوبر"، انتباهًا كافيًا، هو أن أكتوبر لم تكن تريد إعادة الديمقراطية التعددية الحزبية. وإنما كانت تريد ترسيخ نمطٍ من الديمقراطية، هو أقرب ما يكون إلى الديمقراطية الشعبية، ذات النسب الواضح للمفهوم الماركسي اللينيني. فالشعارات التي سادت في أجواء أكتوبر كانت "لا حزبية بعد اليوم"، و "لا زعامة للقدامى". وبالفعل حاولت جبهة الهيئات سن تشريعات من شأنها أن تجعل العمال والمزارعين والنساء يحتلون وزنًا كبيرًا جدًا في البرلمان، بناءً على الشرعية الثورية للثورة، وليس على أوزان القوى الحزبية الحقيقية في الواقع.
ذكر تيم نيبلوك أن المفاوضات التي جرت بين جبهة الهيئات وجبهة الأحزاب عقب أكتوبر لتحديد شكل الحكومة الانتقالية عكست الدور القيادي الذي لعبته جبهة الهيئات في اسقاط الحكم العسكري. فتركيبة الحكومة التي أُعلنت في 31 أكتوبر ضمت سبعة وزراء من جبهة الهيئات من بينهم السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال السودان، وسكرتير اتحاد المزارعين، واثنين من الجنوبيين. أما حزب الأمة، والاتحادي، والشعب الديمقراطي، والميثاق الإسلامي، والشيوعي، فقد مُنح كل حزبٍ منها وزيرًا واحدًا فقط. غير أن وزراء جبهة الهيئات كانوا يسيرون، من الناحية العملية، على ذات الخط الذي يسير عليه وزير الحزب الشيوعي السوداني. ويضيف نيبلوك، أن اتجاهات مجلس الوزراء كانت في مجملها راديكالية. ففي الأشهر القليلة التي أعقبت تكوينها اتجهت تلك الحكومة الانتقالية إلى محاولة وضع مقترحات للإصلاح الزراعي، وإلى التصفية التدريجية للإدارة الأهلية، والتمهيد لأن تستلم الشركات السودانية تجارة الصادر والوارد من الشركات الأجنبية، وتنشيط التجارة مع الدول الشرقية، واتباع سياسات نشطة في دعم حركات التحرر في إفريقيا والشرق الأوسط. وكان أكثر ما أثار قلق القوى التقليدية هو الاقتراح الذي تقدمت به جبهة الهيئات لتخصيص 50% من مقاعد الجمعية التأسيسية للعمال والمزارعين 6. هذا المنحى الراديكالي السافر هو الذي دفع بالقوى "التقليدية"، للتكتل وحشد جمهورها والضغط على رئيس وزراء الفترة الانتقالية، سر الختم الخليفة، ما أجبره على الاستقالة. ولقد عرض محمد سعيد القدال مراجعةً نقديةً للاندفاعات الراديكالية لجبهة الهيئات، وهي تدير تلك الفترة الانتقالية القصيرة. وقد اتسم نقد القدال، في جملته، بالموضوعية، وتأكيد ضرورة التحلي بالحكمة لتفهُّم مُقيِّدات الواقع 7.
لم تدم حكومة أكتوبر الانتقالية، سوى لبضعة أشهر. كانت حكومةً جانحةً يساريًا، كما كانت تفكر بعقلية الشيوعية الدولية، وبعقلية الشرعية الثورية، بأكثر مما كانت تفكر وفق نهج ديمقراطي حقيقي، أو بعقلٍ سودانيٍّ مدركٍ إدراكًا عميقًا للمقيِّدات limitations، التي تحكم الواقع السوداني الموغل في التخلف. ولذلك فعلى الرغم من رفع الشعارات القائلة "لا حزبية بعد اليوم"، و"لا زعامة للقدامى"، ورغم نجاح سلاح العصيان المدني، الذي يعود الفضل فيه للقوى النقابية التي كان يحركها اليسار، في اقتلاع الحكم العسكري للفريق عبود، إلا أن الواقع الموضوعي القائم على الحزبية الطائفية، أعاد النظام الحزبي الطائفي القديم، بكل سوءاته، مرةً أخرى، بل وأعطاه مبررات لإعلان حربٍ لا هوادة فيها على قوى اليسار، وعلى قوى الحداثة عمومًا.


حلم القفز على الواقع:
من الحقائق التي لا يتم الالتفات إليها كثيرًا في التجربة السودانية حقيقة الصراع اللاأخلاقي المرير بين "الحداثيين" و"التقليديين" الذي اتسم بعدم المبدئية. ففي هذا الصراع الطويل تنكر الفريقان لأصول وقواعد اللعبة الديمقراطية. فـ "الحداثيون" كانوا، إلى حد كبيرٍ جدًا، أصحاب مزاجٍ ثوريٍّ انقلابي، تسبب في تشكيله الاحساس ببطء حراك الواقع. كما تسببت فيه أيضًا عجلتهم، وقلة صبرهم، على ذلك الواقع الطائفي القائم على بنية اقتصادية بالغة الضعف، وعلى أمية سياسية، وأمية لغوية، ما جعله بطئ الاستجابة لنداءات التحديث. أما معسكر "التقليدية"، الذي يمثله "حزب الأمة" و"الحزب الاتحادي الديمقراطي"، المرتكزان على قاعدتين دينيتين طائفيتين، وعلى الإدارة الأهلية، فقد كان حريصًا ـــــــ من الناحية الشكلية على الأقل ـــــــ على النظام الديمقراطي. ولكن، ليس حبًا للديمقراطية، أو إيمانٍ بها، وإنما لأن التركيبة الطائفية التي أدغمت الولاء للطائفة في الولاء للحزب، جعلت أهل هذا المعسكر واثقين من كسب أي معركةٍ انتخابيةٍ ديمقراطية ضد تنظيمات الحداثيين من يساريين ومن اسلاميين . لذلك، فإن العداء المستحكم منذ فجر الحركة الوطنية بين المدافعين عن "التقليدية"، والمدافعين عن "الحداثة"، هو الذي جعل أنظمة الحكم في السودان تتأرجح، على الدوام، بين أنظمة ديمقراطية برلمانية فاشلة، وبين سلسلة من الانقلابات العسكرية الفاشلة أيضًا. بعبارةٍ أخرى، لم يكن السبب وراء اضطراب الممارسة السياسية في سودان ما بعد الاستقلال منحصرًا في التنافس بين الحزبين "التقليديين"؛ حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديموقراطي ـــــ وقد كان هذا التنافس بينهما قائمًا ومحتدمًا بالفعل ـــــ بقدر ما كان السبب هو الصراع المرير بين معسكر "الحداثيين" ومعسكر "التقليديين" 8.
لابد أن نستصحب معنا، ونحن نعالج ثورة أكتوبر، أن الديمقراطية التعددية كانت مرفوضةً تمامًا، من جانب قوى اليسار، التي كانت هي المحرك الرئيس لثورة أكتوبر، بحكم تأثيرها الكبير والقوي، على الاتحادات النقابية والمهنية. وبطبيعة الحال، لا يحق اليوم لقوى اليسار، التي أصبحت تعتنق الديمقراطية التعددية عقب سقوط الشيوعية، أن تعود القهقرى لتراجع ذلك التاريخ السابق، فتضمه هو الآخر، إلى التغيير المفاهيمي الذي أصابها في زمانٍ لاحق. فثورة أكتوبر يجب أن تتم معالجتها في الإطار التاريخي الظرفي الذي أحاط بها إقليميًا ودوليًا آنذاك، باستصحاب تأثير ذلك الإطار الحاكم على منظومة المفاهيم التي كانت سائدة وقتها في أذهان قياداتها من الحزبيين والمهنيين والنقابيين المحكومين فعلاً، أو المتأثرين، إلى حدٍ كبير، بالأطر الفكرية لليسار الماركسي اللينيني، في حالته التي كان عليها في ستينات القرن الماضي. ولذلك فإن الدعوة إلى عودتها لابد أن تكون وفق إطارٍ مفاهيمي جديد، بل، وأن يتم فيها استحداث آلياتٍ جديدة أيضًا، مع قراءة للصعوبات الجمة التي أصبحت تعترض فعل الثورة من حيث هو.


......................................................
1 محمد عمر بشير، تطور التعليم في السودان 1898 - 1956، (ترجمة هنري رياض، محمد سليمان، عبد الله الحسن، الجنيد علي عمر)، دار الجيل بيروت، 1983، ص 122.
2 المصدر السابق، ص 123.
3 هارولد ماكمايكل، السودان، الطبعة الثانية، (ترجمة محمود صالح عثمان صالح)، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، السودان، 2009، ص 175
4 المصدر السابق، ص 169
5 ديدار فوزي روسانو، السودان إلى أين، (ترجمة مراد خلاف) الشركة العالمية للطباعة والنشر، السودان، 2007، ص 126
6 تيم نيبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان، منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، (ترجمة الفاتح التجاني ومحمد علي جادين)، مطبعة جامعة الخرطوم، (1990)، ص 217
7 راجع: محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 1999، ص 135 - 138
8 Mahmood Mamdani, Saviors and survivors: Darfur, politics, and the war on terror, Pantheon Books, New York, 2009, p172
9 Ibid, p 172

 


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نقلا عن صفحة دكتور النور حمد على الفيس بوك