سياحة موجزة في فكره

الانسانوية والأطباق الطائرة:
يقول جون غراي، لو كان الإيمان بعقلانية الانسان نظريةً علميةً، لتم هجر هذه النظرية منذ وقتٍ طويل. ولكي يرسم غراي صورة أوضح للاعقلانية البشر، يورد غراي قصة عن فريقً علميٍّ برئاسة ليون فستينقر الذي أخرج كتابًا في كلاسيكيات علم النفس الاجتماعي، عام 1956، بعنوان "عندما تفشل النبوءة"When Prophecy Fails تم فيه رصد حالة امرأة أمريكية من ولاية متشيجان كانت تزعم أنها تتلقى رسائل من كوكب آخر، تخبرها أن نهاية العالم سوف تحدث عن طريق فيضانٍ كبير، يحدث قبل فجر يوم 21 كانون الأول/ديسمبر 1954. ولقد قامت تلك المرأة ومن صدقها ممن كانوا حولها، بترك أعمالهم، وهجر من لهم بهم علاقة من أقاربهم واصدقائهم. كما قاموا بالتخلص من ممتلكاتهم استعدادا للطبق الطائر الذي سوف يأتي لينقذهم من العالم الذي حق عليه الدمار. وبما أن فيستينغر كان من أعضاء الفريق الذي طور نظرية "التناقض الادراكي"cognitive dissonance ، فقد وجد هو وفريقه في قصة تلك المرأة فرصة لاختبار نظريتهم.
تزعم تلك النظرية أن البشر لا يتعاملون مع المعتقدات المتناقضة باختبارها عن طريق مضاهاتها مع حقائق الواقع، وإنما يخفِّضون من حدة التناقض عن طريق إعادة تأويل الحقائق التي تتحدى معتقداتهم، التي أصبحوا أكثر التصاقًا بها ولا يستطيعون فكاكًا منها. في هذا الصدد، يستشهد غراي بـ تي إس إليوت، الذي يقول، "إن الجنس البشري لا يحتمل كثيرًا الأمور شديدة الواقعية". من أجل اختبار نظريتهم، اخترق المحللون النفسانيون تلك المجموعة التي آمنت بمزاعم تلك المرأة، بغرض مراقبة رد فعلهم، عندما لا تحدث تلك القيامة، التي تنبأوا بها. وكما توقعوا، فقد رفضت المجموعة أن تقر بأن منظومتهم المعتقدية كانت خاطئة. وبدلاً عن ذلك قاموا بتأويل عدم حدوث الكارثة الكونية التي توقعوها، عازين عدم حدوثها إلى كونهم قد ظلوا في حالة صلاةٍ مستمرةٍ طوال تلك الليلة، ما جعلهم ينجحون في منع حدوثها. وكان النتيجة أن أصبحوا أكثر التصاقًا بمعتقدهم.
يقول غراي إن إنكار الواقع من أجل الإبقاء على التصور للعالم الذي يعتنقه الفرد، أو المجموعة، ليس منحصرًا فقط في المجموعات ذات المعتقدات الباطنية الشاطحة cults، ولا في فرضية أن "التناقض الإدراكي"، حالة بشرية طبيعية. فالحركات التي يعيش تابعوها في انتظار مُخلِّصٍ، يعتنقون هذا التناقض في صورته الصرفة. وينقل غراي عن فيستينقر أنه منذ أن صُلب المسيح، ظل كثيرٌ من المسيحين يأملون في عودته الثانية. ولم تكن الحركات التي حددت لتلك العودة تواريخ بعينها، نادرةً في ذلك المجال. بل يرى غراي، أن ظِلَّ القيامة يتعدى الجماعات الدينية ليلقي بنفسه على الحركات الراديكالية أيضًا، وذلك عن طريق إعادة انتاجه في صورةٍ معلمنة. فقد تلبَّست الخرافات الثوريين، من يَعَاقِبِة الثورة الفرنسية، إلى البلشفيك، وإلى ما وراء ذلك. بل إن الخرافات ألهمت حركاتٍ تبدو مختلفةً جدًا، كالتروتسكية، بل وحركاتِ نهايات القرن العشرين، كالمحافظين الجدد الأمريكيين.
يقول غراي، إذا كان هناك شيءٌ مميزٌ جدًا لدى "الحيوان البشري" فهو قدرته على إنماء المعرفة بمعدلات متسارعة. غير أنه، مع ذلك، يبقى عاجزًا عجزًا مزمنًا عن التعلم من تجربته. فالعلم والتكنولوجيا تراكمية، حيث تلغي النظريات الأجد النظريات الأقدم. أما الأخلاق والسياسة فتمثل دواماتٍ تعيد نفسها. فالتعذيب والاستعباد، مهما أطلق عليهن من أسماء، فهي شرور كوكبية. غير أن هذه الشرور لا يمكن أن تُنسب للماضي كما تُنسب النظريات العلمية التي تخطاها العلم، فهي، على خلاف النظريات العلمية، تعود تحت مسمياتٍ جديدة. فالتعذيب يعود في صورة أساليب استجواب محسنة، والعبودية تعود في صورة الاتجار بالبشر. فموانع تحقق الحياة المتمدنة، ليست كموانع تحقق المعرفة في العلوم الطبيعية التي يمكن حفظها في ذاكرة الكمبيوتر. فهي عاداتٌ سلوكية، متى ما انكسرت يصعب إصلاحها. فالتمدن طبيعيٌّ في البشر، ولكن بنفس الصورة فإن البربرية طبيعية أيضًا فيهم. ويخلص غراي إلى القول إن المتحمسين للعقلانية ربما لم يلاحظوا أن الفكرة القائلة بأن البشر سيصبحون، يومًا ما، أكثر عقلانية، تقتضي قفزةً أعظم في الإيمان، تفوق تلك التي قامت عليها الأديان. فما دام تحقق هذا الحلم يقتضي خرقًا إعجازيًا لناموس الأشياء، فإن عودة يسوع من الأموات ليست مناقضةً للعقلانية، بأكثر من فكرة أن البشر سيصبحون في المستقبل مختلفين عما ظلوا عليه عبر التاريخ.
أيضاً يرى غراي، أن من الممكن، بشكل عام، القول إن الإنسانويةhumanism تقوم على فكرة أن "الحيوان البشري" هو الكيان الحاوي لنوعٍ من القيمة المتميزة في العالم. ففلاسفة اليونان القدماء يؤمنون بأن البشر متميزون لامتلاكهم العقل الذي ينقص بقية الكائنات. ومن بين هؤلاء فإن سقراط بخاصة، كما يصفه أفلاطون، يرى أن الأنسان يمكنه باستخدام العقل أن يلج المجال الروحاني. ومن ضمن جوانب الإنسانوية المتصلة بهذا الشأن الفكرة القائلة أن العقل البشري يعكس الناموس الكوني. ورغم ذلك فإن مايكل مونتين الذي يُعد أحد إنسانويي القرن السادس عشر كان يرفض الفكرة القائلة أن العقل البشري يمثل مرآةً للعالم. كما كان يسخر من الفكرة القائلة أن العقل هو الذي يجعل البشر قادرين على أن يعيشوا عيشًا جيدًا. ومع ذلك، لم يقفل مونتين الباب أما عودة الروحانية، بسبب أنه كان أصلاً متشككًا skeptic.
يورد غراي بناءً على أقوال بعض المؤرخين، أن حالة اللامساواة في أمريكا، في بداية القرن الواحد والعشرين، أكبر من تلك التي كانت سائدةً في الاقتصاد القائم على الرق في روما الإمبراطورية، في القرن الثاني الميلادي. ويعلق غراي على ما أورده أولئك المؤرخون بقوله:
بالطبع الإنسانية ليست متجهة إلى أي جهة. فـ "الإنسانية" مجرد خيال مكون من بلايين الأفراد، الحياة بالنسبة لكل واحدٍ منهم مفردةٌ ونهائية. غير أن خرافة التقدم لها قوةٌ مفرطة. عندما تفقد هذه الخرافة قوتها فإن الذين عاشوا معتقدين فيها يصبحون، كما يصف جوزيف كونراد بطلي روايته، "محطة التقدم"، كيرتس وكارليه بقوله: "إن مَثَلُهم مَثَلُ من كانوا مسجونين طوال أعمارهم، ثم تم إطلاق سراحهم بعد سنين طويلة؛ لا يعرفون ماذا يصنعون بحريتهم". فهم عندما يضعف في وجودهم الإيمان بالمستقبل تضيع منهم أيضًا الصورة التي رسموها لأنفسهم في أفئدتهم. ولو أنهم اختاروا الموت بعد ذلك، فلأنهم، بدون ذلك الإيمان، لم يكن في وسعهم أن يعرفوا معنىً للعيش الذي عاشوه (صمت الحيوانات، ص 7).
يقول غراي أن انسانويِّي اليوم يزعمون أن لهم فهمًا علمانيًا صرفًا للأمور ويسخرون من التدين والروحانية. غير أنه من الصعب الدفاع عن، أو حتى فهم، تميز الإنسان عن بقية المخلوقات عندما يتم فصله عن مفاهيم التجاوز transcendence. فوفقًا للنظرة الطبيعية الصارمة، التي يتم النظر فيها للعالم بشروطه الخاصة به بدون الرجوع إلى خالق، أو إلى أي نطاق روحاني، لن يكون هناك تراتبية تجعل الانسان يتبوأ وضعًا في القمة. ببساطة، تبقى هناك حيوانات متنوعة لكل منها حاجاته الخاصة به. فالتميز الإنساني خرافةٌ موروثة من الدين، أعاد البشر تدويرها ليضعوها في نطاق العلم (صمت الحيوانات، ص 77).
خرافة أن البشر يستخدمون عقولهم ليرفعوا أنفسهم فوق العالم الطبيعي، التي عكستها آراء سقراط وأفلاطون كجزء من الفلسفة الروحانية، أعيد تجديدها في نسخة مشوهة حملتها لغة نظرية التطور. فكثيرٌ مما ورد في "صرعة" نظريات التطور الراهنة يمكن إيجاده، وأحيانًا بصورة أوضح، في ما عبّر عنه هربرت سبنسر. ويرى جون غراي أن هربرت سبنسر هو النبي الفيكتوري لما أصبح معروفًا، في ما بعد، بـ "الدارونية الاجتماعية". كان سبنسر يرى أن خلاصة السيرورة تنتهي في حرية الرأسمال Laissez-faire capitalism. ثم جاء من بعده تلاميذه الذين كانوا من أوائل الفابيين المعجبين بتجربة الاتحاد السوفياتي، ليقولوا إن النهاية هي الشيوعية. أما الأجيال الأخيرة من المنظرين الذي ودوا أن يكونوا أكثر انتماءً لمفاهيم العدالة فقد رشحوا "الرأسمالية الديمقراطية" لتكون هي النهاية لتلك "السيرورة التطورية".

صمت الحيوانات:
في الفصل الذي أسماه غراي "صمت الحيوانات" وأتخذه عنوانًا للكتاب، يقول غراي، يبدو أن البحث عن الصمت أمر يخص البشر وحدهم. فالحيوانات تهرب من الأصوات، ولكن من تلك التي يصدرها غيرها. أما البشر فوحدهم هم الذين يودون اسكات الضجيج الثائر في رؤوسهم. فلأنهم متعبون من الثرثرة الداخلية فإنهم ينزعون إلى الصمت ليخرسوا أصوات أفكارهم. فالذين يبحث عنه الناس عندما يبحثون عن الصمت إنما هو نوع مختلف من الضجيج. فالمؤسسات البشرية التي أُنشئت من أجل الصمت مملوءةٌ في حقيقة أمرها بالضجيج. فالكنائس لا تنعم بالصمت إلا حين تكون فارغةً من الناس. يقول غراي إن رجل الدين الكاثوليكي ماكس بيكارد يرى أن صمت البشر مختلف عن صمت الحيوانات. فهو يراه صمتًا شفافًا ومشرقًا لأنه صمتٌ يواجه العالم؛ فهو يطلق العالمَ ويستقبله عائدًا في كل لحظة ليدخل في ذاته مرة أخرى. فصمت الحيوانات ثقيل مثل الحجارة. ولكن غراي، رغم أنه يوافق على ما قاله بيكارد أن صمت الحيوانات مختلف من صمت البشر، إلا أنه يخالفه الرأي قائلاً: في حين أن صمت الحيوانات يمثل حالة طبيعية من الراحة، فإن صمت البشر يمثل هروبًا من حالة الضوضاء الداخلية. فالصمت لدى الحيوانات حق بالميلاد، في حين أنه حالة فالتة ومتطايرة لدى البشر يهربون إليها لكيلا يكونوا ذواتهم التي هم عليها. يسعى البشر إلى الصمت من أجل الخلاص من ذواتهم. أما بقية الحيوانات فتستمتع بالصمت لأنها لا تحتاج خلاصًا من شيء. ويرى غراي أن عكس بيكارد لخصائص الصمت البشري وصمت الحيوانات يضع البشر يجلسون فوق منصة عالية تمامًا مثلما فعل مارتن هيدجر، الذي يصف الحيوانات بأنها "مساكين العالم" (صمت الحيوانات، ص 163). فمن وجهة نظر هيدجر المسيحية الجديدة فإن الفئران والنمور والغوريلا والضباع إنما تعيش لكون ردود فعلها تجاه العالم سلبية. فالحيوانات بافتقادها أي مفهوم لمعنى "الكينونة" المحير، فإنها ليست أكثر من أشياء. ومن الجانب الآخر فالبشر ليسوا أشياء لأنهم يشكلون العالم الذي يعيشون فيه. ويرى غراي إن ذلك ليس صحيحًا تمامًا؛ فكل حيوانٍ صانع لعالمه. فعالم الصقر المحلق في الهواء هو خلقٌ بذات المقدار الذي به عالم الإنسان المشدود إلى الأرض. ربما يكون هناك احساس من نوع ما بأن الحيوانات مسكينة، غير أن مسكنتها هي حالة مثالية لن يفلح البشر قط في تحقيقها. ففي حين يطفف المسيحيون وتوابعهم من "الانسانويين" صمت الحيوانات، فإن الحسد ربما يكون هو الذي يدفعهم لفعل ذلك.

اللغة بين البشر والحيوانات:
يقول غراي إن الشقة بين صمت البشر وصمت الحيوانات إنما حدثت نتيجة لاستخدام اللغة. ولا يعني هذا أن بقية الحيوانات تفتقر إلى اللغة. فخطاب الطيور أكثر بكثير من المجاز اللغوي البشري. فالحيوانات تعيش في نومها، وتتحدث إلى نفسها وهي تقوم بتأدية شؤونها اليومية. فالبشر هم النوع الوحيد الذي يستخدم أفراده الكلمات ليشيدوا صورًا للذات، وقصصًا لحيواتهم. ولكن إذا كانت بقية الحيوانات تفتقر إلى هذا المنولوج الداخلي، فليس من الواضح لماذا تضع هذه المزية البشر في مقام أعلى. لماذا يجعل كسر الصمت ثم المعاضلة بضجيجٍ شديدٍ لاستعادته مرة أخرى، انجازًا؟ يقول غراي، إن الانسان هو الفراغ ينظر إلى ذاته! وهي صورة جميلة دون شك. ولكن لماذا تمنح الانسان ميزة؟ فعيون الحيوانات الأخرى ربما تكون أكثر اشراقًا، لأن البشر لا يملكون فكاكًا من رؤية العالم من خلال حجاب اللغة. فمن خلال الشعر والدين والانغماس في العالم الطبيعي يحاول البشر نثر الكلمات التي تلبس حياتهم قناعًا. أن تتخطى اللغة بوسيلة اللغة ذاتها أمر مستحيلٌ بالبداهة. وقد أكد غراي نفس هذا المعنى في كتابه "كلاب من قش"، السابق لكتاب "صمت الحيوانات"، حيث يقول: "الكتابة تخلق ذاكرةً مزيفةً، فيها يستطيع البشر تضخيم تجاربهم إلى ما وراء حدود الجيل الواحد وحدود أسلوب الحياة. وفي نفس الوقت تسمح الكتابة للبشر باختراع عالم من الكيانات التجريدية والتعامل معها خطًأ بوصفها الواقع. فتطور الكتابة مكّن البشر من تطوير فلسفاتٍ أوهمهم انغماسهم فيها أنهم لا ينتمون إلى العالم الطبيعي"3.
ويستطرد غراي في مكان آخر قائلاً، من الممكن أن نفهم التأمل على أنه نشاط لا يهدف إلى تغيير الواقع، ولا إلى فهمه، وإنما ببساطة، أن نتركه ليكون ما هو عليه. فالتأمل بمثل هذه الصيغة معروفٌ لدى المتصوفة، فهو يتمحور حول محو الذات. ولكن بلا غرضٍ في الدخول في أي ذات عليا؛ وذلك هو الوهم الذي تركته الحيوانات وراء ظهرها. فالمتصوفة يودون أن يقودهم هذا الوهم إلى طريقة جديدة للعيش. فهم على حق في تفكيرهم بأن الحياة المصنوعة من الفعل فقط، ليست سوى سعيٍ وراء أشباح.

غراي وفرويد:
في الباب الثاني من كتابه "صمت الحيوانات" يعرج غراي على فرويد، فيقول أن فرويد زرع علامة استفهام فوق أفكار الحداثة. فمن دون أن يتنازل عن إلحاده الثابت، أعاد فرويد تشكيل أحد أهم رؤى الدين، وهي أن الإنسان قارورة مكسورة. يقول غراي إن يحول بين الإنسان وتحقيق ما يريد ليست هي الظروف المحيطة به وحدها، وإنما النزعات التي تجهض ذلك التوق داخل نفسه. فغريزة الحبEros والابتكار تمثلان مكونًا رئيسًا في تكاملية أن تكون إنسانًا. ولكن فرويد يرى أن غريزة الموت Thanatos التي تجد تعبيرها في الكراهية والتخريب هي الأخرى طرف من هذه التكاملية. فقصد المعالجة النفسانية إذن لا يتمثل في تحقيق السلام بين هذه النزعات المتحاربة، أو لتحقيق النصر لواحدةٍ منها على الأخرى، وإنما إحداث تغيير في العقل يصبح ممكنًا من خلاله قبول الاثنتين معًا. فعبر التاريخ وما قبل التاريخ ظل الاعتقاد السائد والمقبول أن هناك علة في الحيوان البشري. فالصحة ربما فُهمت بوصفها الحالة الطبيعية للحيوانات، ولكن المرض هو الأمر الطبيعي في البشر. بعبارةٍ أخرى، أن تكون معتلاً بصورة مزمنة هو جزء من أن تكون إنسانًا. فالمحللون النفسانيون العصريون وقبائل الشمامان يجرون نفس المعالجات تقريبًا. يقول غراي إن ما يميز فرويد على سابقيه ولاحقيه من المعالجين النفسانيين أنه لم يطرح شفاءً للروح. نتيجة لكتابات فرويد، أصبح يُنظر إلى التناقضات الطبيعية في العقل البشري على أنها عللا تحتاج المعالجة. قَبِل فرويد مقولة أن الانسان كائن معتل، ولكنه كان أصيلاً في الاعتقاد بأن علل الإنسان ليس لها علاج. ففي حين عمد فرويد إلى تسليح الفرد البشري ضد العالم، كان يعرف أن العالم سوف يكسب المعركة ضد الفرد البشري في نهاية المطاف. فالقدر وليس الاختيار هو ما يقرر أين نُولد، ولأي والدين نُولد، وأي ظروفٍ سوف تحيط بينا، وإلى أي حد سوف نعاني في حيواتنا. فالمفكرون الحداثيون يظنون أن الانسان بوسعه أن يكون سيد مصيره، وهذا الاعتقاد، إلى حد كبير، هو نفس الاعتقاد بأنه لا يوجد قدرٌ أصلاً. فغاية الاستطباب النفسي لدى فرويد هي أن نقبل أقدرانا. ويقول غراي أن هذا المنحى لدى فرويد ليس منحى استسلاميًا بقدر ما هو منحى للاصطراع العقلي مع القدر في الحيز المتاح. يقول غراي، في منحىً مشابهٍ لمنحى "نيتشة"، ولكنه أكثر صحوًا منه، تصور فرويد شكلاً من الحياة وراء ثنائية الخير والشر. ويمثل هذا الفصل الذي كتبه غراي عن فرويد وأجرى مقارناتٍ فيه بينه وبين شوبنهاور، عارضًا فيه رسائل فرويد إلى انشتاين، وتجربة موت فرويد بالسرطان، وحرصه على تدخين السيجار حتى آخر لحظة، أكثر الفصول امتاعًا وإثارة للتساؤلات في كتابه "صمت الحيوانات" (ص 83 -92).

خاتمة:
ما من شك أن الرؤى التي قدمها جون غراي رؤى جديدة وطازجة في وقت انخفض فيه صوت الفلسفة كثيرًا وتراجع الاهتمام بها حتى وسط النخب. تعدت رؤى جون غراي أطر النقد الذي صوبته أفكار ما بعد الحداثة لأفكار حقبة الحداثة، ووصلت بالمراجعة النقدية إلى لب فكرة الإنسان عن ذاته، بوصفه كائنًا يمتلك وضعًا يميزه عن بقية الأحياء، وشككت في وهمه المسيطر عليه بأن في وسعه أن يكون، عبر التطور، سيدًا لمصيره. غير أن أفكار غراي على قوتها وحجيتها تصبح مربكة، بل وربما مفسدةً للمعنى في الوجود الإنساني، وهو معنى ظل الإنسان يشيده عبر الحقب. ولربما أمكننا التساؤل: هل ملك الإنسان، في أي يوم من الأيام، من تاريخه، أن ينفك عن رؤية ذاته كمخلوقٍ مميز؟ وهل في وسعه أن يملك في مستقبله، سوى أن يفكر في نفسه بهذه الطريقة التي انتقدها غراي ووصفها بأنها محض وهم؟ البنى العقدية والتصورية التي شيدتها البشرية، عبر التاريخ، أضحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة صناعة المعنى في الوجود الإنساني، ووسيلة حاسمةً من وسائل التصالح مع فكرة الوجود والعيش، وخلق التوازن النفسي والوجداني، وحراسة الكثير من منظومات القيم. ولا يقلل من أهميتها، من الناحية العملية، كونها وهمًا أو حقيقة. فما هو وهمٌ أو حقيقي لا ينسب إلى العالم الطبيعي، وإنما إلى العقل البشري. فالمشكلة في العقل البشري الذي من طبيعته أن يكون محشوًا بالأوهام. فهذه الأوهام ذاتها جزءٌ من الناموس الكوني، وليست شيئًا خارجًا عنه، خاصة إن نحن استخدمنا رؤية الفيلسوف الأمريكي كين ويلبر4. يرى ويلبر أن مشكلة العقل الحداثي رسم خريطة للعالم دون أن يرسم نفسه فيها، معطيًا هذا المسلك "راسم الخريطة الذي هو ليس جزءًا منها". يقع جون غراي، هو الآخر، في ما أرى، في اشكالية فصل الذات عن الموضوع، كما وقع قبله ايمانويل كانط. ومع ذلك، نجد أن غراي مقرٌّ بأن المتصوفة، على سبيل المثال، يودون أن يقودهم الوهم إلى طريقة جديدة للعيش، وهذه تشفع له في تقديري. في سياق مشابه، يقول محمود محمد طه: "سايـر الديـن طفـولة البشرية في سحيـق الآماد، وأحسن مسايرتها، وكان بها رفيقًا، شفيقًا، يمد لها في الأوهام، والأباطيل، التي كانت تكتنف تفكيرها، ريثما ينقلها، على مكث، وفي أناة، من وهم غليظٍ، إلى وهمٍ أدق، ومن باطلٍ غليظٍ إلى باطلٍ أدق، وهكـذا، دواليك" 5. ولذلك فإن اخبار البشر بأن ليس للتاريخ هدف، وأنه لا ينبغي أن نبحث عن معنى للوجود، أو للحياة، وأن تنامي الخير وتنامي الحس الأخلاقي لا تتم وفق منظومة تراكمية كما يجري في العلوم الطبيعية، وأن على البشر ألا يجهدوا أنفسهم في إيجاد معنى له، دعوة صفوية، ولن تجد، بالضرورة، استجابةً واسعةً. ولكن هل دفع جون غراي بالتنوير إلى أفق جديد، وجذب التفكير الفلسفي إلى منطقة جديدة؟ نعم، لقد فعل دون أدنى شك.
.............................................
3 Joan Gray, Straw Dogs, Farrar Straus, and Giroux, New York, 2003, p56.
4 See Ken Wilber, A brief history of everything, Shambhala Publication Incorporation, Boston USA, p.
5 محمود محمد طه، الإسلام، (ط 2) منشورات الحزب الجمهوري، السودان، 1968، ص 12.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نقلا عن صفحة دكتور النور حمد على الفيس بوك