جرى نشر هذه المراجعة في دورية "تبين" التي يصدرها المركز العربي للأبحاث

تعريف بجون غراي.
جون غرايJohn Gray ، فيلسوفٌ سياسيٌّ وُلد في بريطانيا عام 1948، وهو من المشتغلين في كتاباتهم بالفلسفة التحليلية وبتاريخ الأفكار. عمل قري أستاذًا للفكر الأوروبي بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، واشتهر في العقدين الأخيرين بسبب تأليفه مجموعة من الكتب التي أثارت جدلاً واسعًا، خاصةً كتابه، Straw Dogs، "كلاب من قش"، الذي وجد احتفاءً كبيرًا وسط كبار مراجعي الكتب، لدى الصحف الغربية الرئيسة. كتب "جورج والدن" عن ذلك الكتاب في صحيفة "الديلي تلغراف" ما نصه: "ليس هناك شيءٌ يمكن أن يدفع بك إلى التفكير، مثلما يفعل هذا الكتاب". وكتب عنه "جي بالارد"، في صحيفة "الغارديان" البريطانية: "إنه كتاب يتحدى كل افتراضاتنا عن ما يجعل الانسان انسانًا". وكتب عنه "ويل سلف"، في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية: "بعد أن تقرأ هذا الكتاب ستجد أن كل شيء يبقى تمامًا كما هو ــــــ ولكنه يبدو مختلفًا جدًا، وهذا مزعج". أعقب جون غراي كتابه "كلاب من قش" ببعض الكتب التي لاقت رواجًا كبيرًا. من بينها كتابه الذي صدر عام 2013، بعنوان: "صمت الحيوانات: حول التقدم والخرافات الأخرى للحداثة"، The Silence of Animals: On Progress and other Modern Myths. وهو الكتاب الذي سأركز عليه في عرض أفكاره في هذه الورقة، مع استصحاب شواهد من كتابه الآخر "كلاب من قش" Straw Dogs، الذي صدر عام 2003. صدر الكتابان عن دار فارار وستراوس وجيرو بنيويورك.
عمل جون غراي، عقب تقاعده عن التدريس، مراجعًا رئيسًا للكتب لكلٍ من صحيفة "الغارديان" البريطانية، والملحق الأدبي لصحيفة "التايمز"، وكذلك لمجلة "نيوستيتسمان". جاءت جميع مؤلفات جون غراي ملفتةً للنظر، بسبب قدرتها الكبيرة على زلزلة القناعات السائدة حول فهم الانسان للكون وطبيعة علاقته به، وفهمه لنفسه، وعلاقته بأخيه الانسان. فجون غراي ينتقد العلمانية الإنسانوية بنفس القدر الذي ينتقد به الأديان. وتتمحور أفكار غراي في منحاها النقدي حول ما تسميه أدبيات الحداثة "حتمية التقدم". يرى غراي أن فكرة "التقدم" في الأصل فكرة دينية، مسيحية وأنها مجرد خرافة ورثتها عنها العلمانية الإنسانوية زاعمةً أنها فكرة علمية.
من كتب جون غراي الأخرى، التي لقيت إعجابًا لدى المفكرين والاقتصاديين والسياسيين وعامة الجمهور، كتابه المسمى، False Dawn: The Delusions of Global Capitalism، "الفجر الكاذب: ضلالات الرأسمالية المعولمة"، الذي صدر في عام (1998). ومن بين كتبه التي استرعت الانتباه أيضًا، كتابه المسمى: Black Mass: Apocalyptic Religion and the Death of Utopia ، "الكتلة السوداء: ديّانةُ القيامة وموت اليوتوبيا"، وقد صدر هذا الكتاب عام (2007). أما كتابه الأخير الذي تستعرضه هذه الورقة، المسمى: "صمت الحيوانات: حول التقدم وغيره من خرافات الحداثة"، فيلخص رؤية غراي لعجز البشر المستمر عن تحقيق الحالة الانسانية المنشودة التي طالما تصوروها، وعن الشقة التي تبقى شبه ثابتة، بين عالم الأفكار والتصورات والحلم بحالة انسانية أفضل، وبين ما عليه حقيقة أفعال الناس في الواقع. ويمكن القول إن خيطًا واحدًا يربط كل مؤلفات جون غراي، وهو أن حلم التقدم؛ أي تجاوز الانسان حالة الوحشية إلى حالة الإنسية، إنما هو وهمٌ، أكثر من كونه حقيقة.
من "كلاب من قش" إلى "صمت الحيوانات"
كتاب "صمت الحيوانات" الذي صدر عام 2013، لا يختلف من حيث الثيمات الفكرية الرئيسة من سابقه "كلاب من قش". فهو يبدو مجرد تنويع على ذات اللحن القديم، مع استطرادات وشواهد جديدة تدعم أفكار جون غراي الرئيسة التي سبق أن عبر عنها. يقول غراي في مقدمة كتابه "كلاب من قش"، إن الانسانويين يحبون أن يروا أنفسهم بوصفهم يملكون منظورًا عقلانيا للعالم. غير أن عقيدتهم المركزية حول التقدم progress، ليست سوى خرافة، وهي أبعد من حيث القدرة على ادراك حقيقة "الحيوان البشري" من أي ديانةٍ من ديانات العالم. 1(كلاب من قش، صxi) . يقول غراي إن الإنسانويين المعاصرين عندما ولّدوا فكرة "التقدم" مزجوا في الحقيقة بين خرافتين مختلفتين: الخرافة السقراطية حول العقل والعقلانية وخرافة الخلاص المسيحية. وإذا كان الناتج من جماع هذه الأفكار ليس متجانسًا فهذا هو ما جعله ذا قابلية للتصديق وسط الناس. يعتقد الإنسانويون أن البشر يتحسنون مع تقدم المعرفة. فهم يعتقدون أن تحقيق التصورات المنتظرة لما يجب أن يكون عليه البشر هي الهدف الأعلى للتاريخ. غير أن البحث والتقصي العقلاني يقول ليس للتاريخ هدف. إنهم يبالغون في تصوير الطبيعة عندما يصرون بأن الإنسان، الذي هو أحد صدف الطبيعة، سوف يتجاوز الحدود التي تؤطر وتحد حيوات الحيوانات الأخرى. يقول غراي من السخف البيِّن أن هذا الهراء يمنح المعنى لحيوات الناس الذي يظنون أنهم قد خلفوا كل الخرافات وراء ظهورهم (صمت الحيوانات، ص 80).
يرى غراي أن الاعتقاد في أن الإنسان متميز على سائر الحيوانات لأنه يملك إرادة حرة، مسألة موروثة من المسيحية. ويقول، لم تكن نظرية دارون لتحدث الدوي الفضائحي الذي أحدثته لو أن كتابتها حدثت في الهند الهندوسية، أو الصين التاوية، أو إفريقيا الأرواحية. وبنفس القدر، فإن الفلاسفة لم يجهدوا أنفسهم "روحيًا" ليوفقوا بين الحتمية العلمية والاعتقاد بتفرد البشر بخاصية أنهم كائنات تملك حرية الاختيار، إلا في الثقافات التي تلت ظهور المسيحية. ويرى غراي أن الجهل باللاهوت والأديان وسط الفلاسفة المعاصرين بقي مدعاةً للفخر لديهم. وهذا هو ما جعل الأصل المسيحي للعلمانية الإنسانوية لا يُفهم إلا نادرًا. ويرى غراي أن العلمويين الفرنسيين مثل سان سيمون، وأوغست كونت، اخترعوا "ديانة الإنسانية" كرؤيةٍ لحضارةٍ عالميةٍ مبنية على العلوم الطبيعية. ولقد أدى تأثيرهما على جون ستيوارت ميل إلى أن تصبح العقيدة العلمانية على الهيئة التي هي عليها اليوم. كما أن سيمون وكونت ساعدا بتأثيرهما العميق على كارل ماركس في تشكيل "الاشتراكية العلمية". وللمفارقة، فإن سان سيمون وكونت، كانا ناقدين شرسين لاقتصاد "دعه يعمل" liassez-faire. يقول غراي، إن الإنسانوية ليست علمًا، وإنما هي دين. ففي أوروبا ما قبل المسيحية، كان الاعتقاد الراسخ، أن المستقبل سوف يكون كما الماضي. فالمعرفة والاختراعات تتقدم، ولكن الأخلاق تبقى، في الغالب، كما هي، وأن التاريخ سلسلة من الحلقات لا يربطها معنى كلي. وعلى عكس هذا الفهم الذي كانت عليه ديانات التعدد، paganism، فهِم المسيحيون التاريخ كقصةٍ للخطيئة والخلاص منها. فالإنسانوية، وفقًا لما يراه غراي، تمثل تبنيًا وتحويرًا لهذه العقيدة المسيحية المتجذرة في فكرة الخلاص، تم تحويلها إلى مشروع عالمي للتحرر الإنساني. ويقول غراي إن الإيمان بـ "التقدم" له مصدرٌ آخر، أيضًا. فنمو المعرفة في العلوم الطبيعية تراكمي. غير أن الحياة البشرية بصورة كليةٍ ليست تراكمية؛ فالذي يتم اكتسابه في جيلٍ واحدٍ يمكن فقدانه في الجيل التالي. ففي العلوم الطبيعية، المعرفة خيرٌ غير مخلوط، أما في الأخلاق والسياسة فإن الأمور خليط من الخير والشر. فالعلوم الطبيعية تزيد القدرة البشرية، ولكنها، في نفس الوقت، تضخم الإخفاقات الإنسانية. (كلاب من قش، صxiii). فالعلوم الطبيعية تجعلنا نعيش أطول، ونحقق مستوىً أعلى من العيش، مقارنة بما كان عليه الحال في السابق. ولكن، في نفس الوقت تجعلنا نتسبب في تدمير حيوات بعضنا وتدمير الأرض، بصورٍ غير مسبوقة. وفي ختام مقدمته لكتاب "كلاب من قش" يقول قراى، كتب هيغل في مكان ما أن البشرية لن تقنع إلا بعد أن تعيش في عالمٍ من صنعها. ولكن على العكس من ذلك، فإن كتاب "كلاب من قش" يحاجج من أجل احداث نقلةٍ تخرج بنا من هذه الحالة من تضخم الوعي بالذات وبالأنا، Solipsism. فالبشر لن ينقذوا العالم، وهذا ليست مدعاةً لليأس، لأن العالم لا يحتاج إلى انقاذ. بل لعله من المفرح، أن البشر لن يعيشوا أبدًا في عالمٍ من صنعهم.
ينقسم كتاب "صمت الحيوانات" إلى ثلاث أقسام: القسم الأول أسماه الكاتب، "فوضى قديمة"، وأسمى القسم الثاني، "وراء الفكرة الأخيرة"، أما الثالث فأسماه "ضوءُ شمسٍ آخر". ابتدر جون غراي كتابه الأخير هذا، باقتباس قصيرٍ لجون آشبري يقول فيه: "لم تعد المواسم مثلما كانت من قبل، غير أن هذه هي طبيعة الأشياء التي تُرى مرةً واحدةً وهي تواصل الحدوث...". ولقد تكررت ثيمة المواسم الطبيعية مراتٍ في هذا الكتاب. ويبدو أنها تمثل الفكرة المحورية في تصورات جون غراي التي ترى أن التاريخ يسير في دوراتٍ، هي أشبه ما تكون بفصول السنة. أي، أنه لا يوجد، وفق رؤية غراي، تقدمٌ يسير في خطٍ صاعدٍ على الدوام، بقدر ما يوجد تبدّل في التاريخ البشري، أقرب ما يكون إلى الحركة الدائرية، ولذلك، هو أشبه ما يكون بتبدل الفصول. من الصادم في رؤية غراي أنه لا يرى أن الخير يتنامى والشر يتناقص، وذلك، على عكس فكرة "التقدم"، بقدر ما يرى أنها دورات تتعاقب في المسار الكلي، كما تتعاقب فصول السنة. وهذا المعنى هو ما أشار إليه ، "ويل سلف"، حين كتب معلقًا على كتاب جون غراي، "كلاب من قش" Straw Dogs، في صحيفة الإندبندت البريطانية، مما جرى إيراده سابقًا، حيث قال: "بعد أن تقرأ هذا الكتاب ستجد أن كل شيءٍ يبقى تمامًا كما هو ــــــ ولكنه يبدو مختلفًا جدًا، وهذا مزعج".
نداء التقدم
في الفصل الأول من كتابه "صمت الحيوانات"، الذي أسماه غراي، "نداء التقدم"، اعتمد غراي في طرح رؤاه على قصة قصيرة كتبها الروائي المعروف جوزيف كونراد في عام 1896، أسماها "محطة للتقدم"، An Outpost of Progress. كتب كونراد هذه القصة بناءً على تجربة عيشه في الكونغو. وتتلخص القصة في أن أوربييْن اثنين أُوكلت إليهما، في أوج الحملة الاستعمارية، مهمة إقامة محطة نهرية في أدغال الكونغو لتسهيل تجارة العاج. وكما تنتفع الشركة التي أوكلت لهما هذه المهمة ماليًا، فإنهما أيضًا كانا ينتفعان ماليًا. بعد فترةٍ من الوقت عرض عليهما ماسك دفاترهما، وهو من السكان الأفارقة المحليين، أن يستبدلا تجارة العاج بالرقيق، لأن ذلك سوف يدر عليهما دخلا إضافيًا. أُصيب الرجلان بالصدمة والاستغراب، وأبديا الاستنكار والاستياء تجاه ذلك المقترح. غير أنهما ما لبثا أن قبلا به. وبمرور الزمن واشتداد حالة العزلة، تدهورت صحة الرجلين وتدهورت روحهما المعنوية. وفي ثورة غضبٍ عارمة نتجت من الخلاف حول مسألة تافهة، قام كيرتس بقتل رفيقه كارليه. بعد ذلك أصيب كيرتس بحالة اكتئابٍ شديدة. وحين وصلت الباخرة التي تربط تلك المحطة بالعالم الخارجي، متأخرةً شهرين من موعدها المعتاد، وجدت أن كيرتس قد شنق نفسه للتو (صمت الحيوانات، ص 2).
واضح أن كونراد ضمَّن سخريته من الفكرة الاستعمارية في جعل عنوان تلك الأقصوصة "محطة للتقدم". ويبدو أن جون غراي وجد تلك القصة مناسبةً جدًا لاتخاذها نموذجًا لما يود طرحه في كتابه هذا، ليوضح من خلالها فكرته القائلة بأن فكرة "التقدم" فكرة مهلهلة، وليست بالتماسك الذي تبدو به. وإضافةً إلى استخدامه اقتباسات طويلة من النص الذي كتبه كونراد، يحكي جون غراي أيضًا عن التحول الذي طرأ على كونراد نفسه، نتيجة لرؤيته الممارسات الاستعمارية البلجيكية الفظيعة في الكونغو ومعايشته اليومية لها. يقول غراي، إن كونراد زار الكونغو، أول مرة، عام 1890، ليعمل قائداً لباخرة. وأنه؛ أي كونراد، استخدم بعبقريةٍ آسرةٍ التحول الذي جرى له أثناء تجربة عيشه هناك. فمجيئه ممتلئًا بالإحساس بأنه انسانٌ متفوق، جعله يكتشف خطأ ذلك الاحساس، حتى أنه قال: "قبل أن أجي إلى الكونغو كنت مجرد حيوان". ويعلق جون غراي على هذه الجملة بقوله: الحيوان الذي يقصده كونراد هو الإنسانية الأوروبية التي تسببت في موت الملايين من البشر عندما جاءت إلى الكونغو بدعوى نشر "التقدم". ويضيف غراي: إن التصور بأن الإمبريالية يمكن أن تكون قوة للتقدم الإنساني، سقط في دائرة سوء السمعة منذ تلك اللحظة. ويعلق غراي قائلاً، غير أن الإيمان الذي تم الصاقه في ذلك الزمان بالإمبراطورية لم يتم التراجع عنه. بل على العكس من ذلك، فقد انتشر في كل الأماكن؛ حتى وسط أولئك الذين يعتمدون شكليًا، عقائد أكثر تقليدية، تعتمد على الإيمان في المستقبل، ولكن، من أجل اراحة العقول من عناء التفكير المضني، لا أكثر (صمت الحيوانات، ص 4).
يقول غراي: "رغم أن التاريخ يبدو متسلسلاً متتابعًا من اللامنطق، والمآسي، والجرائم؛ إلا أن كل واحدٍ يصر، رغم كل ذلك، أن المستقبل سيكون، أفضل من أي شيءٍ جرى في الماضي. وما ذاك إلا لأن التخلي عن الأمل سوف يبعث حالة من اليأس كالتي علق بها كيرتس، بطل رواية كونراد. إذن، فالإيمان بتقدم النفس البشرية، وترقيها المستمر من الوحشية إلى الإنسية، لا يمثل لدى جون غراي سوى حيلةٍ عقلية ووجدانية لحفظ التوازن النفسي، ومحاولة لصناعة المعنى عن طريق التشبث بأهداب أملٍ كاذب. يقول غراي إن من الممكن القول، أن من أهم الفوائد العديدة للإيمان بحتمية التقدم، أن بإمكانه أن يَحُول بين الفرد وبين المعرفة العميقة للذات. ولذلك، عندما غامر كيرتس ورفيقه بالإيغال في مجاهيل الكونغو، فإن الأغراب الذين التقيا بهم لم يكونوا السكان الأصليين، وإنما ذاتيهما اللتين لم يكونا يعرفانها بالقدر الكافي (صمت الحيوانات، ص 4). ولقد استخدم غراي في كتبه "صمت الحيوانات" شواهد عديدة من شهادات وردت في مذكرات كُتَّاب سجلوا بدقة تراجع الأخلاق لدى الأفراد في أوقات الحروب والأزمات، وانفراط القانون في المجتمعات؛ أي أن الأزمات والحروب تعيد الكائن البشري إلى ما لا يختلف عما عليه بقية الحيوانات الأخرى. بل يرى غراي أن البشر في وقت الأزمات والحروب يرتدون إلى ما دون مستوى الحيوانات الأخرى.
استخدم غراي في كتابه هذا عددًا من النصوص المقتبسة من الأعمال الروائية الشهيرة ليدلل بها على خيبات الناس في ما يعتنقون من أفكار، وفي عدم قدرتهم أيضًا على العيش وفقًا للمبادئ التي اعتنقوها. من الروايات العديدة التي استخدمها غراي في كتابه هذا رواية آرثر كويستلر التي صدرت في عام 1940 بعنوان "ظلامٌ في الظهيرة" Darkness at Noon. يقول غراي إن الرواية تعكس تجربة كويستلر الحياتية الشخصية. في هذه الرواية يحكي كويستلر عن تقلب بطل روايته بين الشيوعية والتجارب الروحية. فكويستلر نشأ في عائلة يهودية منعمة ومثقفة، لكنه شاهد انهيار حضارة البرجوازية بسبب الحرب العالمية، وجعل من نفسه عدوًا للبرجوازية، ثم أصبح شيوعيًا. كما شاهد كويستلر انهيار قيم المجتمع الفرنسي وهي تتحلل في فترة الاحتلال النازي.
عبر تجربة حياة قلقة متقلبة خلص كويستلر إلى القول في إحدى مقالاته: "ربما أن عبقرية هتلر ليست في الديماجوجية، وليست في الكذب، وإنما في المقاربة اللاعقلانية الجذرية لكسب الجمهور، والقدرة على جذب الذهنية الطوطمية لمرحلة ما قبل المنطق" (صمت الحيوانات، ص 30-31). ويستند غراي على ما كتبه الصحفي الألماني الليبرالي سباستيان هافنر عن تجربة النازية في ألمانيا حيث قال، إن كثيرًا من الألمان كانوا سعداء تحت الحكم النازي. ورغم أنه قد قيل أن الألمان أُكرهوا على قبول النازية، إلا أن ذلك لا يمثل إلا نصف الحقيقة. فهم قد كانوا شيئًا آخر؛ شيئًا أسوأ من ذلك، لا توجد كلمات لوصفه، فهم في حقيقة الأمر جرى تحويلهم إلى رفاق comraded. فقد عاشوا مخدرين في عالم من الأحلام. كانوا يظنون أنهم يتسلقون قممًا شاهقة، في حين كانوا، في حقيقة الأمر، يزحفون على بطونهم في مستنقع (صمت الحيوانات، ص 55). وفي ذات السياق يعلق غراي على ما يصفه بأنه خطأ في رواية جورج أورويل المسماة "1984"، التي مكن تلخيصها في الصورة التي رسمها أورويل لـ "المحقق الشامل". يرى غراي، خلافًا لأورويل أن الروس الذين كانوا يقومون بالتعذيب في الحقبة الشيوعية، كانوا مجرد أدوات اجرائية، حيث كانوا يعرقون ويعيشون في حالة من مستدامة من الخوف. تحت سطح الشعارات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي كانت الأرض والبحيرات يتم تسميمها بحراك التصنيع السريع. فهناك مشاريع ضخمة لا قيمة لها تم انجازها بكلفةٍ بشرية باهظة. كما كانت الحياة صراعٌ وحشي من أجل مجرد البقاء. مات الملايين بلا سبب وعاني عشرات الملايين حيواتٍ محطمة، ومضوا دون أن يتركوا أثرًا يدل على أنهم كانوا موجودين أصلا (صمت الحيوانات، ص 53).
لإعطاء نموذج للتراجعات التي لا تلبث أن تحدث، اقتبس غراي نصوصًا من السيرة الذاتية التي كتبها ستيفان زويق، في عام 1942 تحت عنوان "عالم الأمس"The World of Yesterday ، التي صور فيها ما جرى لإمبراطورية هابسبيرغ النمسوية، التي استمرت لألف عام، ووصفها بأنها كأنها قد أُسست لتدوم إلى الأبد، إلى أن قوضتها الحرب العالمية الأولى. فنتيجةً لمقررات مؤتمر فارساي للسلام، ودعوة الرئيس ودرو ويلسون لتقرير المصير الوطني للشعوب، أصبحت أوروبا ساحة معركةٍ للجماعات الإثنية المتصارعة. تحطمت الطبقة الوسطة تمامًا وأصبح الاقتصاد يتأرج بين التضخم إلى اللاتضخم، ثم إلى التضخم الفظيع، مع حالة غير مسبوقة من العطالة. أما السياسة فأستحالت شظايا من مطرفين، مع بروز الفاشيين والشيوعيين الذي يرفضون الديمقراطية، مع حالة ضعفٍ شديدة وسط الأحزاب المعتدلة جعلتها عاجزة عن الإمساك بمنطقة الوسط (صمت الحيوانات، ص 35).
أيضًا أخذ غراي اقتباساتٍ من رواية جورج أورويل 1984. في تلك الرواية، يقول أوبراين موجهًا حديثه لوينستون: "أنت تعتقد أن الواقع شيء موضوعي، وأنه شيءٌ خارجي موجودٌ وجودًا مستقلاً بذاته .... عندما تخدع نفسك بالانجرار في التفكير بأنك عندما ترى شيئًا، تفترض أن الآخرين يرون نفس الشيء الذي تراه. ولكنني أخبرك يا وينستون الواقع ليس شيئًا خارجنا. الواقع موجود في العقل البشري، وليس في أي مكانٍ آخر. إنه ليس في عقل الفرد الذي يرتكب الأخطاء، والذي هو في كل الأحوال عقلٌ يفنى، وإنما في عقل الحزب، الذي هو عقلٌ جمعيٌّ وخالد. فكل ما يراه الحزب حقًا فهو حق .... نحن لسنا مهتمين بخير الآخرين؛ وإنما نحن مهتمون بالقوة بصورةٍ حصرية. اهتمامنا ليس منصبًا في جني الثروة، وليس في الحياة الباذخة، أو الحياة الطويلة. اهتمامنا فقط في القوة؛ القوة الصرفة .... عليك التخلص من تلك الأفكار عن قوانين الطبيعة التي تعود إلى القرن التاسع عشر..... إذا كنت تريد أن ترى صورة المستقبل، على حقيقتها، فتخيل حذاءً ضخمًا يطأ وجهًا بشريًا، ويظل ضاغطًا عليه، من الآن وإلى الأبد".
يقول غراي: في القصة التي يعيد العالم الحديث قصّها لنفسه، نجد أن الاعتقاد في التقدم يقف على طرفي نقيض مع الدين. ففي العصور المظلمة من تاريخ الإيمان الديني، لم يكن هناك أي أملٌ في تحقيق تغيير جوهري في حياة الناس. ولكن مع بروز العلوم الحديثة تفتح أفقٌ جديدٌ للتحسن. فالمعرفة المتنامية جعلت البشر يحسون أنهم يتحكمون في مصيرهم. فقد تحركوا من حالة الضياع في منطقة الظلال، وأمكنهم، من ثم، أن يخطوا إلى دائرة الضوء. لكن، في حقيقة الأمر فإن فكرة التقدم ليست على النقيض من الدين، كما تبدو في ما تقترحه هذه "الحدوتة" الحداثية 2. يرى جون غراي أن الإيمان بدوام التقدم لم يكن سوى محاولةٍ أخيرةٍ لإنقاذ المسيحية المتجذرة في رسالة يسوع المسيح؛ النبي اليهودي المتمرد الذي أعلن نهاية العالم. ويرى غراي أن الفكرة المسيحية مناقضة لما كان عليه الحال لدى المصريين القدماء، والإغريق القدماء، الذين لم يكونوا يرون أن هناك جديدًا تحت الشمس. فالتاريخ الإنساني بالنسبة لهم يتبع دورات العالم الطبيعي. ويقول غراي إن ما كان يراه قدماء المصريين، وقدماء الإغريق، ينطبق أيضًا على الهندوسية والبوذية والتاوية وديانة الشنتو، والأجزاء الأقدم من الديانة اليهودية.
عن طريق خلق التوقع بأن تحولاً جذريًا يمكن أن يحدث في الحالة الإنسانية، أصبحت المسيحية التي ابتكرها القديس بولس، من حياة عيسى وأقواله، هي الطاقة التي أوجدت العالم الحديث. ويضيف غراي أيضًا، إذا نظرنا إلى المسألة من الناحية العملية، فإننا نجد أن البشر قد استمروا يعيشون، إلى حدٍّ كبيرٍ، على نفس الصورة التي ظلوا يعيشون بها، عبر التاريخ. فالتبدل في الفكرة عن العالم لم يحدث إلا قبل وقتٍ قصيرٍ من التحول الذي أتى بالتوقع الحرفي للنهاية، "القيامة"، بحيث أصبح مجازًا metaphor يشير إلى الترقي الروحاني. وقد كان لا بد من أن تحدث مجموعةٌ من التحولات، ليصبح في وسع المسيحية أن تجدد نفسها في صيغة ما يمكن أن نسميه، "خرافة التقدم". هكذا تحول التاريخ من صيغته القديمة الشبيهة بتعاقب للفصول، ليصبح قصةً للخلاص. وفي الأزمنة الحديثة اختلطت هوية الخلاص بزيادة المعرفة والقوة، وهذه عينها هي الخرافة التي ساقت كلاًّ من كيرتس وكارلي إلى مجاهيل الكونغو، كما ورد في رواية جوزيف كونراد.
...................................................
1 John Gray, Straw Dogs, Farrar, Straus, and Geroux, New York, 2003, p. xi.
2 الكلمة التي عبر بها جون غراي عن التصور الحداثوي للتقدم هي modern fairytale (ص 8).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نقلا عن صفحة دكتور النور حمد على الفيس بوك
/////////////////////