"دولة الجلابة" والهوية كمرتكز للسيطرة:

يسمى عدد من الباحثين السودانيين الدولة السودانية التي تشكلت منذ سلطنة الفونج (1504 – 1821)، مرورا بالغزو الخديوي المصري التركي (1821 – 1885)، مرورا بالدولة المهدوية، (1885 – 1898)، ثم الحكم الإنجليزي المصري، (1889 – 1956)، ثم الحكم الوطني من 1956 وإلى اليوم، بـ "دولة الجلابة" 65. من بين هؤلاء محمد سليمان، وشريف حرير، وعطا البطحاني. تشكلت هذه القوى عبر تراكم تاريخي بين الفئات التي لها شبكات من المصالح الاقتصادية، تمثلها البيوتات التي انتفعت من السلطة المركزية وانتفعت منها السلطة المركزية في وسط وشمال السودان. هذه المجموعة مثلت حاضنةً لصيغة إيديولوجية أحادية للهوية، تطورت لتصبح أداةً للهيمنة. يقول صابر عابدين إن للإيديولوجيا دورًا واضحًا وضوح الشمس في تداول السلطة في السودان. فمن يملك الإيديولوجيا يتحكم في مقاليد الأمور وتصبح هويته هي هوية القطر برمته 66. بهذه الصيغة تشكلت مؤسسة الجلابة منذ سلطنة الفونج في أوضاع اقتصادية لعبت فيها العقيدة الدينية من جانب، والاستعلاء العرقي المرتبط بالدين وبالعنصر العربي من الجانب الآخر، إضافة إلى استرقاق المنتمين للعنصر الزنجي، بما ينطوي عليه من تراتبية عنصرية، دورًا محوريًا. ويرى البطحاني أن مؤسسة الجلابة هذه، التي أصبحت بحكم الواقع التاريخي ممسكةً بمفاصل الدولة الحديثة، قد امتنعت عن أن توفر أساساً مادياً اقتصاديًا لأرضيةً صالحةً تقوم عليها مؤسساتٌ سياسية/دستورية تكفل المشاركة لكل القوميات في نظام الحكم. ويرى أيضًا أن حصيلة تجربتها في بلورة ذاتية سودانية تقوم على تفاعل محسوس وحي بين شتى الثقافات والقيم، تجربةً غير إيجابية. فأداؤها، وفقًا لتقديره، في مجالات الاقتصاد والسياسة، والهوية، في كل الحقب الديمقراطية والديكتاتورية، كان أداءً متوسطاً. أما أداؤها في فترة حكم الجبهة الإسلامية، برئاسة المشير عمر البشير، في الفترة ما بين العام 1989، والعام 2005، فقد كان دون المتوسط 67. ويعود هذا التراجع، في تقديري، إلى الدفع بالخطاب الديني الاستعلائي إلى أقصى مدىً له، بواسطة الإسلاميين. ولقد نتج عن هذا الدفع بالخطاب الاستعلائي الاقصائي المصحوب بالآلة العسكرية أن اشتعل الهامش السوداني بالحروب، ما أدخل مؤسسة الجلابة في وضع حرج أصبح يهدد وجود الدولة السودانية نفسها. ومن الملاحظات المهمة التي لاحظها البطحاني أنه:
كلما تعمقت وتوطدت عملية "تغلغل" الرأسمالي في ما قبل الرأسمالي، دون توفير شروط إعادة إنتاجها في المنظومة ككل، كلما بدا عجز الرأسمالية العربية/الإسلامية، وكلما ضعفت هيمنتها على المنظومة الاجتماعية ككل 68.
ويقول البطحاني أيضًا، إن مسار الأحداث في السودان ظل يشير، بصورةٍ مطردة، لا إلى عجز الرأسمالية العربية/الإسلامية في السودان في إنجاز مهام البناء الوطني، وحسب، وإنما أيضا: "إلى عجزها في إعادة إنتاج شروط هيمنتها على المنظومة الاجتماعية – العرقية في السودان" 69. فالهيمنة الاقتصادية والثقافية للنخبة النيلية العربية/الإسلامية كانت عاملاً معوقًا في مسيرة بناء الدولة. إذ نتج عن نزعة السيطرة تعويق للتنمية ولفرص توزيع الثروة. كما نتج عنها اضمحلالٌ متنامٍ في الوحدة الوطنية، بسبب الغبن الاجتماعي والإحساس بالظلم. ظلت كل أنظمة الحكم السودانية في حقبة ما بعد الاستقلال، بلا استثناء، تنتهج أسلوب الهيمنة الاقتصادية والثقافية على بقية الأقاليم التي لا تدعي لنفسها انسجامًا كليًا في الثقافة العربية الإسلامية. ولذلك، كلما أوغل النظام المركزي الحاكم في الخرطوم، في الهيمنة "عربياً" و"إسلاميًا"، كلما فقد ثقة أهل الثقافات الأخرى، وفقد ثقة المستنيرين، وأضطر لمزيد من الارهاب والكبت، ومن ثم، كانت النتائج في محصلة البناء الوطني، والسلم الوطني، والوحدة الوطنية، أكثر كارثيةً 70. وبناء على التلخيص الذي تفضل به البطحاني، لارتباط الإيغال في "العربنة" و"الأسلمة" بتفكك الدولة وتراجعها، يمكن القول إن سؤال الهوية الذي ظل يظفر بإجابةٍ واحدة فقط من القوى التقليدية، ومن الإسلاميين، عبر فترة ما بعد الاستقلال، بحصرهم للهوية في البوتقة "العربية الإسلامية"، قد مثّل عاملاً مركزيًا في تعثر بناء الدولة السودانية، ومن ثم في الاخفاق في تحقيق الوحدة الوطنية، بسبب تفشي النزاعات الجهوية المسلحة، التي بدأت في الجنوب وانتشرت إلى سائر أطراف القطر بعد أن انفصل الجنوب.
ظلت "مؤسسة الجلابة" تمثل قوة اقتصادية وسياسية مهيمنة في السودان الحديث، وهي كما يحكيه عنها مسلكها وتحالفاتها، ظلت قوةً عابرة للتنظيمات السياسية؛ أي أن القوى المختلفة المشكلة لها، لا تنتمي الواحدة منها، بشكل حصري، إلى تنظيم سياسيٍّ بعينه. لاحظ حيدر إبراهيم أن النواب الذين كانوا في برلمانات الحكم الديمقراطي في فتراته (1956-1958) و(1965-1969)، و(1986-1989) أنهم إلى حد كبير نفس النواب الذين شاركوا في المجلس العسكري لنظام الفريق عبود (1958-1964). وهم أنفسهم تقريبا الذين شاركوا في المجلس الوطني الذي أقامه نميري، (1969-1985). وحتى في نظام الإسلاميين الراهن (1989 – 0000). فكثير منهم ينتمي إلى ذات البيوتات التي ظلت تغذي كل تلك البرلمانات بالنواب، المنتخبين، والذين يتم تعيينهم، في كلٍّ من العهود الديمقراطية والديكتاتورية، سواءً بسواء 71. وتدعم هذه الملاحظة الهامة أن هناك مؤسسة متماسكة بغير شكل تنظيمي معروف، وقد ظلت مهيمنة على الدوام. وأميز ما يميز مسلكها أنها لا تحتمل البقاء بعيدًا عن السلطة، ولا يهمها من هو الذي في السلطة، ولا أي الشعارات يرفع. ما يهمها هو أن تجد لها موضع قدمٍ داخل أي نظام، مهما كانت طبيعته، لتحرس مصالحها. ما يجمع هذه الطبقة هو استخدام مورد الهوية العربية الإسلامية للامساك بمفاصل السلطة والثروة والابقاء على الامتيازات المتوارثة. وتلف حول كوكب هذه الفئة العريضة متعددة الواجهات أقمارٌ مبثوثةٌ في المجال الأكاديمي، وفي الإعلام، وفي الرياضة، وفي الفن. وتعمل كل هذه الأقمار في تناغم أوركسترالي مع تلك الفئة للإبقاء المستمر على الحالة القائمة 72. فنوعية نظام الحكم لا تعني بالنسبة لهم شيئًا، فالمهم هو أن يكونوا هم جزءًا من السلطة، أو قريبين منها. ولأن السلطة والثروة أصبحت بيد هذه المجموعة النيلية المنتسبة إلى العروبة وإلى الإسلام، فقد نمى بين المنتمين إليها سواء كانوا أغنياء أو فقراء، وجهاء أو غير وجهاء، شعورٌ بالاستحقاق لكرسي الحكم، والاستحواذ على الموارد وعلى الفرص. وبناءً على ذلك، نشأت في داخلها، على الرغم من تقسمها بين تنظيمات سياسية مختلفة، ثقافة المحاباة والمحسوبية والواسطة. هذه الثقافة هي التي ظلت تنهش جسد الدولة الحديثة في السودان منذ أن تحول الحكم من السلطات البريطانية إلى الوطنيين السودانيين.
يمكن القول، بصورةٍ مجملةٍ إن النخب النيلية التي سودنت وظائف البريطانيين عند الاستقلال، أخذت تدير دولة حديثة بعقليةٍ قبليةٍ عشائرية. لم تستطع تلك النخب أن تلعب دور القادة الذين يضربون القدوة في التقيد بحكم القانون، وفي الابتعاد عن المحاباة والمحسوبية. بل على العكس من ذلك، استخدمت تلك النخب العقلية العشائرية متغاضيةٍ عن ضرورة النزاهة والمهنية والشفافية، واستخدمت موارد الدولة، وقدرتها على الوصول إلى مواقع المسؤولية التشريعية والتنفيذية، لتحقيق أغراض نقيضة تمامًا لمشروع بناء دولة حديثة. فاستنادًا على امساكها بالمواقع المؤثرة في جهاز الدولة ظلت تمارس مسلكها الذي سلكته منذ البداية، وهو دعم تنظيماتها الحزبية، وشراء الجمهور عن طريق منح موارد الدولة بلا استحقاق، وبغير أسس للمحاسيب وللانتهازيين، بغرض شراء الولاء للحزب، واستدامة المقاعد الشخصية في أجهزة السلطة، كالبرلمان ومجلس الوزراء وغيرها. ولقد كان التعامل مع الإقليم الجنوبي، عقب الاستقلال الامتحان الأول للأحزاب التقليدية الشمالية الذي رسبت فيه، حين رفضت دعوة قادة الجنوب للنظام الفيدرالي، وحين استحوذت للشماليين، بنصيب الأسد عند "سودنة" الوظائف البريطانية، وحين فرضت التعريب القسري على الجنوبيين، وحين فضلت أن تختار قوة السلاح في التصدي لمطالب الجنوبيين المشروعة 73.
لم تعترف النخب السودانية الشمالية المرتبطة بالعروبة والإسلام، بالطبيعة المركبة للمجتمعات السودانية، وضرورة استصحاب تلك التعددية الثقافية في إدارة قطرٍ متسمٍ بتنوعٍ، ذي طيفٍ بالغ السعة. فالسودان قطر متعدد الأجناس، متعدد اللغات، متعدد الأديان. ولقد اتفق في نكران التعددية، وفي فرض سياسات "العربنة" و"الأسلمة" القسرية، الحزبان الطائفيان الكبيران، وكذلك الإسلاميون 74. كذلك سار النظام العسكري للفريق عبود، (1985-1964)، في نفس الوجهة، بل ووصل فيها درجة الإسراف، إذ حاول حمل الجنوبيين على ارتداء زي أهل الشمال، وعلى تبديل أسمائهم بأسماء عربية، وإلغاء عطلة يوم الأحد بالنسبة للمسيحيين منهم 75. وقد شهدت سنوات حكم الفريق عبود أيضًا أشرس الحملات العسكرية ضد التمرد في الولايات الجنوبية، ما عمق من غبن الجنوبيين 76. كما أن شعار الدستور الإسلامي ظل مرفوعًا، عبر مرحلة ما بعد الاستقلال، ولم يقف ضده سوى اليساريون وتيار الجمهوريين الإسلامي الإصلاحي الذي قاده الأستاذ محمود محمد طه، وحوكم بالردة عام 1968، في ظل النظام الديمقراطي، وأعدم بنفس التهمة لاحقاً في عام 1985، كما سلفت الإشارة. وقد حدث ذلك، في فترة حكم جعفر نميري، أثناء ما سمي "تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية". وقدم ذلك أسطع دليلٍ لما يمكن أن يعينه "تطبيق قوانين إسلامية" في دولة حديثة.
مثلت فترة الحكم البريطاني (1898-1956) فاصلاً اضمحلت فيه ثقافة المحسوبية والواسطة والرشوة، التي ترعرعت أصلاً في حضن الحكم الخديوي التركي المصري (1821-1985)، الذي اتسم حكامه بالفساد الشديد. ولكن، عادت هذه الثقافة لتنشط مع بداية الاستقلال، وأخذت تقضي رويدًا، رويدًا، على الميراث البريطاني المتمثل في الالتزام بالقوانين واللوائح الإدارية ورعاية قواعد الشفافية في الإدارة والأداء الحكومي بصورة عامة. فالوظائف العامة أصبحت تمنح للمحاسيب من العشيرة والأقارب. انتشرت هذه الظواهر، حتى أصبح البحث عن هذه "الواسطة" لإنجاز أي عملٍ مكتبي شيئًا طبيعيًا لا يستغربه أحد. فالدخول إلى الكلية الحربية ولكلية الشرطة، مثلا، وهما كليتان ظلتا مرغوبتين لدي الأسر لما تتيحانه للأبناء من فرص أفضل في التوظيف، وفي الرواتب، وفي الوجاهة الاجتماعية، ظل يعتمد، إلى حدٍ كبير، على "الواسطة". وينطبق ذلك على أنواع مختلفة من المهن المغرية التي أصبحت لا تُوصل إليها المؤهلات التعليمية أو المهنية، بقدر ما توصل إليها المحسوبية، و"الواسطة". كما انتشر العبث بقواعد الخدمة المدنية وقوانينها لمنح الأراضي الزراعية، والسكنية، والصناعية، وكذلك الحصول على التراخيص التجارية 77.
ترك البريطانيون للسودانيين دولةً متماسكةً ومستقرة. فالمشاريع التي كانت تديرها الدولة كانت توفر 40% من الدخل العام، في حين كانت الضرائب توفر الـ 60% المتبقية. وكان السودان هو الأفضل في هذه الناحية، مقارنة بغيره، فبقية الدول الإفريقية كانت تعتمد على ما نسبته 90% من دخلها العام، على الضرائب 78. يضاف إلى ذلك، أن البريطانيين كانوا حريصين ألا يأخذ التغيير في البنية الاقتصادية منحى راديكاليًا، يؤثر سلبًا على توازن البنى الاجتماعية، وعلى الاستقرار السياسي. ولذلك فقد حرصوا على ألا تقوم طبقة رأسمالية تمتلك الأراضي وتجرد منها الرعاة والزراع 79. فغالبية سكان الريف السوداني يمارسون اقتصادًا تقليديًا يقع في دائرة اقتصاد الكفاف، ويعتمدون على الأراضي في الزراعة وفي الرعي. ولذلك، ظل أهل الريف ملازمين لأريافهم حتى جرى الإخلال بهذه المعادلة في عهود الحكم الوطني وبدأت المجاعات، وتبعتها، من ثم، هجرة المواطنين من الريف إلى المدينة ونشأت أحزمة الفقر حول المدن. ونتج عن الإخلال بتلك المعادلة في فترة الحكم الوطني، نتيجة للسياسات التنموية الخاطئة وأوليات التنمية الخاطئة، وللحروب والاضطرابات الداخلية، إضافةً إلى موجات الجفاف وفشل المواسم الزراعية، أن تدهورت الحياة الريفية وتدهور البيئة بفعل الرعي الجائر والاحتطاب الجائر، ما أدى إلى تدهور معدلات هطول الأمطار وزيادة التصحر، ما دفع بسكان الريف للهجرة إلى أطراف المدن. ولقد أدت هجرة الريفيين بكثافة شديدة إلى اضعاف درجة التمدن التي حققتها المدن. فقد اضحت متكدسةً بالنازحين، ما جعل إدارتها بكفاءة مسألة بالغة الصعوبة. ففي عام 2009 بلغت نسبة سكان المدن بالنسبة لسكان الريف في السودان 40% 80، مع ملاحظة أن السودان قطر زراعي ويملك أفضل وأوسع الأراضي ما يقتضي، إن كانت الأمور تدار بصورة صحيحة، أن يكون 80%، على الأقل، من سكانه يعيشون في الريف، وليس 60%. أيضًا وصول نسبة سكان المدن بالمقارنة مع سكان الريف إلى 40% من الحجم الكلي للسكان، في مدن ليس بها صناعات تذكر، يدل على أن طاقة الأيدي العاملة التي هجرت الريف إلى المدينة تذهب في الأعمال الهامشية، وليس في أعمال ذات طبيعة انتاجية. أيضًا، خلق النزوح الكثيف من الريف إلى المدن آثارًا ضارة كثيرة أخرى. فقد ازدادت معدلات الجريمة في المدن، وانتشرت صناعة الخمور البلدية، والمخدرات، وانتشر البغاء، ومن ثم الأمراض الجنسية، وتفاقم التفكك الأسري. وبصورةٍ مجملة ازداد اهتزاز منظومة القيم المرعية في المجتمع وتخلقت ديناميات اجتماعية جديدة ذات انعكاساتٍ سالبة.
يدل مجمل التاريخ السياسي لفترة ما بعد الاستقلال في السودان، متمثلا في الخلاصات العملية للفشل التي تمخض عنها، أن الشعار الإسلامي لم يكن، عبر مراحله المختلفة، سوى قوة لمنح السلطة والثروة للقلة، وحجبها عن الكثرة. تجسدت الهوية في إيديولوجيا ذات خطابٍ مربكٍ قاهر، استند على أرضية يمثل فيها الدين عنصرًا مؤثرًا. حرست الطبقة النيلية الشمالية الممسكة بمفاصل الثروة والسلطة، مصالحها بذلك الخطاب الآسر القاهر، محوِّلةً الدولة إلى ضيعة لفئاتٍ بعينها. وحين وصل الإسلاميون أصحاب الصوت الأجهر في رفع الشعار الديني والهوية الإسلامية للجميع، ومارسوا السلطة لمدة وصلت إلى ربع قرن، اتضح من المحصلة العملية لتجربتهم التي تجسدت على أرض الواقع، أن الذي تحقق لم يتعد الثراءٍ الفاحش للقلة القليلة جدًا، نظير افقارٍ فظيعٍ للكثرة. انتفعت بالغنى الفاحش بيوتات وأفراد، بعضهم من القدامي، وأكثريتهم من الإسلاميين الذين تكونت ثرواتهم في ربع القرن الأخير نتيجة لسياسات "التمكين" التي سلفت الإشارة إليها. هذا، في حين تشير التقديرات التي قام بها مركز الدارسات الاستراتيجية الممول من الحكومة، أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر قد بلغت في عام 1998، 94%، وتضاعفت تكلفة بند الطعام وحده، للفرد الواحد، 350 مرة 81.
لابد من الاستدراك، أن عام 1999 شهد استخراج البترول وتصديره، وقد انعكس ذلك في تحسن معيشة بعض الشرائح المجتمعية المحدودة في فترة السنوات العشر التي تلت. أما الآن، فبعد انفصال الجنوب، وفقدان ثلثي ريع النفط، وتعمق الدين العام، وتدني سعر العملة بصورة غير مسبوقة، ورفع الحكومة الدعم عن السلع، ما أدى إلى انتفاضة سبتمبر 2013 التي قُمعت بعنفٍ شديد، فإن مستوى الفقر قد عاد إلى مستواه في عام 1998، وربما أكثر. وفي الوقت الذي أثرت فيه القلة وتعمق فقر الأكثرية كانت حروب الهامش تتسع، وكان الصرف على الحرب والأمن يزداد، وكانت سلطة الدولة تنكمش، وتزداد التدخلات الإقليمية والدولية، ما جعل السودان أشبه ما يكون بقطر واقعٍ تحت الوصاية الدولية.
..يتواصل..
.....................................................
65 "الجلابة" عبارة أطلقها أهل غرب السودان، منذ ما يقارب القرنين، على التجار الوافدين من منطقة الوسط والشمال النيلي في السودان، للعمل بالتجارة في أقاليم غرب السودان. وقد كانت طبقة التجار في مدن أقاليم غرب السودان تتكون في معظمها من هؤلاء. وتنتمي أغلبية هؤلاء التجار الوافدين، إلى قبائل الجعليين، والشايقية، والدناقلة، والمحس، والمسلمية الذين هاجروا من منطقة سكناهم الأصلية على ضفاف النيل في وسط وشمال السودان، إلى أقاليم غرب السودان، للعمل بالتجارة والزراعة وإنشاء الصناعات التحويلية البسيطة. وسبب تسميتهم بـ "الجلابة" إنما تعود أساسا إلى مبتدأ عملهم في أقاليم الغرب بجلب البضائع من "دار صباح"، وهو تعبير يشير به أهل غرب السودان إلى منطقة الوسط والشمال النيلي. ويقول شريف حرير أن هذا اللقب أصبح يُطلق على الشخص المنتمي إلى منطقة السودان النهري الأوسط والشمالي، حتى وإن لم يمارس التجارة بين الغرب ومنطقة الوسط والشمال النيلية. راجع: شريف حرير وتيرجي تفيدت، مصدر سابق ص 76. ويقول محمد سليمان في كتابه "السودان: حروب الموارد والهوية" إن فئة الجلابة تمثل أكثر المجموعات الشمالية ثراء إذ تمتع أفرادها بتأثير اقتصادي وسياسي كبير خلال تاريخ السودان الحديث. وقد نشأت هذه الفئة من خلال عمليات التحول التاريخية والاجتماعية بالسودان منذ القرن الرابع عشر. (محمد سليمان، السودان: حروب الموارد والهوية، ط3، دار عزة للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2010.
66 صابر عابدين أحمد، السودان: جدلية التكوين الحضاري والتركيب الإثني وصراع الإيديولوجيا، في: نسبنا الحضاري، المؤتمر العام السادس لاتحاد الكتاب السودانيين، الخرطوم، 2013، ص 158.
67 عطا البطحاني، مصدر سابق، ص 74.
68 المصدر السابق، ص 77.
69 المصدر السابق، ص 78.
70 المصدر السابق، نفسه.
71 حيدر إبراهيم، مصدر سابق، ص 52-53 .
72 حيدر ابراهيم علي، مصدر سابق، ص 52-53.
73 أحمد إبراهيم أبوشوك، السودان: السلطة والتراث، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2012، ص 66-79.
74 لم يصل الإسلاميون إلى السلطة إلا في عام 1989، وحين استلموا السلطة أوصلوا سياسة انكار التنوع إلى مداها الأقصى حين حولوا الحرب بين الجنوب والشمال من حرب جهوية مطلبية إلى حرب دينية جهادية، ما أدى إلى تدخل القوى الدولية وبدء محادثات السلام التي قادت في نهاية تداعياتها إلى انفصال الجنوب عن الشمال في يوليو 2011 عقب استفتاء صوت فيه الجنوبيون لصالح الانفصال بنسبة جاوزت 90%.
75 منصور خالد، مصدر سابق، ص 246.
76 المصدر السابق، ص 72.
77 راجع: شريف حرير وتيرجي تفيدت، مصدر سابق، ص 55 - 58
78 البطحاني، مصدر سابق، ص 120.
79 المصدر السابق، نفسه.
80 محمد سليمان، مصدر سابق.
81 عطا البطحاني، مصدر سابق، ص 223.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نقلا عن صفحة دكتور النور حمد على الفيس بوك