الحراك المطلبي السوداني: 

بدأ النشاط الأهلي في السودان في عشرينات القرن الماضي، حين أحس طلائع المتعلمين تلكؤ الإدارة البريطانية في انشاء المدارس وفي توسيع قاعدة التعليم. بدأ وجهاء السودانيين في تكوين لجانٍ شعبية لإنشاء ما سميت حينها بـ "المدارس الأهلية"، مقابل "المدارس الحكومية". وجد ذلك النداء الأهلي تجاوبًا شعبيًا واسعًا فتبرع المواطنون والمواطنات بمختلف طبقاتهم بالمال، وأقاموا ما سميت بالمدارس الأهلية، على امتداد القطر. أما العمل النقابي فبدأ مبكرًا هو الآخر. فقد شهد السودان أنشطةً عماليةً متفرقةً، تمثلت في اضرابات واحتجاجات ضد الإدارة البريطانية، استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ولقد صدر أول قانون للنقابات في السودان في عام 1948 43. وكان الشيوعيون السودانيون أول من تغلغل في الأنشطة النقابية.
تذكر ديدار روسانو أن الحركة الشيوعية السودانية ولدت في بداية أمرها في مصر، داخل رحم الحركة الشيوعية المصرية المسماة "الحركة المصرية للتحرر الوطني (حدتو)، التي أنشأها هنري كورييل، وتسرب النشاط الشيوعي إلى داخل السودان في وقتٍ لاحق. وتضيف روسانو أيضًا، أن بعض الشيوعيين من البريطانيين العاملين ضمن الإدارة البريطانية في السودان، كانوا يناقشون مع بعض السودانيين المبادئ الماركسية ويوزعون مطبوعاتها 44. ويذكر بهاء الدين مكاوي، أن أول خلية شيوعية بالسودان تأسست في عام 1945، وقد أُطلق عليها اسم "الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو). أما أول خلية شيوعية وسط عمال السكة حديد بمدينة عطبرة، حيث رئاسة سكك حديد السودان، فقد تأسست عام 1946. أسهمت هذه العناصر من الشيوعيين مع حزب الاتحاديين وحزب الأمة في تأسيس "هيئة شؤون العمال" في عام 1947. لاحقًا، تحولت "هيئة شؤون العمال" لتصبح "نقابة عمال السكة الحديد". ونتيجة لعملها الدؤوب وسط النقابات، استطاعت العناصر الشيوعية السيطرة على الاتحاد العام لنقابات عمال السودان الذي تأسس عام 1949 45.
أدت غلبة التيار الشيوعي وسط طلاب كلية غردون بالخرطوم في أواخر الأربعينات من القرن العشرين إلى قيام تيار مناهض تمثل في "حركة التحرر الإسلامي". وقد جاء نشاط الإسلاميين كرد فعل لذلك الحضور البارز للشيوعيين وسط طلاب الكلية. وتعد "حركة التحرر الإسلامي"، التي نشأت في كلية غردون هي النواة للحركة الإسلامية السودانية الحديثة 46. ويتفق كل من روسانو ومكاوي، أن كلا الحزبين الراديكاليين السودانيين الممثلين في الشيوعيين والإسلاميين، تكونا في مصر أولاً، ثم انتقلا إلى داخل السودان. فوجود الطلاب السودانيين في مصر طلبًا للعلم، جعلهم يحتكون بالتنظيمات الراديكالية الناشطة في مصر في ذلك الحين. فحركة (حدتو) الشيوعية المصرية، وحركة حسن البنا كانتا في أوج نشاطهما في مصر، آنذاك.
يمكن القول، إن الحزب الشيوعي السوداني كان صاحب التأثير الأكبر على العمل النقابي في السودان، منذ منتصف الأربعينات وحتى قيام ثورة أكتوبر 1964، التي كان للاتحادات المهنية القدح المعلى في اشعالها وفي انتصارها. ولقد استمر حضور الشيوعيين وسط النقابات والاتحادات العمالية قويًا حتى 1971، العام الذي قاموا فيه بانقلابهم، الذي تسبب في القضاء على القيادات التاريخية للحزب الشيوعي السوداني وأضعف نشاط الحزب وتأثيره بصورة حاسمة. أما الإسلاميون، فلم يكن لهم صوتٌ مسموعٌ في الحركة الوطنية السودانية التي عملت منذ مؤتمر الخريجين في عام 1938 في مناهضة الحكم الأجنبي، الإنجليزي المصري. فقد بقي نشاط الإسلاميين بعيدًا عن المعترك النضالي ضد المستعمر وانحصر داخل الجامعات والمدارس الثانوية، مركزًا بصورةٍ رئيسة على مواجهة المد الشيوعي في هذه المؤسسات. ولم يصبح للإسلاميين حضورٌ بارزٌ في الساحة السياسية إلا بعد ثورة أكتوبر 1964.
يمكن القول، بصورة عامة، إن نشاط الإسلاميين ظل لفترةٍ طويلةٍ، خاصةً في العقدين والنصف التي أعقبت ظهوره في السودان، مجرد رد فعلٍ لنشاط الشيوعيين. وفي ذلك يقول حسن الترابي، الزعيم التاريخي لهذه الجماعة، إن الشطر الأول من عمر الحركة الإسلامية السودانية يكاد ينحصر في الانشغال بالمنافسة مع الشيوعيين. فحركة الإسلاميين، وفق عبارات الترابي نفسه: "... لا تعرف البغض في الله ولا المجاهدة إلا ضدهم، ولا تتحرك بدعوتها إلى قضيةٍ عامة أو قطاعٍ اجتماعي إلا استجابة لهم، ولا تكاد تعِّرف نفسها للرأي العام إلا مقابلةً لهم" 47. وبالفعل، ظل نشاط الإسلاميين في السودان بصورةٍ عامة، مجرد صدى لنشاط الشيوعيين. فالشيوعيون كانوا حتى عام 1971 يمثلون وحدهم المعارضة الحديثة الأكثر تنظيمًا، التي تصدت للطبقة المسيطرة وللأجهزة القمعية واطلعت بدور الانفتاح الثقافي على العالم، ومنحت الأولوية للنضال الاجتماعي 48. وفي المقابل كان دور الإسلاميين سلبيًا، بمعنى انحصاره في اضعاف المد الشيوعي وتعطيله، فلم تكن خدمة القوى العاملة وتحسين أحوالها جزءًا من هموم الإسلاميين. ومن أجل منافسة الشيوعيين واضعاف تأثيرهم أخذ الإسلاميون يتغلغلون وسط القوى الحديثة كالعمال والطلاب وتنظيمات الشباب والنساء لخلق تنظيمات شبيهة بالتي خلقها الشيوعيون، حتى في المسميات. أقام الإسلاميون "اتحاد العمال الوطني" في مواجهة "الاتحاد العام لنقابات عمال السودان". كما أقاموا "اتحاد الشباب الوطني" في مقابلة "اتحاد شباب السودان"، و"الجبهة النسائية الوطنية" في مقابلة "اتحاد نساء السودان" 49. وأقاموا، أو ساندوا "اتحاد الأدباء السودانيين"، في مواجهة "اتحاد الكتاب السودانيين" الذي يعد الواجهة الثقافية لقوى اليسار. قاد ذلك بمرور الزمن إلى احداث شرخٍ كبيرٍ داخل الحركة المطلبية، وداخل منظمات المجتمع المدني، فقد انقسم كل جسمٍ نقابيٍّ أو فئويٍّ إلى جسمين، وقلت من ثم قوته وفاعليته. أو على أقل تقدير اصبح مشوشًا عليه أمام الرأي العام بقدر من المقادير. فتلك التنظيمات لم تكن تضم الأعضاء الملتزمين بعضوية هذين التنظيمين المتنافسين وحدهما، وإنما تضم أيضًا المتعاطفين مع كل واحدٍ منهما من عامة الجمهور السوداني.
يمكن أن نخلص، مما تقدم، إلى أن الإسلاميين، رغم وقوفهم المبدئي ضد الأحزاب الطائفية وضد سيطرتها على مفاصل السلطة والثروة، وعملهم الدؤوب لوراثة جماهيرها المتدينة، كانوا من حيث المردود الذي نجم عن تكتيكاتهم، عونًا لتلك القوى التقليدية ضد الحراك الشعبي المطلبي، وغير المطلبي الذي كان يهدد السيطرة التاريخية لتلك القوى. فالإسلامين قاموا، بسبب عدائهم الشديد للشيوعيين، والرغبة العارمة في القضاء عليهم، بشق صفوف كل المنظمات التي كانت حتى ثورة أكتوبر، قوى داعمةً للخط السياسي العام الذي كان يتبناه الشيوعيون، ومن ورائهم طيف اليسار الواسع ومجاميع المهنيين والعمال. وقد كانت هذه القوى الحديثة الملتفة حول شعرات اليسار تحلم بديمقراطية اجتماعية، ظلت القوى التقليدية تعمل بقوة على منعها من الوصول إليها. وقد تجسد التحالف التكتيكي بين الإسلاميين والقوى التقليدية ضد قوى اليسار النامية في حادثة تعديل الدستور لحل الحزب الشيوعي عام 1965 وطرد نوابه من البرلمان، كما سلفت الإشارة. في تلك الحادثة حرص الحزبان الطائفيان الكبيران على الإلقاء بثقلهما وراء الإسلاميين في استغلالهم تلك الحادثة المعزولة كما ورد سابقًا. ويمكن القول أنه لا خلاف يذكر في التوجه العام بين الأحزاب التقليدية وبين الإسلاميين إلا في أن برنامج الإسلاميين يرتكز على منظومة عابرة للأقطار يعكسها الارتباط بحراك التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأن سعيهم لإحراز السلطة في السودان لا ينفصل، بصورةٍ أو بأخرى، عن تلك الارتباطات العابرة للأقطار. أما الأحزاب التقليدية فقد كان توجهها الإسلامي توجهًا محليًا يستثمر الطبيعية الصوفية للمجتمع وولاءاته المذهبية التاريخية لتثبيت وإطالة قدرتها على الوصول إلى كرسي الحكم. غير أن خوفها من أن يستولي الإسلاميون على جمهورها جعلهما ترفع، هي الأخرى، شعار الدستور الإسلامي والحكومة الإسلامية، رغم الوسطية والطبيعة المعتدلة في التدين لدى جمهورها. ويرى عطا البطحاني أن الأحزاب التقليدية الطائفية والإسلاميين ينتمون جميعهم إلى فصيل واحد، يطلق عليه هو اسم "البرجوازية الشمالية العربية المسلمة". ويرى أن انقلاب الإسلاميين على الديمقراطية في عام 1989، واقصاءها الحزبين الكبيرين عن السلطة لم يكن "انقاذًا" للبلاد من الفساد وحالة الجمود الاقتصادي، وحفظ وحدتها، بقدر ما كان "انقاذًا" لوضع هذه البرجوازية مجتمعة 50.
..يتواصل..
............................................
43 الطيب زين العابدين، دور منظمات المجتمع المدني في دفع الخطة الخمسية الأولى (2007 – 2011) من الاستراتيجية القومية ربع القرنية. في: بهاء مكاوي ومنتصر أحمد النور (محررون) مؤسسات المجتمع المدني الأدوار والتحديات، مركز التنوير المعرفي الخرطوم، 2009، ص 91.
44 ديدار فوزي روسانو، مصدر سابق، ص 127.
45 بهاء الدين مكاوي، المجتمع المدني السوداني: بعض الإشكالات التأسيسية والبنيوية، . في: بهاء الدين مكاوي ومنتصر أحمد النور (محررون) مؤسسات المجتمع المدني الأدوار والتحديات، مركز التنوير المعرفي الخرطوم، 2009، ص 134 – 135.
46 المصدر السابق، ص 135.
47 حسن الترابي، الحركة الإسلامية في السودان: التطور، الكسب، المنهج، الخرطوم، 1989، ص 160.
48 ديدار روسانو فوزي، مصدر سابق، ص 127.
49 بهاء الدين مكاوي ومنتصر أحمد النور (محررون)، مصدر سابق، ص 135.
50 عطا البطحاني، مصدر سابق، ص 142.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.