صراع "التقليديين" و"الحداثيين" والعسكريين :

القوى الحزبية السودانية، كما سلفت الإشارة، منقسمة، في جملة الأمر، بين القوى الطائفية التي أنشأت الحزبين الأكبرين المستقطِبَيْن لتأييد القطاع الأعرض من الجماهير السودانية، وبين قوى الحداثة التي تنقسم بين العلمانيين وبين أصحاب التوجه الإسلامي. فالمثقفون الحداثيون بعضهم علماني، وبعضهم الآخر ذو توجه ديني. ويرتبط العلمانيون منهم، بصورةٍ عامة، بالتيار السياسي للحزب الشيوعي السوداني وبعض الأحزاب الأصغر، قليلة العضوية، كالبعثيين والناصريين، إضافة إلى أحزاب جهوية كجبهة جبال النوبة، ومؤتمر البجا بشرق السودان، وجبهة نهضة دارفور، والأحزاب الجنوبية. أما الشق الثاني المرتكز على الفكر الإسلامي فخليطٌ متنوع، ولكن أبرز واجهاته تنقسم بين الإسلاميين ذوي التوجه الأصولي، الذي يمثل حسن الترابي قيادتهم التاريخية منذ بداية الستينات، وبين تنظيم آخرٍ مضاد لهم، أصغر حجمًا، يمثله "الإخوان الجمهوريون"، المعارضون للأصولية، وكان يقوده الأستاذ محمود محمد طه 29.
تستند القوى المدافعة عن الحداثة في السودان بشقيها "العلماني" و"الإسلامي" على طبقات وتكوينات اجتماعية حضرية، وبالأخص المنتمين إلى الانتليجنسيا من المهنيين، وضباط الجيش وطبقة التجار، مضافًا إليهم قطاع الطلاب. وقد وجد أفراد الانتليجنسيا الطموحون، منذ بداية الاستقلال، أنهم لا يمثلون سوى جزيرةٍ "حداثية" صغيرةٍ جدًا في خضمٍّ كبير جدًا من القوى "التقليدية". ولم يكن في وسعهم، من ثم، أن يحصلوا على أغلبيةٍ من الناخبين تأتي بهم إلى الحكم. ولذلك فقد عنت "الديمقراطية" بالنسبة لهم حركةً حداثيةً أو ثورية، تختصر الطريق إلى الحكم، بأكثر من كونها وسيلةً يتم تفريغها من دورها الإنمائي النهضوي، ليستعين بها "التقليديون" للجلوس المستمر على كراسي الحكم 30. ولذلك، فإن الحداثيين، حين فكروا في فك الحراك الحداثي وتطلعاته من حالة الخنق التي تمارسها ضده القوى "التقليدية"، لم يجدوا سبيلاً سوى الاطاحة بتلك القوى عن طريق القوة. ولقد قادهم ذلك التفكير، بالضرورة، إلى إيجاد حلفاءٍ لهم من داخل القوات المسلحة؛ ينطبق هذا على العلمانيين المرتبطين بالحزب الشيوعي، كما ينطبق على الجبهة القومية الإسلامية التي قادها حسن الترابي تحت مسميات مختلفة. كما ينطبق، بقدرٍ أقل، على الصادق المهدي الذي قاد انشقاقًا داخل حزب الأمة في نهاية الستينات، محاولاً أن يعطي حزب الأمة "حزب طائفة أنصار الإمام المهدي"، وجها حداثيًا. يقول محمد سعيد القدال، إن الصادق المهدي لم يكن يعارض حكم العسكريين، بقدر ما كان يعارض الواجهة اليسارية الصارخة التي خلقها نظام جعفر نميري لنفسه، عند مجيئه إلى السلطة، وأنه ـــــ أي الصادق المهدي ــــ كان هو الآخر يقوم بتحركات وسط الجيش، وقد حاول الاتصال بالضباط الذين نفذوا انقلاب نميري، غير أن اتصالاته لم تثمر 31.
أما الاسلاميون فعلى الرغم من أنهم كانوا يقفون، بحكم الأرضية الفكرية المشتركة مع القوى الحزبية التقليدية، ورغم أنهم كانوا طرفًا في الائتلافات الحاكمة التي شكلتها الأحزاب التقليدية، إلا أنهم كانوا ينتظرون السانحة المناسبة للانقضاض على النظام الديمقراطي الذي رضوا العمل من خلاله. فقد كانت أعينهم مفتوحة دائمًا على الانفراد المطلق بالسلطة. فالنزعة الانقلابية ظلت حاضرةً داخل تنظيمهم، وكانوا فقط ينتظرون اللحظة المناسبة. ويروي عبد الرحيم عمر محي الدين، المنتمي للإسلاميين، أنهم ظلوا يخططون للانقلاب منذ الستينات، ولكن كان هناك انقسامًا وسطهم، إذ كان بعضهم يعارض الانقلاب، وكان على رأسهم حسن الترابي. ولكن الوضع تغير في السبعينات، فزاد اختراقهم للجيش. أما انقلاب عمر البشير فقد خططوا له، وكان حسن الترابي مشرفًا على التخطيط إشرافًا مباشرًا 32. ظل الإسلاميون ينتظرون السانحة المناسبة، وقد جاءتهم تلك السانحة في فترة الديمقراطية الثالثة، التي اتسمت بالأداء الحكومي الضعيف، وبالمناورات السياسية العقيمة، وبهزائم القوات المسلحة في حربها مع المتمردين في الجنوب، فنفذوا انقلابهم على الديمقراطية في يونيو 1989.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول، أن القوات المسلحة ظلت عبر عهود ما بعد الاستقلال تبتعد باستمرار عن مهنيتها، وتزداد وسط ضباطها ثقافة الانقلابات، لتتحول إلى أداة سياسية، تارة للقوى التقليدية، كما في انقلاب الفريق عبود في نوفمبر 1958، وتارةً لتنظيم الضباط الأحرار، كما في انقلاب نميري الذي دعمه اليسار والحزب الشيوعي في مايو 1969، وتارةً أخرى للإسلاميين كما في انقلاب الترابي والبشير الممسك بالسلطة حتى الآن. ولقد بلغ عدد الانقلابات التي نجحت، والتي تم القضاء عليها بعد أن شرعت في التنفيذ، والتي أجهضت قبل ساعة الصفر، أكثر من عشر انقلابات عبر سنوات حقبة ما بعد الاستقلال. وعمومًا يمكن القول إن النزعة الانقلابية على الديمقراطية، وسط الجيش ووسط القوى الحديثة، قد أربكت التطور الديمقراطي في السودان، وعوّقت جهود بناء الدولة، وأدخلت البلاد في دوامةٍ من التراجع المطرد أوصل البلاد للوقوف على حافة الهاوية. ولقد تمثلت تلك النزعة الانقلابية لدى بعض العسكريين والمدنيين، في عدم الإيمان بالديمقراطية أصلاً، ولدى البعض الآخر في قلة الصبر عليها، وفي عدم الدراية الكافية بطبيعة مخاضاتها الطويلة.
"حداثيون" شموليون و"تقليديون" ديمقراطيون!
في حين كان الحداثيون ذوي مزاجٍ ثوري انقلابي، كان معسكر "التقليدية" الذي يمثله "حزب الأمة" و"الحزب الاتحادي الديمقراطي"، المرتكزان على قاعدة دينية وارتباطات تاريخية أساسها الطرق الصوفية المتنافسة، حريصًا ـــــــ من الناحية الشكلية على الأقل ـــــــ على النظام الديمقراطي. فالتركيبة الطائفية التي مزجت الولاء للطائفة بالولاء للحزب، جعلت أهل هذا المعسكر واثقين من كسب أي معركةٍ انتخابيةٍ ديمقراطية ضد تنظيمات الحداثيين من يساريين ومن اسلاميين 33. ويرى محمود ممداني أن العداء بين المدافعين عن "التقليدية"، والمدافعين عن "الحداثة" هو الذي جعل أنظمة الحكم في السودان تتأرجح بين أنظمة ديمقراطية برلمانية، وبين سلسلة من الانقلابات العسكرية. أي، أن التنافس الحزبي على صناديق الاقتراع، بين الحزبين "التقليديين" حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديموقراطي، لم يكن السبب في ذلك التأرجح، وإنما السبب هو الصراع بين معسكر "الحداثيين" ومعسكر "التقليديين" 34.
ظلت القوى المدافعة عن التحديث تميل إلى التغيير عن طريق الانقلاب العسكري، ظنًا منها، أنها باستلام السلطة يصبح في وسعها تغيير مكونات الواقع ودينامياته والدفع به إلى الأمام. ولقد كان لحادثة حل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1965، ومحاولة الأحزاب التقليدية والإسلاميين كتابة "دستورٍ إسلامي"، إضافة إلى محاكمة الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الردة عن الإسلام، دورًا رئيسًا في يأس القوى "الحداثية"، من إمكانية أن تدع الأحزاب "التقليدية" حراك التحديث والاستنارة والتغيير يستمر ويتنامى بصورةٍ طبيعيةٍ، من داخل ما تتيحه بنية النظام الديمقراطي نفسها. ولذلك فعندما جاء انقلاب نميري في مايو 1969 وقوض الديمقراطية الثانية، رحبت به قوى "الحداثة" ترحيبًا كبيرًا، ثأرًا لما تعرّضت له من إقصاءٍ عن طريق تزييف الممارسة الديمقراطية والتلاعب بمبادئها وضوابطها، وخوفًا مما قد ينتج من تمرير دستور إسلامي، ربما حوّل نظام الحكم في السودان إلى ديكتاتورية مدنية ترتكز على منظومة المفاهيم الدينية المناقضة للمبادئ الدستورية، والكابتة للحريات. أيضًا، رحب بانقلاب نميري قطاع واسع من الجمهور، بسبب ماشهدوه من انحصار الصراع بين الأحزاب على الكراسي، وعلى الغنائم، إذ كان واضحًا جدًا أن العمل السياسي ظل يدور في حلقة مفرغة، أحدث حالة انسدادٍ مستدامةٍ للأفق السياسي. يضاف إلى ذلك، تنامي مظاهر الفساد في حياتهم اليومية، وما يشاهدونه من محسوبية ورشوة، حين يتعاملون مع الأجهزة الحكومية. وتصوِّر ديدار روسانو حالة الحكم الحزبي في السودان في مجمل مرحلة ما بعد الاستقلال قائلة: "ومتى تحقق الاستقلال والسيادة، أصبحت الصراعات صراعاتٍ عقيمة، ولا تعكس إلا مزاحمات شخصية، بل ولم يكن لهذه التشكيلات المتواجدة في السلطة أي برامج للبناء الوطني" 35.
تسييس الخدمة المدنية:
بدعم الشيوعيين لانقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، وبالإجراءات التي اتخذوها للتخلص من خصومهم، تعقدت الأمور أكثر، واستفحلت العداوات بينهم وبين القوى التقليدية، ودخل الصراع السياسي السوداني، في ما يشبه تداعي قطع الدومينو، ما أوصل الأمور، في نهاية المطاف، إلى ما هي عليه الآن. يرى حيدر إبراهيم أن السلوك غير الديمقراطي واستهداف الأفراد وعدم القدرة على احتمال الآخر المخالف وقبوله، وهو مسلك مارسته مختلف الأطراف لحظة إمساكها بمقاليد الأمور، قد أدت إلى طرد الكفاءات الوطنية وتشريدها، وذهبت بزبدة الاستثمار السخي الذي قام به السودان في مجال التعليم. ويستشهد حيدر إبراهيم في ايضاح النزعة الاستئصالية لدى كبار السياسيين بما ذكره السيد، خضر حمد، الذي يعد أحد آباء الاستقلال، حين أبدى ندمه على التراخي وعدم الحسم في إبعاد "غير الوطنيين" عن الوظائف الحكومية، حين جاء وقت "سودنة" الوظائف من شاغليها البريطانيين، تهيؤًا للاستقلال. فكأن الذين يمسك بدفة السلطة يمتلك تلقائيًا الحق في تحديد من هو "وطني" ومن هو "غير وطني"! كما يروي حيدر ابراهيم استهداف حكومة عبود العسكرية للشيوعيين العاملين في المؤسسات الحكومية بالاعتقال والفصل من الخدمة 36.
عقب ثورة أكتوبر 1964 رفعت القوى الحديثة شعارًا يقول: "التطهير واجب وطني". فقد منحت "القوى الحديثة"، من شيوعيين وإسلاميين، نفسها الشرعية الثورية في ثلاث منعطفات في سودان ما بعد الاستقلال، وأتخذت قرارات اتسمت بتجاوز قوانين الخدمة المدنية، التي لا تتيح الفصل من الوظيفة بسبب التوجه السياسي. كان المنعطف الأول عقب ثورة أكتوبر 1964، إذ بدأت حملة واسعة للتطهير، وقفت وراءها "جبهة الهيئات" التي ضمت اتحادات المهنيين، وكانت هذه الجبهة العريضة، هي القوة المحركة للثورة. بل لمست هجمة التسييس تلك استقلال الجامعة الأكاديمي. جاء في حديث للوزير مرتضي أحمد إبراهيم، وهو أحد وزراء الحزب الشيوعي الذين مثلوه في حكومة نميري، في سنتيها الأوليين، ما نصه: "استقلال الجامعة شعار طرحه في الآونة الأخيرة أعداء الثورة، ومشى في ركابهم من لم يدرك بعد حقيقة ثورة مايو". كما قال بعد يوم من ذلك القول"
إن الحديث عن استقلال الجامعة لا يخدعنا، فليست في العالم كله جامعة مستقلة بمعنى الانعزال عن احتياجات البلاد ومطالبها. ومثل هذا الاستقلال مرفوض، إذ لابد من اخضاع مناهج الجامعة التي تسير عليها في ركب الرأسمالية، للمناهج الاشتراكية.
ورغم أن تلك الوجهة تعدلت في عام 1973، إلا أن الجامعة كانت قد فقدت أفضل أساتذتها الذين تم فصلهم تحت شعار "التطهير" 37. فقد التقطتهم جامعات عربية وافريقية بمجرد فصلهم.
وتكرر التغول على الخدمة المدنية والفصل من الخدمة بسبب الانتماء السياسي مرة ثانية، حين جاء نظام نميري وتحالف معه الشيوعيون. حينها، تم استهداف للأفراد المعادين لليسار بشكل رئيس، وطال حتى الذين ليس لهم انتماءات حزبية. ولقد شهدت جامعة الخرطوم فصلاً من الخدمة لأساتذتها واسع النطاق، ما دفع بهم لترك السودان، فتلقفتهم جامعات عربية وإفريقية، إذ كانوا من الأكاديميين ذوي الكفاءة العالية. كل مشكلتهم أنهم لم يكونوا متحمسين للانقلاب ولتوجهاته 38. أما المنعطف الثالث فقد كان بعد انقلاب الإسلاميين عام 1989 حين أعلنوا "الفصل للمصلحة العامة" وتم فصل مئات الآلاف من وظائفهم. وتكررت الهجمة على جامعة الخرطوم فتم فصل أساتذتها. وبدأت في فترة حكم الاسلاميين الحالية أكبر موجة من موجات هجرة الأكاديميين السودانيين إلى الخارج. كما تم للمرة الثانية التعدي على حرية البحث العلمي، إذ نشطت في هذه المرحلة ما أسميت بـ "أسلمة المعرفة". وفي سياق "أدلجة التعليم" التي انتهجتها حكومة الإسلاميين بقيادة الرئيس عمر البشير، أصبح على طلاب الجامعة أن يدرسوا إجباريًا، ضمن المتطلبات العامة، القرآن وعلوم الفقه. ولأن الروائي السوداني الطيب صالح كتب بضع كلمات في نقد حكم الإسلاميين تم منع كلية الآداب بجامعة الخرطوم من تدريس روايته "موسم الهجرة إلى الشمال"، بحجة أنها "رواية اباحية" 39. ولقد بلغ استتباع التعليم العالي للسلطة السياسية درجة أن تم تعيين أحد الإسلاميين، وهو محام معروف، عميدًا لكلية القانون، رغم أنه لم يحصل سوى على درجة الماجستير في القانون، ولم سيبق له أن مارس العمل الأكاديمي على الإطلاق 40.
ربما يكون مسلك الشيوعيين، في فترة تحالفهم مع جعفر نميري، ضد خصومهم من معسكر القوى الحزبية التقليدية ومن الإسلاميين، وممارستهم التضييق عليهم، من ضمن العوامل التي أغرت الإسلاميين ودفعتهم إلى أن يخططوا، بجدٍ أكثر، لانقلابهم الخاص بهم. خاصة أن الإسلاميين يظنون، وقد يكونوا محقين، أن طرحهم الإسلامي يجعلهم مقبولين أكثر، فالجمهور السوداني العريض يغلب عليه التدين. بعد سقوط نظام نميري وعودة الديمقراطية والنظام الحزبي، استخدم الإسلاميون الأموال التي جنوها أثناء شراكتهم لنميري الحكم (1977-1985)، كما استخدموا قدرتهم على التنظيم ليوسعوا من قاعدتهم الجماهيرية ويجتذبوا أعداد كبيرة من المثقفين 41. كما ازداد تغلغلهم في القوات المسلحة وأصبح وجودهم فيها أكثر قوة، ما أغراهم بالقيام بمفردهم بالانقلاب على الحقبة الديمقراطية الثالثة في عام 1989، والبقاء فيها حتى اليوم.
قبل أن يقوم الاسلاميون بانقلابهم هذا، أعدوا قوائم طويلة من العاملين في كل المرافق الحكومية استعدادًا لتنفيذ ما أسموه "الإحالة إلى الصالح العام". وما أن تسلموا السلطة حتى شرعوا في فصل العاملين من عملهم في مختلف المؤسسات الحكومية، كما شرعوا في تصفية الجيش والشرطة والأمن من كل العناصر غير الموالية لهم، حتى أصبحت كل الأجهزة الحكومية في قبضتهم تمامًا. فقد كان الشعار المرفوع والمعمول به هو شعار: "الولاء قبل الكفاءة". وبعد أن استتبت الأمور للإسلاميين رفعوا شعار "التمكين"، فأصبح الانتماء إلى مشروع الإسلاميين هو المدخل لكل شيءٍ، سواءً أن كان وظيفةً عامة، أو تسهيلا حكوميًا من نوع ما، خاصة التسهيلات المالية التي حصروها، إلى حدٍ كبير جدًا، في عضويتهم. بل بلغت الخصوصية للمنتمين للإسلاميين درجة الأفضلية في الخدمات العادية التي تقوم بها الأجهزة البيروقراطية الحكومية للمواطنين. حتى بدأ السودانيون يحسون إن أعضاء تنظيم الإسلاميين ومؤيديهم يمثلون طبقةً خاصةً تملك سائر الحقوق. وأصبح عامة السودانيين طبقةً أخرى لا حقوق لها في شيء، اللهم إلا ما أنعم به عليها الإسلاميون. نتيجة لهذه السياسة تراجعت الخدمة المدنية، وتراجعت الجامعات السودانية، وتراجع التعليم العام، وانهار النظام القضائي، وتفشى الفساد الإداري في كل مرفق. وحين بلغ السيل الزبا، وأصبح النكران غير ممكن، وبعد عم الخراب، أعلن الرئيس البشير في فبراير 2014، أي بعد ربع قرنٍ من ممارسة سياسات "التمكين"، أن عهد التمكين قد انتهى 42.
..يتواصل..
..................................................
29 Mahmood Mamdani, p. 172
30 Ibid
31 محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 228
32 عبد الرحيم عمر محي الدين، الترابي والإنقاذ: صراع الهوىة والهوى، (ط 3) مطبعة دارعكرمة، بيروت، لبنان، 2010، ص 186.
33 Mahmood Mamdani, p. 172.
34 Ibid, 172
35 Mahmood Mamdani, p. 172.
36 Ibid, 172
37 منصور خالد: النخبة السودانية وإدمان الفشل، دار الأمين للطباعة والنشر، القاهرة، ج م ع، 1993، ص 513
38 راجع منصور خالد: النخبة السودانية وإدمان الفشل، دار الأمين للطباعة والنشر، القاهرة، ج م ع، 1993، ص 139 – 146.
39 طلحة جبريل، بعد منع "موسم الهجرة الى الشمال": الطيب صالح لـ "الوسط": يريدون وقف البحر بسدود من الرمال ! مجلة الوسط، 26/8/1996.
40 محمد سعيد القدال، انقذوا جامعة الخرطوم قبل أن تصبح مقبرة أكاديمية، جريدة الصحافة السودانية، 5 مايو 2004.
41 في الانتخابات التي جرت عام 1986 بعد عام الفترة الانتقالية التي تلت سقوط نظام نميري، حصل الإسلاميون على كل مقاعد الخريجين في الأقاليم الشمالية إضافة إلى مقعدين في الأقاليم الجنوبية. وقد كان لوفرة مواردهم المالية الدور الأكبر في سيطرتهم على مقاعد الخريجين، راجع:
أحمد إبراهيم أبو شوك والفاتح عبد الله عبد السلام: الانتخابات البرلمانية في السودان (1953 – 1986)، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، السودان، 2008، ص 231.
42 قال الرئيس عمر البشير في قاعة الصداقة بالخرطوم، في 4 فبراير 2014، إن سياسة "التمكين" قد انتهت، وأعلن عن فتح الخدمة المدنية لتكون على أساس التنافس الحر لكافة أبناء السودان، لتصبح الكفاءة والمقدرة والعطاء هي الفيصل بينهم دون أي معايير أخرى. راجع: صحيفة السوداني، 5 فبراير 2012.