مآلات الذين ابتعدوا عن الطائفتين:
الذين رفضوا الانضمام إلى الطائفتين من طلائع المتعلمين كونوا أحزابًا صغيرة لم تتمكن من إحداث أثرٍ كبيرٍ على مجريات السياسة في السودان، خاصةً في السنوات التي أعقبت الاستقلال مباشرة. غير أن الشيوعيين أخذوا في النمو في القطاعات الحديثة التي يمثلها المثقفون والموظفون والعمال والطلاب. ولقد بان ذلك جليَّا في دور الشيوعيين في انجاح ثورة أكتوبر 1964 عن طريق العصيان المدني 10. وكان لتغلغل الشيوعيين في نقابات العمال والاتحادات المهنية دورٌ كبيرٌ في نجاح ثورة أكتوبر. وهكذا أبرزت ثورة أكتوبر القوى التي وقفت في مناوئة الطائفية، وجعلتها تحرز تقدمًا مضطردًا في الأوساط المتعلمة، وسائر القوى الحديثة العاملة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمة المدنية، وفي الحركة الطلابية داخل الجامعات السودانية. أصبحت هذه القوى، التي عُرفت في ما بعد بمسمى "القوى الحديثة"، تتسبب في إحداث كثيرٍ من الحرج للحزبين التقليديين الكبيرين، بكشف ضعف أدائهما في صحافتها وندواتها، ومن داخل البرلمان أيضًا. فدوائر الخريجين، وهي دوائر مخصصة في قانون الانتخابات السوداني، للصفوة المتعلمة، أصبحت تأتي إلى البرلمان بالنواب الشيوعيين. وبصورةٍ عامة يمكن القول، إن القوتين ذوات المرتكزات الفكرية المذهبية؛ أعني الشيوعيين والإخوان المسلمين، أخذتا تأكلان قليلاً، قليلاً من الرصيد الجماهيري للحزبين الكبيرين. وفي نفس الوقت كانتا تأكلان من رصيد بعضهما عن طريق الكيد السياسي المتبادل، مما سيرد شيءٌ من الحديث عنه لاحقًا.
في هذا الحراك السياسي السوداني مثل الجنوبيون كتلةً منفصلةً ظلت تطالب منذ البداية بالحكم الذاتي. ولم تكن الهوية الجنوبية هي العنصر الوحيد الذي برز داخل الكيان السوداني الكبير، إذ ظهرت حركات أخرى أخذت تطالب بالحكم الذاتي الإقليمي. فقد تكون تنظيم لقبائل البجة التي تسكن في شرق السودان، كما تأسس اتحاد لقبائل النوبة التي تسكن جبال النوبة بوسط السودان، وانطبق ذلك أيضًا على إقليم دارفور. حاولت بعض العناصر المتعلمة من هذه الأقاليم إنشاء قوى إقليمية تنازع سيطرة الأحزاب التقليدية على هذه المناطق. فقد ساء هؤلاء المتعلمين من أبناء هذه الأقاليم المهمشة أن يروا أن ممثليهم الذين يتم انتخابهم في هذه الدوائر الإقليمية ليصبحوا ممثلين لها في البرلمان لا ينتمون أصلاً إلى تلك المناطق. فالأحزاب الطائفية اعتمدت على الولاء الطائفي لجمهور الأرياف، وأصبحت تبعث بمرشحين من العاصمة وما حولها، ليعبروا إلى البرلمان من دوائر الهامش تلك، استجابة لمجرد إشارة من زعيم الطائفة لجمهورٍ ريفيٍّ، من طبعه أن يطيع كل ما يشير به عليه زعيم الطائفة. فأصبح ممثلو كثير من تلك الدوائر في المناطق المهمشة أفرادٌ من برجوازية المدن الذين يريد الحزب أن يمنحهم مقاعد في البرلمان، رغم أنهم لا تربطهم، في حقيقة الأمر، أي صلة بأهل تلك الدوائر الانتخابية الريفية التي يأتون نوابًا عنها. فهم لا ينتمون إليها، ولم يعيشوا فيها، ولا يعرفون شيئًا عن مشاكلها، بل بعضهم يتحول ليصبح وزيرًا في الحكومة المركزية، وتصبح الدائرة، من الناحية العملية، بلا ممثلٍ يحمل هموم أهلها 11.
بعد عامٍ واحدٍ من ثورة أكتوبر وعودة الديمقراطية، ضاقت الأحزاب الطائفية ومعهم جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة حسن الترابي، بنشاط الشيوعيين ولمعان نجمهم في الحياة السياسية، ونقدهم المستمر للأداء الحكومي من تحت قبة البرلمان، واستقطابهم المتزايد للمتعلمين ومقاومتهم القوية لمشروع الدولة الدينية الذي أطل برأسه مباشرة بعد الاستقلال في ما سمي باللجنة القومية للدستور 12. عقب فوز الشيوعيين بأحد عشر دائرة في انتخابات 1965 التي أعقبت ثورة أكتوبر، انتهز الإخوان المسلمون في "جبهة الميثاق الإسلامي"، حادثةً معزولةً لشابٍ متهور قيل أنه أساء للبيت النبوي في ندوة سياسيةٍ عامة، جرت في معهد المعلمين العالي بأمدرمان. قامت جماعة جبهة الميثاق الإسلامي التي يقودها حسن الترابي بنسبة ذلك الطالب المتهور إلى الحزب الشيوعي، رغم أن الحزب الشيوعي تبرأ من ذلك الطالب ومما قاله، ونفى أن يكون عضوًا من أعضائه 13. استنادًا على تلك الحادثة الفردية المعزولة، افتعل جماعة جبهة الميثاق الإسلامي تظاهرات صاخبة ألهبوا فيها العواطف الدينية لدى العامة. أخذت تلك التظاهرات تندد بالإلحاد وتنادي بحل الحزب الشيوعي السوداني، وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان. وركب الحزبان الكبيران صاحبا أكثرية النواب في البرلمان تلك الموجة، إذ وجداها فرصةً سانحةً للتخلص من الشيوعيين، فجرى تعديل الدستور، وتم حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان.
من أسباب وقوف الرئيس إسماعيل الأزهري والاتحاديين ضد الشيوعيين وركوبه الموجة الداعية لحل حزبهم، المنافسة الحادة التي واجهها الأزهري والاتحاديين في انتخابات الدائرة الجنوبية في أمدرمان التي أخذ الشيوعيين يستولون، بصورةٍ متناميةٍ، في انتخاباتها المتعاقبة على جماهير الحزب الاتحادي. وتقع هذه الدائرة في قلب مدينة أمدرمان، المعقل التاريخي للحركة الاتحادية. ولقد تمكن الشيوعيون بعد ثلاث جولات من الانتخابات انتزاع تلك الدائرة من الاتحاديين. ولهذه الدائرة، إضافةً إلى ما تقدم، أهميةٌ خاصة، فهي الدائرة التي كان يترشح فيها الرئيس إسماعيل الأزهري. كما أن الشيوعيين في جو تلك المنافسة الحادة، أخذوا يوغرون صدر الأزهري بكتابتهم عمودًا يوميًا ضده، اتسم بالسطحية والهزل والإسفاف، ما أكسبهم عداء الاتحاديين 14، خاصةً أن الأزهري كان أبرز آباء الاستقلال السوداني.
أيضًا، جرت في عام 1968 (فترة الديمقراطية الثانية)، محاكمةٌ بتهمة الردة، للمفكر الإسلامي الإصلاحي، الأستاذ محمود محمد طه. وقف وراء تلك المحاكمة القصر الجمهوري ممثلاً في الاتحاديين، مستغلاً بعض رجال القضاء الشرعي، وبعض علماء الدين، وبعض المحسوبين على جبهة الميثاق الإسلامي التي يقودها الدكتور حسن الترابي. وكان الأستاذ محمود محمد طه ناقدًا قويًا لحل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1965، وللتلاعب بالدستور، ولمشروع الدستور الإسلامي 15. كما كان ناقدًا قويًا لزعامة جمال عبد الناصر للعالم العربي إذ أصدر بعد هزيمة يونيو 1967 كتابين هما "التحدي الذي يواجه العرب"، و"مشكلة الشرق الأوسط". استغل بعض الاتحاديين في مجلس السيادة وهو رئاسة الجمهورية وضعهم فقاموا، رغم النظام الديمقراطي، باستخدام القضاء الشرعي لمحاكمة مفكر بسبب آرائه، وإصدار حكمٍ بالردة عليه. جرى كل ذلك بتنسيق مع القضاء الشرعي السوداني، وجامعة أمدرمان الإسلامية، والأزهر في مصر، ومع الهيئات الدينية بالمملكة العربية السعودية. وقد تكشفت خيوط تلك المؤامرة في خطابٍ رد به السيد خضر حمد، عضو مجلس السيادة (رئاسة الجمهورية) على تساؤلات تقدم بها الأستاذ محمد خير البدوي مستنكرا أحكام الردة في ظل نظامٍ ديمقراطي 16.
بتعديل الدستور وتغيير المادة الخاصة بحرية التنظيم أصيب النظام الديمقراطي في مقتل. ولذلك، يمكن القول إن حادثة حل الحزب الشيوعي، وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان في عام 1965، ومحاكمة الأستاذ محمود محمد طه بالردة في عام 1968، قد مثلتا نكوصًا كارثيًا في المسار الديمقراطي في السودان، وخلقت تداعياتٍ سالبةٍ ظلت تتضخم كلما طالت المسيرة، مثلما يحدث لكرة الثلج. بعد تلك الحادثة أصبح الاسلاميون بقيادة حسن الترابي يزايدون على الحزبين الكبيرين بالشعار الإسلامي، فأخذ الحزبان الطائفيان الكبيران، رغم توسط رؤاهما واعتدالها، في مجاراة الإسلاميين في تلك الوجهة، خشية أن يسطو الإسلاميون على جماهيرهما باستخدام الشعار الإسلامي. ونتيجة للاضطهاد الذي لحق بالشيوعيين، عن طريق التلاعب بالدستور والقانون، واتضاح تحالف القوى التقليدية ضد الديمقراطية وضد تطلعات القوى الحديثة ذات الميول الحداثية اليسارية، وضد الفكر الإصلاحي الاسلامي الذي رفع رايته الأستاذ محمود محمد طه، تهيأ المناخ العام وسط النخب الحديثة لقبول الانقلاب العسكري. ويرى محمد سعيد القدال أن حالة الاحتقان السياسي وصلت ذروتها حين أصبحت هناك قوتان متضادتان. إحداهما ترفع الراية الدينية وتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي قوي وسط القوى التقليدية وتسيطر على الجمعية التأسيسية (البرلمان)، ويقودها الإمام الهادي المهدي والصادق المهدي ومعهما جبهة الميثاق الإسلامي. ويقف هؤلاء جميعًا وراء المناداة بوضع دستور إسلامي، وإقامة جمهورية رئاسية مكان الجمهورية البرلمانية. أما القوة الأخرى فهي القوة التي أصبحت في موقف حاسمٍ للدفاع عن بقائها، ضد مشروع الدولة الدينية، وما تحمله إقامتها من خطر على حريتها، بل وعلى وجودها السياسي نفسه. وقد مثلت هذا المعسكر القوى ذات النفوذ في مواقع الانتاج والنقابات المهنية والعمالية، إضافةً إلى الأحزاب الجنوبية والشيوعيين 17.
في هذا الجو من الانقسام والاستقطاب الحاد، قام انقلاب العقيد جعفر نميري في مايو 1969. رحبت القوى التي مورس ضدها التضييق وأُشهر في وجهها سلاح الدولة الدينية، والدستور إسلامي، والنظام الرئاسي، بانقلاب جعفر نميري ترحيبًا حارًا. وكانت هيئات واتحادات الخريجين والمهنيين قد رفعت قبل الانقلاب مذكرةً موحَّدةً إلى لجنة الدستور المنتظرة صياغته، تعبر فيها عن وجهة نظرها، معترضة على ما كان يجري. وقع على تلك المذكرة الاقتصاديون والجيولوجيون والمحامون والمهندسون والمستشارون القانونيون والمعلمون والأطباء والإداريون ومفتشو وزارة المالية وأساتذة الجامعات والمعاهد العليا 18. وقفت القوى الحديثة ضد ما كانت تعد له القوى التقليدية وتريد تمريره بالأغلبية الميكانيكية في الجمعية التأسيسية (البرلمان)، الذي تملك فيها الأغلبية.
اتسمت فترة الديمقراطية الثانية (1965 – 1969) بالاضطراب وعدم الاستقرار السياسي، حتى بلغ عدد حكوماتها خمس حكومات، بمعدل حكومة جديدة لكل عام. أيضًا مما زاد في قابلية القوى الحديثة لتأييد انقلاب نميري ودعمه وإخراج التظاهرات الحاشدة في تأييده، أنه جاء، حين جاء، بصبغةٍ عروبيةٍ يساريةٍ، ارتبطت من جهةٍ بالحراك اليساري الكوكبي، ومن جهة أخرى باليسار العروبي، وبمعاداة الإمبريالية والصهيونية. ولقد كان نموذج جمال عبد الناصر في مصر في تلك الفترة نموذجًا مستقطبًا لقوى اليسار العربي. وساعد في قبول الانقلاب أكثر لدى المثقفين والأوساط الشعبية اختيار الانقلابيين شخصًا مدنيًا لرئاسة وزارة الانقلاب هو بابكر عوض الله، الذي كان رئيسًا للقضاء، ووقف موقفًا قويًا ضد حل الحزب الشيوعي، بل وقدم استقالته عندما تجاوزت السلطة التنفيذية قرارات القضاء. وقد كان بابكر عوض الله أيضًا قوميًا عربيًا. يضاف إلى ذلك أن القوى السودانية الحديثة ظلت تعتنق الديمقراطية الاجتماعية وتهتم بما يحدث حقيقية من تحسين في حياة المواطن أكثر من اهتمامها الشكلي بحقه في الإدلاء بصوته، في ظل أنظمةٍ لا توفر فرصًا للعمل، كما لا توفر صحةً أو تعليمًا أو تنميةً حقيقية. دعم الحزب الشيوعي السوداني الانقلاب، وأصبح مشاركًا في حكومته 19. وقد ضم مجلس الوزراء لحكومة نميري الأولى التي تم تشكيلها عقب الانقلاب مباشرةً، غالبيةً عظمى من اليساريين، من بينها ستةٌ من المعروفين بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي 20، 21 .
زاد ثقل الشيوعيين في الساحة السياسية السودانية عقب انقلاب جعفر نميري في مايو 1969، بعد أن تحوّل حزبهم إلى قوةٍ داعمةٍ للانقلاب، حتى أضطر سكرتيره العام، عبد الخالق محجوب (1927 - 1971) 22، إلى التوجيه بإغلاق باب العضوية أمام الراغبين في الانضمام، خشية أن تتسرب إلى الحزب العناصر الانتهازية، التي ربما بدا لها أن الحزب قد أصبح "حزب الحكومة" 23. غير أن الخلافات سرعان ما برزت بين الشيوعيين وبين جعفر نميري وأدت إلى أن يقوم الضباط الشيوعيون، الذين ضمهم مجلس قيادة الثورة، بانقلاب مضاد في يوليو 1971. وكان هؤلاء الضباط قد شاركوا جعفر نميري في انقلابه في مايو 1969، وتم ابعادهم عام 1970، بعد أن اشتد الخلاف مع الحزب الشيوعي. فشل انقلاب الضباط الشيوعيين بعد ثلاثة أيامٍ من توليهم السلطة، وجرت محاكماتٌ عسكريةٌ سريعة، قضت بإعدام الضباط الذين قادوا الانقلاب، إضافةً إلى أبرز قادة الحزب الشيوعي السوداني، وعلى رأسهم السكرتير العام للحزب عبدالخالق محجوب، كما سبقت الإشارة. منذ تلك اللحظة، تراجع دور الحزب الشيوعي في الساحة السياسية السودانية تراجعًا كبيرًا، ولم يعد إلى عافيته الأولى حتى يومنا هذا.
شهد عاما 1970 و1971 وهما العامان الثاني والثالث في فترة حكم جعفر نميري، التي استمرت لستة عشرة عامًا، حدثين جسيمين عنيفين. الحدث الأول هو ضرب الجزيرة أبا على النيل الأبيض معقل طائفة الأنصار راعية حزب الأمة. فبعد أن استلم جعفر نميري السلطة وبرز الشيوعيين كقوةٍ ساندة له، لجأت بعض قيادات القوى الحزبية التقليدية التي أطيح بها، ممثلة في حزب الأمة، وحزب الاتحاديين ممثل في شخصية الشريف حسين الهندي، وقيادات جبهة الميثاق الإسلامي، وعلى رأسهم محمد صالح عمر، ومهدي إبراهيم، إلى "الجزيرة أبا" على النيل الأبيض (300 كيلومتر جنوب الخرطوم) منضمين إلى الإمام الهادي إمام طائفة الأنصار الذي كان هناك. أصبحت "الجزيرة أبا"، وهي مقر مهم من مقرات إمام طائفة الأنصار، بؤرةً لمقاومة النظام الجديد. وبدأ السلاح يصل إليها، وأخذ المتوافدون إليها يتلقون تدريبات عسكرية استعدادًا لمواجهة النظام. تأزم الوضع بين حكومة جعفر نميري وبين القوى الحزبية التي تجمعت هناك، ولم يؤدي التفاوض الذي جرى بين الطرفين إلى نتيجة. اقتحمت القوات الحكومية الجزيرة أبا وجرت مذبحة كبيرة، فخرج إمام الأنصار السيد، الهادي المهدي قاصدًا الحدود الإثيوبية، ولكن تم التعرف عليه وقُتل قبل أن يعبر الحدود السودانية الإثيوبية بمسافةٍ قصيرة.
لم تدم حالة الهدوء التي أعقبت ضرب القوى الحزبية في الجزيرة أبا، وضرب الحزب الشيوعي، طويلا. إذ سرعان ما احتشدت السنوات القليلة اللاحقة بالمحاولات الانقلابية، والهبات الطلابية المتكررة، إضافةً إلى ما صاحب ذلك من فشل النظام في خططه الاقتصادية، فتراجعت شعبيته نتيجة للغلاء المتصاعد، وأزمات السلع الغذائية، وغير الغذائية التي أخذت تتكرر بوتيرة متقاربة، حتى أصبحت البلاد تعيش أزمة معيشية متواصلة. فالجبهة الوطنية، المكونة من الحزبين التقليديين الكبيرين إضافة إلى جبهة الميثاق الإسلامي، أخذت تعمل ضد نظام نميري من الخارج، كما ظل قطاع التجار المتعاون معها في الداخل يخلق للنظام الأزمات السلعية. أيضًا، نشط الشيوعيون سرًا في تحريك النقابات ضد النظام، وازدادت المطالبات بزيادة الأجور، وأصبح النظام يحس بحالة الاختناق المتنامية، وأنه أصبح بلا حليف، ولا سند جماهيري حقيقي. وفي سنة 1976 نقلت الجبهة الوطنية التي كانت ناشطة في الخارج صراعها مع نظام نميري إلى مستوى جديد، فنفذت غزوًا للعاصمة السودانية الخرطوم، انطلق من معسكراتها في جنوب ليبيا التي استضافها فيها العقيد الليبي معمر القذافي. وكاد ذلك الغزو الذي وصل إلى قلب الخرطوم ونجح في احداث حالة شلل للنظام، على مدى يومين كاملين، أن يسقط نظام جعفر نميري.
عقب فشل تلك المحاولة بعامٍ واحد، دعا جعفر نميري إلى ما أسماه "المصالحة الوطنية". قبلت القوى المعارضة بدعوة نميري تلك، وعادت إلى العمل من الداخل، باستثناء الشريف حسين الهندي. في تلك الفترة كان نميري قد ركز كل السلطات في يده وأخذ يقضى على المؤسسية في جهاز الدولة، وخلق من رئاسة الجمهورية جهة تنفيذية منفصلة عن مجلس الوزراء، وأخذ الفساد المالي والإداري يستشري بصورةٍ غير مسبوقة 24. عاد حسن الترابي والصادق المهدي إلى دائرة العمل مع نميري. وبناءً على ما تحقق من انفراجٍ سياسيٍ نسبي، وجد جعفر نميري أن مما يقوى وضعه ويمكِّنه من سحب البساط من تحت أرجل غرمائه، الذين أصبحوا شركاءَ جددًا له، أن يتجه إلى تبني الشعار الإسلامي، والانطلاق به إلى نهاياته القصوى. أعلن نميري تطبيق الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983، وبعد عامٍ من ذلك التاريخ نصّب نفسه إمامًا، بل ورئيسًا مدى الحياة. ولم يجد حسن الترابي وجماعته بدًا من دعم تلك الوجهة، التي هي أصلاً وجهتهم المعلنة، فقاموا بمبايعته في حفلٍ رسميٍّ كبيرٍ أقيم في قرية أبوقرون جنوب شرقي الخرطوم 25. ولقد أضعف انخراط الترابي وتنظيمه مع جعفر نميري من المعارضة الحزبية المؤتلفة في الجبهة الوطنية، وبدا واضحاً، منذ تلك اللحظة، أن الترابي أخذ يسير في وجهة وراثة نظام نميري منفردًا.
يسرت شراكة الترابي لجعفر نميري الحكم في الفترة من 1977 إلى 1984، تسهيلاتٍ ماليةٍ ضخمة جعلت الاسلاميين يؤسسون بنوكًا وشركاتٍ إسلامية، في تعاون مع بنك فيصل الإسلامي السعودي، ما أحدث نقلة نوعية في توطيد وتوسيع القاعدة الاقتصادية لتنظيم الإسلاميين في السودان 26. وحين أطاحت انتفاضة أبريل 1985 بالرئيس نميري ظهر الإسلاميون في حقبة الديمقراطية الثالثة بتنظيمٍ كبيرٍ ذي قدراتٍ ماليةٍ هائلة وآلةٍ إعلاميةٍ ضخمة، لا يملك مثلها أي تنظيم آخر. وقد تجلت تلك النقلة في حصول الإسلاميين في انتخابات 1986على 51 مقعدًا في البرلمان، مقارنةً بـثلاثة مقاعد حصلوا عليها في آخر انتخابات جرت قبل انقلاب نميري بعام واحد في عام 1968 27. ومع بدايات الديمقراطية الثالثة في عام 1986 بدأ الإسلاميون يعملون على تقويضها، مستخدمين آلتهم الإعلامية الكبيرة. شرع الإسلاميون، مع بداية الحقبة الديمقراطية الثالثة، في تأليب الجمهور ضدها، وفي استغلال أوضاع الجيش المتردية الذي كان يحارب الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، بقيادة جون قرنق. وبعد ثلاث سنواتٍ من عمر الديمقراطية الثالثة، تهيأ المناخ السياسي العام لقبول انقلاب جديد. كان المتوقع في الشارع السياسي أن يأتي الانقلاب من جانب الضباط الوطنيين في الجيش، الذين أبدوا تذمرهم من الأحوال، وقدموا مذكرة لمجلس الوزراء الذي كان يرأسه الصادق المهدي. اهتبل الإسلاميون تلك الحالة من التهيؤ الشعبي للانقلاب، وحالة التوقع بأن يطيح الجيش بالنظام القائم، فقاموا بانقلابهم في يونيو 1989 مستخدمين ذراعهم العسكري داخل الجيش. ولم يسفر الإسلاميون عن هوية الانقلاب إلا بعد أن وطدوا أركان حكمهم من كل تحركٍ مضاد. قام عسكريو الإسلاميين باعتقال حسن الترابي مدبر الانقلاب مع قادة الأحزاب السياسية الآخرين الذين تم اعتقالهم، للتمويه وإخفاء طبيعة الانقلاب الحزبية الإسلامية 28.
..يتواصل..
.......................................................
10 ديدار فوزي روسانو، السودان إلى أين؟، (ترجمة: مراد خلاف)، الشركة العالمية للطباعة والنشر، السودان، 2007، ص 148
11 راجع حيدر إبراهيم علي، السودان الوطن المضيع، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، ج م ع، 2011، ص 52 – 53.
بدأ الحديث عن الدستور الإسلامي في اجتماعات اللجنة القومية للدستور التي شكلها مجلس الوزراء في 22 سبتمبر 1956، أي بعد تسعة شهور فقط من الاستقلال. تقدم ميرغني النصري باقتراح بإضافة كلمة "إسلامية" إلى مسمى جمهورية السودان، وقال إن تعديله ينبني على الرغبة الشعبية الواضحة التي ما فتئت تنادي بالدستور الإسلامي "حتى غدا مطلبًا شعبيًا تبلور في سياسات الأحزاب الكبرى". وايد الاقتراح بالتعديل عمر بخيت العوض، مشيرا إلى منادة الحزب الوطني الاتحادي بالدستور الإسلامي، مضيفًا أن جماهير حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي لا تريد غير الإسلام. راجع: يوسف محمد علي، السودان والوحدة الوطنية الغائبة، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، السودان، 2012، ص ص 44 – 60. وراجع أيضًا: محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان، دار الجيل بيروت (1992) (ص. ص. 149- 155 ).
12 راجع حيدر إبراهيم علي، السودان الوطن المضيع، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، ج م ع، 2011، ص 52 – 53.
13 بدأ الحديث عن الدستور الإسلامي في اجتماعات اللجنة القومية للدستور التي شكلها مجلس الوزراء في 22 سبتمبر 1956، أي بعد تسعة شهور فقط من الاستقلال. تقدم ميرغني النصري باقتراح بإضافة كلمة "إسلامية" إلى مسمى جمهورية السودان، وقال إن تعديله ينبني على الرغبة الشعبية الواضحة التي ما فتئت تنادي بالدستور الإسلامي "حتى غدا مطلبًا شعبيًا تبلور في سياسات الأحزاب الكبرى". وايد الاقتراح بالتعديل عمر بخيت العوض، مشيرا إلى منادة الحزب الوطني الاتحادي بالدستور الإسلامي، مضيفًا أن جماهير حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي لا تريد غير الإسلام. راجع: يوسف محمد علي، السودان والوحدة الوطنية الغائبة، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أمدرمان، السودان، 2012، ص ص 44 – 60. وراجع أيضًا: محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان، دار الجيل بيروت (1992) (ص. ص. 149- 155 ).
14 محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 1999، ص 148.
15 أصدر الأستاذ محمود محمد طه كتابا في الرد على المبررات التي حاول أن يسوقها الدكتور الترابي في كتابه "أضواء على المشكلة الدستورية"، لتبرير تعديل المادة (2) 5 من الدستور، حتى يتسنى حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان. في ذلك الكتاب كتب الأستاذ محمود: "ولكن الدكتور الترابي وقف مع القشور حين ظن أن (ليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه في التفريق بين نص ونص على أساس إن هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل). ولو كان الدكتور الترابي قد نفذ إلى لباب الثقافة الغربية لعلم أن المادة 5 (2) من دستور السودان المؤقت غير قابلة للتعديل . وهذه المادة تقول (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون)، هي غير قابلة للتعديل لأنها هي جرثومة الدستور، التي إنما يكون عليها التفريع. وهي الدستور، فإذا عُدلت تعديلا يمكِّن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي، فان الدستور قد تقوض تقوضا تاما. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي إلا على أساس الديمقراطية المزيفة". راجع: محمود محمد طه، زعيم جبهة الميثاق الاسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية 2. الإسلام, (ط2)، الحزب الجمهوري، السودان، 1968، ص 14.
16 راجع رد خضر حمد، عضو مجلس السيادة على تساؤل قدمه إليه في رسالة شخصية، محمد خير البدوي، حول ما رآه الأخير خروجا على الديمقراطية بالسماح بإصدار حكم بالردة في ظل نظام ديمقراطي، في كتاب: محمد خير البدوي: قطار العمر في أدب المؤانسة والمجالسة، النهار للإنتاج الإعلامي، الخرطوم، 2008، ص 402 -403.
17 محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص208.
18 المصدر السابق، ص .208
19 عبد الله علي إبراهيم، انقلاب 19 يوليو 1971 من يومية التحري إلى رحاب التاريخ، دار عزة للنشر والتوزيع، الخرطوم السودان، 2012، ص 34 – 35.
20 أبيل ألير، جنوب السودان.. التمادي في نقض المواثيق والعهود، (ط 1)، ]ترجمة بشير محمد سعيد[، ميدلايت المحدودة، لندن، 1992، ص 45
21 ذكر محمد سعيد القدال أن الوزراء الشيوعيين في حكومة نميري الأولى كانوا 4 ويخالف هذا ما أورده أبيل ألير. راجع محمد سعيد القدال، مصدر سابق، ص 215.
22 أعدم جعفر نميري عبد الخالق محجوب عقب انقلاب الضباط الشيوعيين في يوليو 1971، وكان عمره لدى إعدامه 44 عامًا.
23 عبد الله علي إبراهيم، مصدر سابق، ص 40
24 Mansour KhalidM Nimeiri and the Revolution of Dismay, KPI, London, Boston, Melbourne and Henley, 1985, pp. 153-170)
25 صحيفة الأيام السودانية، 23/8/1984.
26 عطا البطحاني، أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة، مطبعة جامعة الخرطوم، 2011، ص 212.
27 المصدر السابق، ص ص 197 - 205
28 كشف الاسلاميون بنفسهم عن تلك الخطة للتعمية لاحقًا. وجاء في ذلك قول الترابي إنه اتفق مع قائد الانقلاب العسكري الذي خطط له الترابي ونفذه وجماعته في يونيو 1989، أن يذهب البشير إلى القصر رئيسا، في حين يذهب الترابي إلى السجن حبيسا.

 

نقلا من صفحة دكتور النور حمد  على الفيس بوك