ذكر الإمام المهدي في خطبة الجمعة أن "بعض الناس صوروا بيان الأستاذ علي قيلوب على غير حقيقته، إنه ليس اعتذاراً وليس التماساً بل إجراء توضيحي." أولاً، لنترك بيان قيلوب جانباً؛ لأن هذا "البعض" قد استعصي عليه استيعابه، أو لم يفلح في تصويره بشكل منصف، أو جنح لسوء في تأويله. ولنأخذ ما أدلي به الأستاذ ساطع الحاج، الذي كان واضحاً وساطعا، وضوح وسطوح الشمس في الظهيرة. ثانياً، لم يك مناسباً علاج أمر، أضحي حديث الساعة في الإعلام والمنتديات والأسافير، في خطبة الجمعة. فالشجاعة الأدبية تقتضي أن يعقد مؤتمراً صحافياً، أو أن يصدر بياناً للناس لتوضيح طبيعة وتفاصيل هذا الإجراء "التوضيحي". ثالثاً، أن التوضيح هو لتبيان شيء غامض، وليس في المسألة غموض. فالأمر ببساطة هو شخص قال الحق ونكص عنه بالتوقيع علي "الإجراء التوضيحي"، رهبة من التلويح بعقوبة قد تصل للإعدام. بالطبع إن جهاز الأمن والمخابرات لقادر علي نشر "وثيقة الاستسلام" الممهورة بتوقيع الإمام، لدحض هذا الزعم، وليتبين الخيط الأسود من الفجر، غير أنه لن يفعل هذا. ذلك لأن النظام يتخذه خليلاً من مبدإ "عدو عدوك صديقك"، لأنه سيستمر في حملته لاغتيال شخصية التيار العلماني، ولفرض رؤاه علي الجبهة الثورية. جملة السيد الصادق أعلاه هي محاولة تلفيقية يائسة للخروج من المأزق الحرِج والعنت السياسي الذي أوقع نفسه فيه.


ولعلّ أهم وأكثر ما استوحش الصادق في السجن، واضطره لتوقيع موثق "الإجراء التوضيحي"، هو إجراء اللقاءات الصحفية، وإرسال رسائل شكر للسفراء الذين انقضي أجل فترتهم في الخرطوم، والسفر لمنديات الوجاهات في الخارج: نادي مدريد ومنتدي الوسطية ومؤتمرات البحر الميت. فعن الأولي، روي شيخنا شوقي بدري ساخراً أنه حين وصل أسمرة بعد "تهتدون"، وسئل أن يأتوه بماء، قال لا أريد مايكرفون. وعن الأخيرة، فأول نشاط سياسي، أو دبلوماسي سيقوم به هو لقائه  "مع مسئولين نادي مدريد لبحث ما يمكن أن (ي)فعله للقيام بمبادرة دولية، لإطفاء الحرائق المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط. ولقاء منتدى الوسطية العالمي لإحياء مشروع الحكماء المقترح للتصدي للاستقطابات الحادة في كثير من البلدان العربية". يالها من عبارات طنانة رنانة، وياله من مشروع طموح، عجزت الأمم المتحدة والجامعة العربية ومؤتمرا جنيف عن حلها. حبيبنا في الله وأخونا في الوطن (هذه نسخة منقحة حديثاً)، إن هذه المؤتمرات كشعب لا تعنينا في شيء، ولم نسمع أن تنظيرات متقاعدي السياسة حلت مشكلة. الذي يعنينا، هو إطفاء الحرائق المشتعلة التي ساهمت فيها قوات الدعم السريع - كما ذكرت - في النيل الأزرق ودارفور وجبال النوبة. وهؤلاء أولي بالحلول ويعنوننا أكثر من أهل الموصل وتكريت وسورية وليبيا.

"والبعض يدافع عن كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته" (النوَّاب)


أعود لمزيد من التفصيل عن التناقضات والفتاوي والعلاقة مع الصهر. فعن التناقض، أشاد بتنازل حمد بن خليفة عن حكم قطر لابنه تميم: "دخل التاريخ من أوسع أبوابه". وهذا الشيخ قد تنحي عن أمارة دولة وعن سلطة مطلقة بإرادته، ودون دعوة لتجديد دماء (عمره 61 سنة)، ولكن "الشيخ" ما زال مصِّراً علي، ومتشبثاً برياسة الحزب لأكثر من نصف قرن، رافضاً أن يدخل التاريخ من "طاقة" أو شباك صغير. عن الثانية، أصدر واحدة لم يسمع بها الشيخ أبوزيد، هي أن الحب الذي سيؤدي إلي علاقة شرعية حلال. (خطبة الجمعة/مسجد أم بدة/30/8/2013). وفي مناسبة الحب، أذكر أن الإمام المهدي قد كان أثناء إقامته في لندن، علي علاقة بحسناء من بنات الأفرنج اسمها جين هوبرت، يروِ الرواة أنها كانت تشبه جين مورس، صديقة سابقة لمصطفي سعيد. يبدو أن الإلهام لم يتنزل علي قلبه في تلك الحقبة، وبعد أن هبط علي فؤاده، أدرك أنها لن تفضي إلي علاقة شرعية، تركها. أيضاً، في تلك الفتوي تحدث عن الذين كتبوا عن مشروعية الحب في التراث، وخصّ بالذكر كتاب السيوطي "شقائق الأترنج". بيد أن هذا المرجع لم يشر للحب إنما لمرحلة الزواج، إذ تقتصر أطروحته علي شيء واحد هو أهمية الغنج ودلال النساء أثناء الرفث. كان أسهلأ وأقصرا لو ذكر بت مجذوب في "موسم الهجرة إلي الشمال"، فالرواية من ثقافتنا والحصول عليها أيسر من كتاب السيوطي، الذي صدر قبل قرون.

ذكرت آنفاً أن الصادق تعوذه المقدرة علي اتخاذ القرار والتنبؤ بتعبات القرار الخاطئ، ومنذا الذي يدرك نفسية النسيب أكثر من الصهر، الذي كان يتخذه جسراً للعبور لتنفيذ مكائده. في لقاء الأخير بالسفير الأمريكي في الخرطوم، ذكر له أن نسيبه: سيتردد في موضوع إلغاء قوانين سبتمبر، وسيدلي ببيانات مبهمة ومتناقضة كي يرضي الجميع. وإذا وُوجه بموقف يستلزم اتخاذ القرار فسيلجأ إلي تسويف الأمر، فإن لم يكن هنالك مفر من اتخاذ القرار فيسيتخذ القرار الخاطئ! (الوطن العربي/26/أبريل/1985). لاحظ أن هذا هو عين الشخص الذي يفاخر المهدي بأنه قدم خيراً كثيراً له، وقدّمه رغم الاتهامات، كما اقتبست قبلئذٍ، وأضاف سابقة في الممارسة الديمقراطية هي اضراره للإئتلاف به. فالمعروف عن ابن العاص، أنه يتحدث بلسانين، فهو هنا يستخدم أحدهما للخارج الصليبي لإقناعه بأنه أدهي وأّذكي من نسيبه وبالتالي أجدر بالحكم، وثان لغوغاء الداخل، وهذه مادة أخري. خلاصة هذه الفقرة هي أن ما حاق بهذا الوطن من دمار وبعثرة وتشظ سببه علاقة الحنية بين عمرو ونسيبه، إذ ظل الأخير يتبني أطروحات ومواقف الأول، كمشروع دستور 1968، ورفض اتفاقية الميرغني-قرنق.

أخيرًا لا آخر، أشير إلي أن الحديث عن لذة الغنج أثناء الجماع أشياء لا يثيرها العلمانيون، الذين ينفذون أجندة مستوردة كطابور خامس، ولو تضميناً في الأدب لأنهم منهمكين في قضايا وشؤون أكبر وأهم، الحرية، والكسرة والملاح: هاشم صديق، محجوب شريف وآخرون. ربما لم يكن هنالك غضاضة علي الحديث عن الحب ودلال النساء أثناء الوِقاع، ومنتدي الوسطية ونادي مدريد، وجواز صلاة المرأة بجوار الرجل، أو ترك الأسماء التي تتضمن شوانية، حسب وصف كناهد وميادة، لو بلغنا مرحلة دولة الرفاه. وإلا يصبح المشهد كشخص يلبس بذلة ورباط عنق من فوق وسروال من أسفل. أو لو كان المفتي والمنظِّر قد قدّم حلولاً ولو نظرية عن مشكلاتنا، السل في تلال البحر الأحمر، السلام في دارفور، الأمية في الجنوب، الفاقة في الشمال، جيش الإحتياطي العاطل في ولاية الخرطوم وبقية المدن.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////