يقيناً، إن رفض إبراهيم الشيخ زعيم حزب المؤتمر السوداني، لكتابة اعتذار للنظام، موقف بالاحترام لخليق وبالاهتمام لحقيق. يا لروعة الجملة وزخم التعبير وبلاغة الجملة: "قلمي عصاني أن أكتب بشكل انبطاحي". وما أبشع انبطاح الشيوخ، الذي سيُضاف لميزان خيباتهم وتناقضاتهم وعجزهم، التي ابتدأت منذ عام 1966، الفترة التي شهدت أنجح رئيس وزراء مرّ علي السودان، وكانت وبالاً علي هذا الوطن الرائع. ولو صبر "الشيخ" ولبث في السجن بضعة شهور، لأضاف لرصيده السياسي المفلس. ولأُطلق سراحه دون إذلال، كما اُطلق سراح صلاح قوش، مع أنه اُتهم بمحاولة انقلابية، ورحم الله نيلسون مانديلا. لا ريب في أن موقف الأستاذ الشيخ ليس دون وجه شبه مع موقف أستاذنا الفلتة محمود محمد طه. أما إيثاره السجن مدي الحياة علي قبول الاعتذار فيذكّر المرء بقول النبي يوسف "رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه". حقيقة ما زالت هذه الأمة بخير، وأعتذر لها إذ بلغ بي التشاؤم والمرارة درجة اُصبت بها بعمي بصيرة قادني للتشكك في تلك الحقيقة. 
وإليك قليل من الخيبات والتناقضات. جاء في أحد اللقاءات الصحفية معه، نشرته ′سودانايل′ عن قوانين بدرية: بعد قيام ثورة رجب، وقع اختلاف بين الأحزاب الممثلة بالبرلمان بشأن قوانين سبتمبر. ولما كان حزب الأمة مضطرا إلى التحالف مع القوى السياسية التي أفرزتها الانتخابات العامة (يقصد صهره)، ولما كان جزءا من هذه القوى متمسكا بعدم إلغاء هذه القوانين، تم الاتفاق على إيجاد قوانين بديلة. وهذه إضافة معلومة جديدة للفقه الدستوري والممارسة الديمقراطية، تفيد بأن حزب الأغلبية مفروض عليه التحالف مع أحزاب أصغر. أنت صاحب الشعارين المُدويين "الوحدة الوطنية لن تكتمل إلا بعزل الجبهة" و"إلغاء قوانين سبتمبر في مزبلة التاريخ"، فلماذا الإئتلاف مع القوة المتمسكة بتلك القوانين، والتي عملت علي إحداث شرخ في الوحدة الوطنية لم ولن يتم رتقه؟ الحاصل أن المسألة لا اضطرار ولا يحزنون، إنما هي إن النسيب بصهره لحنين. ذلك ما أضافه في ذات الحوار "نحن عملنا خير كثير لجماعة الجبهة، كل القوى السياسية كانت تتهمهم اتهامات كبيرة جداً ونحن الذين قدمناهم". كأن تلك الاتهامات بهتاناً وإفكا، ولكأنه يباهي بفعل خيراً لهذه الأمة. تستحضرني عبارة بليغة، جاءت بالمختصر المفيد للراحل محمد أحمد محجوب، اختزل فيها الكوارث الذي ستحل بالسودن بولوج الصادق وعمرو في السياسة "هذا الشباب وصهره وبينهما وِصال". و"وصال" هنا للتورية، فقد كان المحجوب شاعراً وأديبا ذا لغة مطواعة.
و"الشيخ" ذو نزعة تسلطية إقصائة يفرض آراءه، حاكماً أو خارج الحكم، حتي لا أقول معارضاً، لأن هذه فيها نظر. فهو يرفض منهج الجبهة الثورية بل يحدد لها أدوات نضالها: إلقاء السلاح. وهو معادٍ للعلمانية بإفراط يصل مرحلة الغلو. في خطبة عيد الأضحي الماضي، والأعياد مناسبة للتصافي والتسامح والمحبة، قال عن العلمانيين: "يتحركون خارج وجدان الأمة كأنه بالوكالة عن أجندة أجنبية، يعتادون القفز فوق المراحل الاجتماعية (لا أدري أية مراحل) فإن وجدوا مقاومة استخدموا ضدها القوة". أيضاً، كتب الناقد المسرحي الصادق عن مسرحية سودانية، ذكر فيه أن أهم ما جاء فيها هو أنها لم تدعُ للعلمانية! هذا عمل فني، وليست ندوة سياسية، أو طرح برنامج حزبي سياسي، أو مجال لتسوية حسابات، والأثر الفني لا يجوز أبداً النظر إليه بعين واحدة هي الأيدلوجيا. وبعدائه للعلمانية وللجبهة الثورية، بمناسبة وغير مناسبة، فإن الصادق يتطوّع بإسداء خدمة ثمينة للنظام. ومن هنا كان تكريمه بمنحه وسام الجمهورية، الذي قال عنه تبريراً لم يقنع الأميين، هو أنه ظن أن هذا التكريم امتداداً للجائزة التي استلمها من تلك الدولة المنسية، كنهر يجري من البحر والسهول ليصب في الجبال. طريف أنه ختم ذاك التبرير بمثل شعبي في منتقديه: "الفاضي يعمل قاضي"، ونشكره لأنه لم يقل "الما عاجبو يلحس كوعو". المنطق يفترض أن ينظر لهذين التيارين كجزءين من قوي المعارضة، وكحليفين مؤقتين، ثم يعود لذكر سوء العلمانية والثورية لكسب الأصوات بعد سقوط النظام، أو بعد نجاح كوديسته.
ثم يدعو صاحبنا الشعب السوداني للتظاهر في الداخل والشتات، لكأن هذا الشعب قطيعاً يحركه حسب مزاجه بريموت كونترول من برجه العاجي. ولما لم يخرج أحد، عاد لكوديسته. لو كان الصادق صادقاً وجاداً لضرب مثلاً بحزبه ولأعلن لجماهير الأنصار أن تتظاهر في التاريخ الفلاني ليوم أو يومين لبدء الثورة، ثم يدعو السودانيين تنظيمات وأفرادا للالتحاق بها وللالتحام بها معها. في مثل هذا السيناريو لخرجوا رجالاً وعلي كل ضامر ومن كل فج عميق. ولكن يبدو أن حبيبنا في الله والوطن يحتفظ بأنصاره لليوم الأسود، أو لخط دفاع خلفي أخير. وفوق هذا والأهم، عندما هبت رياح الثورة في يوليو 2012، عمل علي إعاقتها قائلاً: "الثورة السودانية ستتبع النهج الدموي في كل من سورية وليبيا"، يفضّل كوديسته. ومغزي هذا التصريح أنه إشارة أو أمر بلغة رمزية، لجماهير الأنصار وحزب الأمة ألا يساهموا في الثورة. قرأت لكتاب ذكروا أن المهدي قد اُصيب بالخرف السياسي. بيد أنه قد ظل علي هذا المنوال، منذ أن اُخليت له تلك الدائرة الانتخابية، التناقض وقول الشيء الصحيح والعمل بنقيضه. ففي صراعه مع عمه الإمام المهدي، ذكر أنه يجب فصل الطائفة عن السياسة ليعود فيمسك بتلابيبهما، ودعي لضخ دماء جديدة للحزب، وما زالت الدماء متجددة في الثمانين، لأنه سيبلغ عمر النبي نوح. ربما يكون سلوك المهدي السياسي المتخبط في العقد الفائت هي بسبب بلوغه سن اليأس Menopause السياسي، وليس الخرف.
يقول "الشيخ" أن إحدي مرجعياته الأيدلوجية هي الديانة المهدية، وأصنفها كدين لأن رسولها قد قال: "من لم يؤمن بمهديتي فقد كفر". أي أنه ينوي حُكم جيل ثورة المعلومات وما بعد الحداثة في القرن الحادي والعشرين براتب المهدي، الذي اُوحي له في القرن التاسع عشر. لمعرفة رأي الشباب في العشرين وما فوق، عن ثالوث الميرغني وابن العاص ونسيبه، تجدني أحرص دائماً كلما جمعتني فرصة به بعد التمهيد، علي السؤال عن وجهة نظره عن هذا الثالوث. أجابني أحدهم بما معناه "أرجو تغيير الموضوع، أكاد أتقيأ"، ومن لغة وجهه وجسده خشيت أن يفعلها، تمنيت ساعتها لو كانت معي ثمرة ليمون. أس أزمة "الشيخ" هي أنه اختار مجالاً غير مؤهل له ولا يناسبه، هو السياسة والحكم الذي يتطلب مقدرات يفتقر لها؛ علي رأسها الشجاعة في اتخاذ القرار وسعة الأفق واتساع الرؤية، التنبؤ بتبعات القرارات الخاطئة، كإحتوائه لصهره في حكومته. ولو لا العلاقة البيولوجية بجده المهدي، لما سمع به أحد. كان أنسب طريق يسلكه "الشيخ" هو التفرغ لكتابة عقود النكاح وخطب الجمعة وحل النزاعات التي تحدث بين الأسر والبطون، من خلال "مجلس حل وعقد". أيضاً، هو ليس مؤهل لإصدار الفتاوي، فقد قال الشيخ أبوزيد، عن فتواه بجواز صلاة الأنثي بجوار الذكر، "دي قلة أدب".




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////