في الأسبوعين اللذين سبقا حرب 5 يونيو 1967، بادر جمال عبدالناصر باتخاذ إجراءات تصعيدية ضد إسرائيل. ففي يوم 17 مايو 1967، طرد قوة طوارئ الأمم المتحدة من سيناء وقطاع غزة. (أرسلها مجلس الأمن لحفظ السلام عقب العدوان الثلاثي عام 1956). وأرسل تعزيزات عسكرية لشبه الجزيرة، لتبلغ مئة ألف جندي وألف دبابة وأربع فرق مدفعية. وفي يوم 22 مايو أمر بإغلاق مضيق تيران، منفذ الدولة العبرية لخليج العقبة، وبالتالي منع الملاحة من وإلي ميناء إيلات الإسرائيلي. ثم فُتحت مراكز للمصريين للتبرع بالدم، ونشرت الصحف نداءً للمواطنين للتبرع بمرتب يوم لدعم المجهود الحربي. ذلك ما حدا وفد إسرائيلي برئاسة أبا ايبان وزير الخارجية لزيارة واشنطن؛ لإخطار الإدارة الأمريكية بأن مصر بصدد الهجوم علي إسرائيل، وأن هذه الأخيرة ستدافع عن نفسها، وطلب العون السياسي والدبلوماسي. (لم تكن العلاقة بينهما بالخصوصية الحالية في تلك الحقبة). ورغم أن القيادة الأمريكية كانت علي قناعة بأن ثمة حلول محتملة ستنزع فتيل الأزمة، إلا أنها قد جعلت كل الاحتمالات مفتوحة، فكانت حريصة علي جمع معلومات استخباراتية عما يدور في المنطقة التي أمست شديدة التوتر.

في تلك الأثناء، كانت سفينة التجسس الأمريكية ′يو إس إس ليبرتي′ USS Liberty، التي تشرف عليها وكالة الأمن القومي، تجوب الساحل الغربي لأفريقية لمراقبة حركة السفن السوفيتية في هذا الإقليم. فصدرت أوامر لها بالتوجه صوب منطقة شرق البحر المتوسط، بعد تزويدها بمترجمين للغتين العربية والعبرية. كانت ′ليبرتي′، التي كُتب عليها للتمويه "بحوث تقنية عامة"، أحدث سفينة تجسس في العالم من ناحية تكنلوجية، فهي مزودة بأجهزة إلكترونية تقوم بفك الشفرات والتنصت وإلتقاط وتسجيل الاتصالات. وحسب طبيعة عملها، فإن طاقمها ليس من العسكريين بل مهندسين وفنيين ولغويين. حين أشعلت حرب يونيو أوارها، أضحت ′ليبرتي′ غير بعيدة من المياه الإقليمية المصرية ناحية بورسعيد والعريش، تراقب سير الحرب وتسجّل ما يدور من مكالمات بين قادة دول المنطقة، والمكالمات بين القيادات العسكرية والقادة الميدانيين، وترسلها لقاعدة أمريكية في أثينا للتحليل. وعندما أحسّ وليام ماغونغل ربّان ′ليبرتي′ بأن المركب ليس بعيداً عن مسرح العمليات، أرسل رسالة للأسطول السادس، الذي كان في جزيرة كريت، يطلب فيها إرسال إحدي المدمّرات لحماية سفينته. فجاءه الرد من قائد الأسطول بأن ′ليبرتي′ في المياه الدولية، وأنها غير حربية، وبالتالي ليس ثمة خوف علي سلامتها.

يوم 8/6/1967 قامت طائرة إستطلاع إسرائيلية بالتحليق علي ارتفاع منخفض فوق السفينة ′ليبتري′، لفترات متقاربة امتدت لساعات. وبعد فترة تعرّضت لقصف قامت به طائرات إسرائيلية بالصواريخ، ثم عادت وقصفتها بقنابل تزن الواحدة منها ألف رطل، ضمنها قنابل النابالم، في طلعات بلغت 15 طلعة. بعد فترة، وصلت طوريبدات إسرائيلية وفتحت النار علي ′ليبرتي′ مما أدي لحريق هائل في أجزاء منها. حينئذٍ حاول بعض طاقم السفينة النجاة، فاُلقيت طوفات الإنقاذ علي سطح الماء للقفز عليها، ولكن الإسرائيليون فتحوا النار عليها. بعد حين، أرسل أحد الطوربيدات رسالة ضوئية لطاقم ′ليبرتي′ "هل تحتاجون لمساعدة؟" وعندما ردّ عليه الطاقم إيجاباً برفع العلم، وصلهم العون بسرعة البرق إذ كانت مزيداً من النيران. وبعد انتهاء القصف الذي استغرق أكثر من ساعة، وعودة الطوربيدات تجاه الساحل الإسرائيلي، اُصلح العطب الذي كاد أن يغرق السفينة. ورغم أن ماغونغل قد كان جريحاً، إلا أنه أشرف علي قيادتها مهتدياً بالنجوم لبر الأمان إلي جزيرة كريت. في نهاية المطاف، كانت حصيلة الهجوم موت 34 وجرح 171 من طاقم المركب، وكانت بعض الجثث قد جُمعت من أشلاء متناثرة. كانت الخسارة في الأرواح التي حدثت لليبرتي لم يحدث مثلها لسفينة أمريكية مذ الحرب العالمية الثانية.

بعد عدة ساعات من ذاك الهجوم اُستدعي الملحق العسكري لسلاح البحرية الأميركي في تل أبيب لوزراة الدفاع، واُبلغ بأن الهجوم علي ′ليبرتي′ كان عن طريق الخطأ، إذ حُسبت علي أنها مصرية. ثم أرسلت القيادة الإسرائيلية رسالة للإدارة الأمريكية تطلب دفن الأمر. فاُرسلت علي الفور أوامر من وزراة الدفاع ′البنتاغون′ لربّان السفينة بكتمان الأمر عن أجهزة الإعلام، وأوامر للناجين منها بعدم ذكر الحادث؛ وهُددوا بالأحكام العرفية والسجن، إن أدلوا بأية معلومات ليس فقط للإعلام، بل أيضاً لذويهم وزملائهم في المهنة. وهكذا كاد خبر ′ليبتري′ أن يُدفن إلي الأبد. لم يقتصر الأمر علي كتمان مذبحة تلك السفينة عن الرأي العام الأميركي. تقديراً للدور الذي قام به ماغونغل، فقد تم تكريمه فيما بعد بمنحه ميدالية الكونغرس للشرف. ولأن الميدالية أعلي وسام تشريفي تمنحه الحكومة الأميركية للعاملين بالقوات المسلحة، فقد جرت التقاليد علي أن تُجري مراسم تسليمها في حفل كبير في البيت الأبيض، وأن يقوم الرئيس نيابة عن الكونغرس بتسلميها للمحتفي به، بحضور أجهزة الإعلام. إلا أن مراسم تسليمها لماغونغل قد تمت في رئاسة سلاح البحرية؛ وبدلاً عن الرئيس، كان الذي سلمها له هو مدير عمليات البحرية، بالطبع دون حضور إعلامي، أي تجريد الرجل من حقه الأدبي. كل ذلك لعدم إثارة استياء اللوبي الصهيوني*.

الحادث الدرامي الثاني جري في ذات اليوم الذي تعرضت فيه ′ليبتري′ للهجوم -وهو في الواقع سبب ذاك الهجوم. قبل ساعات من تحليق طائرة الإستطلاع الإسرائيلية فوق ′ليبتري′، كانت القوات الإسرائيلية قد ارتكبت جريمة حرب، في سيناء عموماً وفي مدينة العريش بوجه خاص، ممثلة في قتل الأسري المصريين (عسكريين ومدنيين) بدم بارد. بعد تصفية مجموعة كبيرة من الأسري، طُلب من زملائهم حفر حفرة لدفن تلك المجموعة، وبعد الدفن فُتحت عليهم النار واُلقي بهم في ذات الحفرة. قد لا يبدو ذلك مثيراً للدهش من ناحية، إذ كان قائد الفرقة المدرّعة الإسرائيلية في المنطقة هو السّفاح الشهير، العميد أريل شارون. أما عن سبب الهجوم علي ′ليبتري′، فقد أيقنت القيادة الإسرائيلية أن السفينة قد قامت بتوثيق تلك الجريمة، فكان الهدف إغراقها وقتل جميع طاقمها لكي يُعدم الدليل عليها، أي ارتكاب مذبحة غطاءً لأخري. ذلك هو تحليل وكالة الأمن القومي الذي بُني علي شهادة الناجين، الذين أجمعوا علي أن النحو الذي هُوجموا به كان يهدف بعدم نجاة اياً منهم. أيضاً، ضمن الذين أكدوا علي أن الهجوم كان مقصوداً: ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية عام 1967، الأدميرال توماس مور (أصبح فيما بعد قائد هيئة أركان الجيش الأمريكي)، لويس باتل مساعد وزير الخارجية. وكان الأخير قد لمّح لسبب الهجوم قائلاً: ربما كان الإسرائيليون يفعلون شيئاً أثناء الحرب يودون إخفاؤه عنا.

بخصوص الادّعاء الإسرائيلي أن السفينة حُسبت علي أنها مصرية، فإن ′ليبرتي′ كانت أكبر حجماً من كل السفن المصرية، وكانت حروف الكلمات المكتوبة عليها بلسان لاتيني مبين. علاوة علي أن جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي قد كان (ومازال) كفءاً ومتقدما، إذ كان ضمن القواعد الجوية التي دُمرت في الساعات الثلاث الأولي من الحرب واحدة في العمق المصري هي قاعدة الأقصر. بعبارة أدق، جهاز استخبارات بهذا المستوي لن يستعصي عليه رصد أو تمييز جميع سفن وقِطع سلاح البحرية المصري. وفوق هذا أن اسم السفينة نفسه يشير إلي أنها أمريكية United States Ship (USS)، وأن الطقس كان صحواً مما يجعل رؤية العلم الذي ترفعه أمراً يسيرا، وأن عدم رد ′ليبتري′ علي نيران الطائرات والطوربيدات هو إشارة لأنها غير حربية. وحسب التقاليد العسكرية، عندما يحدث هجوم بهذا الحجم عن طريق الخطأ؛ فإن الذين ضلعوا فيه يواجهون نوعاً من التأديب أو المحاسبة، كتجريد من رتبة أو تجميد الترقيات أو توبيخ أو تحذير. ذلك ما لم يحدث إطلاقاً للذين نفذوا مذبحة ′ليبتري′. ومغزي ذلك أن هذا الهجوم قد كان تنفيذاً لأوامر من جهات عليا في إسرائيل. وعندما طالبت الحكومة الأمريكية رصيفتها الإسرائيلية دفع تعويض عن السفينة، التي بلغت كلفتها أكثر من ثلاث مئة مليون دولار، دفعت الأخيرة ستة ملايين دولار، بعد مماطلة استمرت لسنين عددا، إذ تم الدفع في عام 1980. (لم تعد ′ليبرتي′ صالحة للعمل وبيعت كخردة بمبلغ مئة وخمسين ألف دولار).

وبعد أن قامت الولايات المتحدة بقمع حرية الإعلام، أحد القيم التي تدعيها بشأن كتمان نبأ مذبحة ′ليبرتي′، وتبخيس الدماء الأمريكية التي سُفكت، وإبطال أحد تقاليدها فيما يتعلق بتشريف ماغونغل، لم ينقطع عنا خبرها، إذ وصلنا بتحليل وتفصيل جُمع من مقابلات ووثائق في كتاب جيمس بامفورد "ذخيرة أسرار: تشريح أسرار وكالة الأمن القومي من الحرب الباردة إلي بزوغ القرن الجديد"، الصادر عام 2001*. وبعد تنفيذ إسرائيل لمذبحة الفُلك المذكور لكيما تخفي جريمة تصفية الأسري، لم يتواتر إلينا أثرها من مصادر مصرية فحسب، بل أيضاً من عدة مصادر إسرائيلية. الأول، المؤرخ العسكري غابي برون، الذي حارب في سيناء ضمن قوات الإحتياطي، وكتب عنها في صحيفة ′يدعوت احرنوت′ (17/8/1995)، وذكر أنه رأي تصفية 150 أسيرا. الثاني، المؤرخ العسكري دكتور أريه ايتزاكي الذي قدّر عدد الذين تمت تصفيتهم بتسع مئة، حسب معلومات استقاها من مقابلات أجراها مع عشرات الجنود الصهاينة الذين حاربوا في سيناء. وأخيراً، الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "روح شاكيد" الذي عُرض عام 2007 وأشار إلي إعدام 250  أسيرا.

-------------------------

* فقط بعد أن اُصيب ماغونغل بالسرطان عام 1996، تطوّع بتزويد الكاتب بالمعلومات عن الحادث.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.