عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

وضّحنا في مقال سابق تخلي "الإسلاميين" عن المشروع الإسلامي الذي لم يكن موجوداً في الأساس, وذلك بعدة أشياء ضمنها عدم تطبيق الحدود, والعمل علي تفسخ قيم مجتمع كان أكثر المجتمعات محافظة. كما وضحنا نموذجين موثقين عن بُعدهم عن مكارم الأخلاق التي دعا لها الإسلام (نافع ومصطفي إسماعيل), وإتصافهم بالتكبر والعجرفة بعد أن أخذتهم العزة بالإثم من نشوة السلطة. بالإضافة إلي أنهم حذفوا صفة "الإسلامي" عن حزبيهما الشعبي والوطني مما يعني أن وصفهم كإسلاميين أصبح مسألة تاريخية, كوصف الحزب الإتحادي. لذا فإن أي إستعمال لصفة "الإسلاميين" أو وصف حركتهم ب"الإسلامية" في هذا المقال لا يعدو كونه إستخداماً مجازياً أو تاريخيا.

 

هناك أوجه شبه عديدة بين الحركة الإسلامية السودانية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتمثل وجه الشبه بينهما في أنهما حركتان تستغلان الدين لتحقيق ماّرب سياسية, كما أنهما تشتركان في اّليات العمل مما مكّنهما من تحقيق مكاسب سياسية أكبر بكثير من حجمهما الحقيقي.

 

لا بد أولاً من إلقاء نظرة موجزة عن الحركة الصهيونية واّليات عمل اللوبي الصهيوني في أمريكا ليتثني إجراء هذه المقارنة. بدأت الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر كحركة سياسية تهدف إلي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وإستخدمت الحركة الصهيونية القوة أو التهديد بالقوة والمذابح لإنجاز أهدافها كما حدث عند إحتلال الأراضي الفلسطينية والعربية في عامي 1948 و 1967. كما تستخدم الصهيونية نفوذها الواسع في التأثير علي السياسات الغربية خاصة الأمريكية بعدة وسائل. وتتدعي الصهيونية أن حيازة الأراضي الفلسطينية هو أمر له مرجعية دينية في العهد القديم, ولا يمنع تحقيق ذلك الهدف من إسالة الدماء كما حدث للفلسطينيين.

 

ولا تقتصر المكاسب التي حققتها الحركة الصهيونية في الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً علي السياسة الخارجية كرعاية إسرائيل وغزو العراق, إنما أيضاً في بعض السياسات الداخلية. ويتضح ذلك في سن قوانين إثارة الكراهية ومعاداة السامية, والذي يمكن إستعماله أحياناً مطية حتي ضد النقد الأكاديمي لإسرائيل. بالإضافة إلي قوانين ردع من ينكر الهلوكوست ردعاً قاسياً, بينما نجد أن إنكار وجود الله مسموح به ويندرج تحت حرية الإعتقاد. وقد حقق اللوبي الصهيوني مكتسبات هامة لأنه يعمل كجماعة ضغط نافذة في الكونقرس والمؤسسات السياسية الأخري كالأحزاب.

 

وكالفرق بين الدين الإسلامي وحركات الإسلام السياسي التي تتخذ الإسلام ستاراً لتحقيق أهدافها, لا بدّ من التفريق بين اليهودية كدين سماوي والصهيونية كحركة سياسية تستغل الدين لتحقيق أهداف سياسية. فمثلاً هناك طائفة اليهود الأرثوذكس التي لا ترفض وتستنكر السياسات الإسرائيلية فحسب, بل ترفض قيام إسرائيل من أساسه في أرض فلسطين, وتري أن اليهود ليس لديهم حق إنشاء وطنهم قبل قدوم المسيح حسب الاّية رقم 111 من التلمود.

 

ويصف الأرثوذكس الصهيونية بأنها حركة قومية عنصرية تجافي تعاليم التوراة. وقد زار وفد ممثل لهذه الطائفة إيران وساهم في مداولات مؤتمر عن المحرقة في ديسمبر 2009, وزار أيضاً وفداً لها لبنان وإلتقي بالشيخ حسن نصرالله عقب حرب صيف 2006. كما زار وفدها قطاع غزة في منتصف 2009 في تضامن مع الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي الأخير.

 

ورغم أن معظم اليهود - البالغ عددهم أقل من سبعة مليون - في أمريكا يصوتون للحزب الديمقراطي, إلا أن اللوبي الصهيوني يحتفظ بعلاقات نافذة وقنوات إتصال بالحزب الجمهوري أيضاً وذلك لتحقيق ماّربه. ولكي يحصل ذلك اللوبي علي أكبر قدر من المكاسب فإن له مؤسسات ثنك تانك تقوم بتفريخ المستشارين والمسؤولين للإدارات الأمريكية جمهورية كانت أم ديمقراطية.  ففي إدارة بيل كلنتون مثلاً, قام معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني بتقديم مارتن إنديك - الذي عمل سفيراً في إسرائيل - كمساعد لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدني.

 

أما في إدارة جورج بوش الإبن, فقد قام المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي بتذويده بريتشارد بيرل (من مهندسي غزو العراق) الذي عمل مستشاراً للسياسة الخارجية وفي لجنة السياسة الدفاعية في البنتاقون. وكان ريتشارد بيرل قد تمّ فصله في سبعينيات القرن الماضي من مكتب السناتورهنري جاكسون, لأنه قام بتسريب أسرار عسكرية للسفارة الإسرائيلية في واشنطن. بالإضافة إلي هنري كيسنجر الذي كان مسيطراً علي تسيير السياسة الخارجية في إدارتي رتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

 

بالإضافة إلي ذلك فأن اللوبي الصهيوني يحقق أهدافه من خلال النفوذ المالي وذلك لأنه يهيمن علي أسواق المال والإستثمار. وقد مكنه ذلك من دفع التبرعات السخية للمرشحين الرئاسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. يعمل هذا اللوبي أيضاً خلال الوسائط الإعلامية والإعلام المضاد لتوجيه الرأي العام لأهدافه. يملك اللوبي الصهيوني العديد من الصحف وشركات صناعة السينما وقنوات التلفزيون الترفيهية. ويرأس وكالة أنباء أسوشييتت برس أحد الصهاينة هو دولاند نيوهاوس. ومن ضمن الصحف التي يمتلكها اللوبي الصهيوني الواشنطن بوست وول ستريت جورنال ونيويوك تايمز ويو إس نيوز.

 

ظهرت الحركة الإسلامية السوداينة في أكتوبر عام 1964, وحصلت علي خمسة نواب ضمن تحالف جبهة الميثاق الإسلامي في أول إنتخابات تخوضها عام 1965. ثم تقلّص وزنها البرلماني إلي ثلاثة نواب في إنتخابات عام 1968. ورغم هذا الإنحسار, فإنها كاللوبي الصهيوني في أمريكا, قد حصلت علي مكاسب سياسية أكبر بكثير من حجمها. وتتمثل تلك المكاسب في حل الحزب الشيوعي عام 1965 ومشروع الدستور الإسلامي عام 1968.

 

كيف يمكن لخمس نواب الحصول علي "مكسب" حل الشيوعي والتشريعات البرلمانية تحتاج إلي نِصاب كبير لإجازتها؟ وكيف يمكن لثلاثة نواب طرح ونقاش مشروع دستور جديد والدستور هو الذي يحدد أساس الدولة ومؤسساتها وعلاقتها ببعض؟

 

 كانت الحركة الإسلامية - كاللوبي الصهيوني - تعمل كجماعة ضغط تحصل بموجبها علي تنازلات من الحزبين الكبيرين (الأمة والإتحادي), خاصة حزب الأمة إذ يدخل عامل الترضيات الأسرية. وكالحركة الصهيونية التي تستغل التعاطف مع اليهود خاصة المحرقة النازية, فإن الحركة الإسلامية إستغلت المشاعر الدينية لدي السودانيين فأثارت حملة إعلامية وسياسية ضخمة أدت لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان.  كما تمكنت من طرح ونقاش مشروع الدستور الإسلامي عام 1968 رغم أن عدد النواب الإسلاميين كان ثلاثة فقط.

 

وكاللوبي الصهيوني, ركّزت الحركة الإسلامية السودانية علي الهيمنة علي النظام المصرفي والإقتصادي بعد المصالحة الوطنية مع الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1977. وأنشأت عدة مصارف "إسلامية" كبنك البركة الإسلامي وبنك فيصل الإسلامي الذي كانت جملة أرصدته وتعاملاته قد بلغت 800 مليون جنيه عام 1984, علماً بأن ميزانية الحكومة لذلك العام كانت 1000 مليون مما يعني وجود دولة مالية وإقتصادية داخل الدولة.

 

كما حصلت هذه الحركة علي نفوذاً أكبر من حجمها في لجنة إنتخابات عام 1986. ونتيجة لهذا النفوذ تمت صياغة قانون إنتخابات دوائر الخريجين بحيث يسمح للمقترعين التصويت في تلك الدوائر علي أساس قومي علي نطاق السودان, بحيث تمّ تصعيد نواب إسلاميين من دوائر الجنوب المسيحيّ! وقد إستغلت الحركة الإسلامية إمكانياتها المالية التي "جاهدت" لتكوينها في الإنتخابات الأخيرة, إذ حازت علي غالبية مقاعد دوائر الخريجين. كما ساعدت إمكانيات الإسلاميين المالية كوادرهم علي  التصويت لتلك الدوائر في كل أنحاء العالم.  

 

وكاللوبي الصهيوني, تعمل الحركة الإسلامية السودانية خلال الوسائط الإعلامية لبث دعايتها لتحقيق أهدافها, فقد كانت تمتلك في الفترة الديمقراطية الأخيرة 1985- 1989 عدة صحف بينها الراية والاسبوع وألوان. وكانت الأخيرة قد نزلت برسالة الإعلام إلي الدرك الأسفل بحيث نتحرج أن نصفها بمفردة لائقة ومناسبة لأنها قد تهبط بالمستوي اللغوي لهذا المقال. وذلك لأنها عملت علي تأجيج الصراع العنصري والديني والشتائم والإشاعات وإغتيال شخصية الخصوم السياسيين ورسوم كاركتيرية تسيء لرموز وطنية وإسلامية يكن لها السودانيون إحتراما تماماً كالإعلام الصهيوني.

 

وفي سعيها لإثارة المشاعر الدينية للرأي العام, كانت صحف الجبهة الإسلامية تصف الحركة الشعبية  في تلك الفترة التي سعت فيها بقية الأحزاب الأخري للسلام بربائب الكنائس وعملاء الماركسية. كما كانت تصف السياسيين الذين أسسوا قنوات إتصال بالحركة الشعبية في سعيهم للسلام بالطابور الخامس. وكان هدف الحركة من إثارة المشاعر الدينية هو عدم الوصول للسلام مع الحركة لأن ذلك يجعلها ليست حزب ذي شأن.

 

وكمثال علي التضخيم الإعلامي مقارنة بالإعلام الصهيوني, فإن المسيرة التي نظمتها الجبهة الإسلامية لمبايعة إمام المسلمين جعفر نميري - مُجدد المائة - عام 1983, قد سمّوها المليونية, علماً بأن كل عدد الذين أدلوا بأصواتهم لتلك الجبهة في إنتخابات 1986 كان سبعمائة ألف ونيف. هذه الإحصائية حسب لجنة الإنتخابات كانت بعد ثلاث سنوات من تلك "المسيرة المليونية", مما يعني التضخيم الإعلامي المبالغ فيه لأنها كسبت مؤيدين جُدد خلال تلك الثلاث سنوات.

 

وكالحركة الصهيونية التي اراقت الدماء الفلسطينية والعربية, فإن الحركة الإسلامية السودانية قد أراقت الدماء كالحرب الجهادية في الجنوب وإيجاد سند ومرجعية دينية لها ووعد "المجاهدين" بدخول الجنة. وفي خلال الحرب الأخيرة في قطاع غزة قام حاخامات الجيش الإسرائيلي بإصدار فتوي تحث الجنود الإسرائيليين علي إراقة دماء العدو والقسوة معه والبطش به لنيل الأجر.

 

وإضافة لإسلوب عمل الحركة الصهيونية, إستخدمت الحركة الإسلامية السودانية وسائل أخري كغرس عسكريين إسلاميين في الجيش لتنفيذ إنقلابها في يونيو 1989, وغرس كوادرها في النقابات المهنية كالجزولي دفع الله في نقابة الأطباء. بالإضافة إلي ممارسات سياسية غير أخلاقية لم تعرفها الثقافة السياسية السودانية, كغرس كوادرها في الأحزاب الأخري لتمرير مخططاتها في داخل تلك الأحزاب والبرلمان. ومثال لذلك حسين أبوصالح الذي تمّ غرسه في الحزب الإتحادي الديمقراطي. وبدلاً من فائدة البلاد بتخصصه الرفيع فقد أعجبه كرسي الوزارة الوثير فعمل وزيراً في كلٌ من الحكومة الإنتقالية والديمقراطية ونظام "المشروع الحضاري." ولم تنقصه الخبرة السياسية إلا أن يعمل في حكم ملكي.

 

أما الإختلاف بين اللوبي الصهيوني والحركة الإسلامية السودانية هو أن الأول له مباديء وثوابت واضحة لا يحيد عنها, بينما تتلون الثانية كالحرباء. فبينما ذكر الترابي أثناء ثورة أكتوبر أن حل مشكلة الجنوب يتمثل في إزاحة النظام العسكري, قام بالإنقلاب علي النظام الديمقراطي في 1989. ولم يتحدث عن الفساد وإنتهاكات حقوق الإنسان إلا بعد إنقلاب السحر علي الساحر في رمضان 1999. ويتلون الترابي كتلون مصطفي سعيد الذي "يلبس لكل حالة لبوسها", وأحدث مثال لهذا التلون هو تفسيره الجديد للجهاد. فبعد أن كان الجهاد - حينما كان ملكاً علي السودان - هو قتل النفس التي حرم الله وجزاؤه الحور العين وجنة النعيم هي المأوي, أصبح تعريف الجهاد في مؤتمر جوبا قبل يومين بأنه "جهد ومساعدة."

 

وتجدر الإشارة إلي أن المبادرة بالإستفادة من أدوات واّليات وتكتيكات الحركة الصهيونية وتطبيقها في السودان, من قِبل الحركة الإسلامية قد جاء بعد إنفتاحها علي الثقافة الغربية وتخليها عن أفكار أبوالعلاء المودودي وسيد قطب وحسن البنا. وقد جاءت المبادرة بعد دراسة كوادر الإسلاميين في الغرب - بداية بشيخهم - وإستيعابهم ومعايشتهم لتفاصيل عمل الصهيونية, وإعجابهم بإنجازاتها رغم ضاّلة حجمها وذلك بإستغلال النفوذ الإعلامي والمالي والمشاعر الدينية.