عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

كانت إيران منذ عام 1925 تحت حكم رضا خان الذي نصّب نفسه شاه. ثمّ خلفه إبنه الشاه رضا بهلوي في الأربعينيات من القرن الماضي. وكانت بريطانيا في تلك الحقبة تحتكر إكتشاف وتكرير وتسويق النفط الإيراني عبر شركة النفط الأنجلو-إيرانية التي كانت معظم أسهمها تمتلكها الحكومة البريطانية. وقد كان نصيب إيران من إيرادات النفط أقل مما تدفعه تلك الشركة للحكومة البريطانية من ضرائب. وكان عائد بريطانيا من إستغلال النفط الإيراني قد بلغ في عام 1950 أكثر مما حصلت عليه إيران خلال نصف قرن من فوائد نفطها.

 

وفي عام 1951 تمّ إنتخاب محمد مصدّق رئيساً للوزراء في إنتخابات حرة ونزيهة. وقد عمل مصدّق علي رفض الهيمنة البريطانية علي صناعة النفط, وطرح مشروع قانون بتأميمها علي البرلمان (المجلس) وتمت إجازته من قبل المجلس عام 1951. وقد وجد هذا القانون ورئيس الوزراء شعبية فائقة لأنه كان سيعمل علي رفع المعاناة عن كاهل الإيرانيين بالتنمية وتحسين الخدمات. وكان مصدّق أول زعيم يتحدي الهيمنة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط ويحظي بتلك الشعبية لذا فقد كان رجل جريدة التايمز لعام 1952 التي أطلقت عليه "جورج واشنطن الإيراني." 

 

وقبل إقدام مصدّق علي التأميم إقترح علي بريطانيا إقتسام فوائد النفط بنسبة 50 في المائة لكل من إيران وبريطانيا, إلا أن بريطانيا رفضت هذا العرض. إضطر ذلك مصدّق لإعلان التأميم وإستدل بتأميم بريطانيا لصناعة الفحم والصلب. لجأت الحكومة البريطانية في الأول إلي مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية لإلغاء التأميم بحجة أن إيران قد نقضت الإتفاقية, إلا أنها فشلت في ذلك. وفرضت بريطانيا حصاراً إقتصادياً علي إيران. ثم عملت المخابرات البريطانية في طهران علي زعزعة النظام ليتثني تغييره. ولما أدرك مصدّق ذلك طرد البعثة الدبلوماسية البريطانية في بلاده عام 1952. وبما أن المخابرات البريطانية قد فقدت موطيء قدمها في إيران بعد طرد بعثتها, فقد لجأت بعد ذلك إلي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتغيير نظام مصدّق.

 

أدرك تشرشل أن تأميم النفط لا يمكن أن يكون حجة مقنعة لإزاحة مصدق لدي الأمريكان, لذا لجأ إلي إلصاقه بتهمة الشيوعية علماً بأنه لم يكن لديه وزيراً واحداً من الشيوعيين في حكومته. ترددت الإدارة الأمريكية في الأول واّثرت إستعمال الدبلوماسة, إلا أنه تمت الموافقة بعد وصول ايزنهاور للإدراة عام 1953. ولم تكن أمريكا لتجرؤ علي تغيير نظام مصدّق بالغزو المباشر لإن إيران لها حدود مع الإتحاد السوفيتي الذي كان في أوج قوته بعد الحرب العالمية الثانية تحت ستالين.

 

لذا لجأت للتغيير غير المباشر رغم إعتراض السفير الأمريكي في طهران الذي ذكر بأن مصدّق يحظي بشعبية تبلغ 95 في المائة. صدّق تشرشل وايزنهاور علي العملية التي أُوكلت إلي السي اّي ايه والإس اّي إس (المخابرات البريطانية). واّلت رئاسة العملية إلي كيرمت روزفلت المسئول عن قسم الشرق الأدني وأفريقيا في وكالة المخابرات الأمريكية, ورُصدت لها ميزانية تبلغ مليون دولار. ومما سهل من العملية أن مدير المخابرات الأمريكية كان شقيق وزير الخارجية دالاس.

 

كانت الخطة تهدف إلي إقناع الشاه - والذي يبيح له الدستور تسمية رئيس الوزراء - إلي إصدار ثلاث قرارات ملكية. يقضي الأول بإقالة مصدّق, والثاني بتعيين رئيس وزراء يوافق عليه الأمريكان, والثالث بخضوع الجيش للبلاط البهلوي. وحسب الخطة فإن الضغط علي الشاه سيتم من خلال شقيقته إشراف بهلوي - التي تمت رشوتها - والجنرال الأمريكي نورمان سجارزكبف.

 

في الأول تردّد الشاه في الإقدام علي تلك الخطوات لأنه كان يشك في ولاء الجيش له, إلا أن عملاء السي اّي ايه واصلوا الضغط عليه طيلة شهري يوليو وأغسطس عام 1953, وأكدوا له بأن بريطانيا وأمريكا تؤيدان تغيير مصدّق. وحذّره العملاء بأنه إن لم يوقع علي تلك القرارات فإن عرشه سيزول ويستولي الشيوعيون علي الحكم. إضطر الشاه للتوقيع ثمّ إنزوي خائفاً من اّثارها في أحد منتجعاته علي ساحل بحر قزوين.

 

أرسلت وحدة بقيادة كولونيل لإعتقال رئيس الوزراء في منزله ليلاً, إلا أنه قد تمّ إعتقالها. وفي فجر اليوم التالي أعلنت السلطات أنها قد إكتشفت المؤامرة وأذاع راديو طهران بأنها تمت بمساعدة خارجية. بعد سماع الأنباء هرب الشاه إلي بغداد ومنها إلي روما.

 

في تلك الأثناء تمّ توجيه الإعلام الإمريكي والبريطاني لإثارة حملة ضد مصدّق فقالت التايمز "إن إنتخابه كان أسوأ كارثة للعالم المضاد للشيوعية منذ الزحف الأحمر الصيني في الأربعينيات." ووصفته نيويوك تايمز بالدكتاتور وشبّهته بستالين وهتلر. كما خرجت نيوزويك بمانشيت مثير يقول بأن "الشيوعيين يسيطرون علي إيران."

 

ثمّ تواصلت مساعي خطة الإنقلاب  بصرف مبلغ مائة وخمسين ألف دولار لرشوة خطباء مساجد الذين وصفوا مصدّق بأنه يهودي وملحد وكافر. وكما تمّ شراء صحفيين لإثارة حملة تشكيك في مصدق. وقد أصدرت بعض الصحف كاركتيرات تصور مصدّق علي أنه شاذ جنسياً. إلا أن مصدق كانت لديه قناعة مطلقة في الديمقراطية وحرية التعبير لذا رفض قهر الصحافة والحريات المدنية وخرق القانون. كما تمت رشوة نواب برلمانيين لسحب الثقة من رئيس الوزراء. ولما أدرك مصدّق ذلك, دعي لإستفتاء شعبي لحل البرلمان والدعوة لإنتخابات جديدة ونجح في ذلك الإستفتاء في أغسطس 1953.

 

 

وتم إيجار عصابات شوارع بملغ خمسين ألف دولار لإثارة القلاقل والهجوم علي منازل رجال الدين وتصوير الأمر كأنه حدث من مؤيدي مصدق. عملت تلك العصابات أيضاً علي تحطيم المحال التجارية وضرب المارة وإطلاق النار علي بعض المساجد. ولما أُرسلت وحدات الشرطة لحفظ النظام إنضمّ بعض ضباطها الذين تمّ شراؤهم للمتظاهرين. وتمّ إحراق دور الصحف المؤيدة للحكومة ووزارة الخارجية وقيادة الشرطة وراديو طهران.

 

وقد تمّ إرسال وحدة جيش مذودة بدبابات لإعتقال مصدّق إلا أن حرسه قد أبدي مقاومة سقط خلالها العشرات من الجانبين مما إضطر مصدق لتسليم نفسه. ثم أُحرق منزله بعد أن سُرقت محتوياته وأساسه. وقد كان مصدق الحاصل علي دكتوراة في القانون من إحدي جامعات أوربا أكثر إيماناً بالديمقراطية من بريطانيا وأمريكا. وذلك لأن حزب تودة عندما تأكد من المؤامرة ضد النظام عرض عليه تسليح كوادره للدفاع عن الديمقراطية ولكنه رفض.

 

وقد اختير البديل الجنرال المتقاعد فضل الله زاهدي الذي تلقي مبلغ 130,000 دولار. أعلن زاهدي من راديو طهران أنه رئيس الوزراء الشرعي حسب أمر الشاه ثمّ عاد الشاه لإيران. وبعد نجاح الإنقلاب, أمر الشاه بإعدام حسين فاطمي وزير الخارجية المؤيد لمصدّق, بالإضافة إلي إعدام العشرات من مؤيدي مصدّق من العسكريين وقادة الحركة الطلابية. وكان نصيب مصدّق السجن ثلاث سنوات ثمّ الإعتقال المنزلي في إحدي القري حتي وفاته. وكانت هذه العملية أول تجربة للسي اّي ايه لتغيير نظام من اساسه, إذ كان معظم نشاطها ينحصر في رصد النشاط الشيوعي ودعم الأحزاب المناوئة للشيوعية في أوربا. 

 

وقد كان نصيب أمريكا من إزاحة مصدّق الحصول علي 40 في المائة من أسهم شركة النفط الإيرانية القومية من جراء مجهودها في إزاحة مصدّق. وكان نصيب بريطانيا أيضاً 40 في المائة مما يعني أقل مما إقترحه مصدق قبل إقدامه علي التأميم وهو 50 في المائة لبريطانيا.

 

وقد أدت إزاحة مصدّق إلي تغيير تاريخ إيران بتحطيم الأسس الديمقراطية بعد وصول الشاه, الذي أسس نظام دكتاتوري قمعي بحماية جهاز السافاك الذي تلقي خبرة من الموساد الإسرائيلي. وقد أساء الشاه لمشاعر الإيرانيين الدينية إذ كان يقدم الخمر عند زيارة المسئولين الغربيين له. وقد أدت سياسات الشاه لغرس بذور عداء الإيرانيين لنظامه لذا حظت ثورة الخميني عام 1979 بشعبية طاغية. وقد تسبب قيام الأمريكان بإزاحة مصدّق ودعم الشاه في العداء الرسمي والشعبي لأمريكا كان من نتائجه إحتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران لمدة 444 يوماً, بالإضافة إلي شعبية شعار "الموت لأمريكا."