عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تُعتبر الديمقراطية اللبرالية علي نهج وستمستر أنسب أشكال الحكم تمثيلاً للمواطنين. ورغم أنها لا تتسم بالكمال إلا أنه لا يوجد نظام حكم أفضل منها. ذلك لأنها أفضل أساليب الحكم التي توصل إليها تطور الفكر السياسي الإنساني , إذ أنها تحفظ كرامة الإنسان من خلال الفصل بين السلطات ومحدودية دورة البرلمان والحكومة. وقد حققت الديمقراطية إزدهاراً في الغرب لمقدرتها علي المرونة والتكيف مع المستجدات حيث تمّ تضمين البعد الإجتماعي فيها في بعض الدول.

 

وبعكس الديمقراطية , فإن أسوأ مخاطر الأنظمة الدكتاتورية تتمثل في مقدرتها علي تشويه المواطن نفسياً ومعلوماتياً من خلال المناهج التعليمية والإعلام الذي تحتكره الدولة. وقد كان نتيجة ذلك في السودان وجود جيل عاش عشرين عاماً تحت نظام قهر بحيث لا يعرف معظمه من هو إسماعيل الأزهري, إذ أن الإعلام الحكومي يصوّر عيد الإنقلاب علي أنه أكثر أهمية من الإستقلال كأنما السودان قد تمت ولادته في يونيو 1989.

 

ولا يشكك النقد في هذا المقال في الديمقراطية التي إختارها الاّباء المؤسسون غداة الإستقلال كنظام حكم أمثل لقطر متنوع كالسودان. إنما يهدف إلي نقد الممارسات التي صاحبتها ولربما يؤدي إلي تفاديها في المستقبل.

 

بدأ الصادق المهدي مسيرته السياسية في فترة الديمقراطية الثانية أكتوبر 1965- 1969 بإقصاء محمد أحمد محجوب من رئاسة الوزارة عند إكماله الثلاثين. وقد كان سبب إقصاء المحجوب - الدبلوماسي الضليع - أن المهدي قد أشار إلي تقدمه في العمر إذ كان قد بلغ واحد وستين من العمر بينما مازال المهدي يمارس السياسة وقد تخطي السبعين. أدي ذلك لإنقسام حزب الأمة إلي جناحين أحدهما برئاسة الصادق المهدي , والثاني بقيادة عمه الإمام الهادي المهدي. كما أدي ذلك لإضعاف حزب الأمة لأنه فقد العديد من الدوائر الجغرافية منها عشر في في دارفور وكردفان.

 

كما كان لإنقسام حزب الأمة أثراً كبيراً في عدم إستقرار الفترة الديمقراطية الثانية لأنه تسبب في قيام عدة حكومات إئتلافية , الأولي بين جناح الإمام الهادي والحزب الوطني الإتحادي , والثانية بين جناح الصادق والإتحادي , والثالثة بين جناح الإمام والإتحادي الديمقراطي. وقد تحالف الصادق المهدي مع جبهة الميثاق الإسلامي في الترويج لمشروع الدستور الإسلامي عام 1968. وقد تسبب عدم الإستقرار السياسي الذي نتج من تعدد الإئتلافات والإهتمام بالدستور الإسلامي والأزمة الدستورية الناتجة عن حل الحزب الشيوعي في تجاهل التنمية وحل أزمة الجنوب مما أدي لإنقلاب مايو 1969.

 

أما في الفترة الديمقراطية الثالثة أبريل 1986 - يونيو 1989, فقد كانت أكبر عقبة في ترسيخ الديمقراطية هي اّثار حقبة مايو التي سبقتها المتمثلة في قوانين سبتمبر 1983 , المشهورة بتقييدها للحريات وتمييزها للمواطنين علي أساس ديني , مما أدي إلي تجدد  الحرب الأهلية في الجنوب. وقد أعلن رئيس الوزراء الصادق المهدي بعد الإنتخابات الدعوة إلي برنامج إصلاحي يهدف إلي "إجتثاث الخراب المايوي" أما "قوانين سبتمبر فهي في طريقها لمزبلة التاريخ" (الايام 8-7-1986).

 

ولأن تلك القوانين قد أضرت بالوحدة الوطنية فقد ذكر الصادق المهدي بعد تشكيل حكومته الأولي بأن: "الوحدة الوطنية لا تكتمل إلا بعزل الجبهة الإسلامية" وأن حكومته "الإئتلافية أكثر قومية لعدم مشاركة الأخوان فيها" (السياسة الكويتية 17-12-1986). ولأن من أسوأ اّثار عهد مايو هيمنة الأخوان المسلمين علي الإقتصاد والنظام المصرفي , فقد أدان الصادق المهدي الجبهة الإسلامية في ندوة سياسية حزبية يوم 24-10-1987 قائلاً أن: "الأخوان المسلمين عملوا علي تخريب الإقتصاد عن طريق المصارف الإسلامية والمتاجرة بالدولار".

 

ماذا فعل سيادته "لإجتثاث الخراب المايوي" ورمي قوانين سبتمبر "في مزبلة التاريخ"؟

 

رأس الصادق المهدي أربع حكومات في الفترة الديمقراطية الثالثة. وقد أدخل في حكومته الرابعة  في مايو 1987 حسن الترابي وزيراً للعدل بعد أن وصفه رئيس الوزراء قائلاً: "عليه المسئولية عن كل تصرفات نميري بإعتباره المسئول الأول عن قانونية تصرفات الحكومة" (صوت الأمة 26-3-1986). وجاء دخول الترابي للوزارة بعد ستة أشهر فقط من خطاب الصادق في ذلك الحشد الحزبي يوم 24 أكتوبر 1987 والذي أدان فيه الجبهة الإسلامية بتخريب الإقتصاد والمتاجرة بالدولار. وكان الصادق المهدي قد سبق أن وصف الجبهة الإسلامية قائلاً: "بأنها أصبحت وعاء يجمع فلول مايو" (صوت الأمة 17-11-1985).

 

فبدلاً من إزاحة وعاء مايو , تحولت تلك الحكومة إلي وعاء أوسع لمايو إذ ضمت إضافة إلي الترابي الذي كان النائب العام لنميري , كلٌ من عبدالماجد حامد خليل النائب الأول لنميري , وأحمد عبدالرحمن وزير داخلية نميري عن الجبهة الإسلامية , ومحمد يوسف محمد (جبهة إسلامية) لرئاسة الجمعية التأسيسة , مما إضطر بروفيسر محمد أبراهيم خليل للإستقالة. حدث ذلك بعد ستة أشهر فقط من رفض الصادق المهدي لتعيين أحمد السيد حمد في مجلس رأس الدولة بإعتباره من سدنة مايو , رغم أنه منصب رمزي.

 

وكان أول قرارت الترابي كوزير عدل هي التوصية بعدم مضي الدولة قدماً في تحقيقات  فساد البترول في عهد نميري , تحت مادة في القانون تبيح للنائب العام الحق في سحب ملف أي قضية قبل إصدار الحكم. وهي مادة المفترض أن يلجأ إليها النائب العام لتحقيق مصلحة عامة فقط. وقد كانت هناك سرقة في صفقات البترول عندما إشترك الأخوان المسلمين في نظام مايو كان سرها قد ذاع في المحافل المالية الدولية.

 

كان من ضمن أسباب عدم إستقرار الديمقراطية الثالثة أيضاً توتر العلاقة مع الحزب الحليف في عدة إمور منها رفض المهدي لتعيين أحمد السيد حمد في عضوية مجلس رأس الدولة بتهمة سدانة مايو. بالإضافة إلي قضية دكتور أبوحريرة وزير التجارة في الحكومة الأولي الذي إضطر للإستقالة عقب فشل محاولته لمحاربة الفساد نتيجة لضغوطات واجهته. وأعلن أبوحريرة في مؤتمره الصحفي بأنه يملك بيانات تدين زميلاً له في الوزارة من الحزب الحليف. ودفع موقف أبوحريرة الصادق لإعفاء الحكومة دون أن يستقيل هو خلافاً لكل التقاليد البرلمانية. وفي هذه الأزمة لم يكتف الصادق بسلطاته الدستورية فطالب البرلمان بمنجه تفويض إضافي كأنما أراد أن يفرض دكتاتورية مدنية.

 

أما علي صعيد الحرب الأهلية فقد إستغلت الجبهة الإسلامية حادثة إسقاط الطائرة المدنية فعملت علي إثارة الرأي العام ضد السلام , وأخذت صحفها تصف الحركة "بعملاء الماركسية" و "ربائب الكنائس." وقد سايرها في ذلك الصادق المهدي حيث قطع الإتصال بالحركة وإتهم من يتصل بها بالخيانة. وقد أدان رئيس الوزراء سيد احمد الحسين - وزير الداخلية من الحزب الحليف - "بالتعاطف مع الحركة وأثبت تماديه في ذلك" (السياسة 2-4-1988). ولم يكن إعتراض الجبهة علي السلام لإحتمال إلغاء قوانين سبتمبر 1983 لأنها لم تطبق تلك القوانين عقب إنقلابها في يونيو 1989. إنما كان مخططها يهدف إلي خلق مناخ مضطرب بالحرب واّثارها علي الوضع المعيشي , يؤدي لتشكيك المواطن في الديمقراطية , ومن ثمّ تهيئة المناخ لقبول إنقلابها التي كانت تعد له.

 

وقد كانت أكثر المساعي جدية للوصول إلي السلام في الجنوب هي مبادرة الميرغني عام 1988 التي خرج الشعب تأييداً لها فيما يشبه الإستفتاء. إلا أن الصادق المهدي قد قام بإسقاطها في الجمعية التأسيسة بتحالف حزب الامة والجبهة الإسلامية في ديسمبر 1988. وكانت الجبهة الإسلامية قد نظمت مظاهرة ضد تلك المبادرة وقتلت فيها شرطي. إضطر ذلك الحزب الإتحادي للإنسحاب من الحكومة. ويبدو أن المهدي لم يروق له أن يحقق الميرغني ما فشل فيه هو في السلام لذا عمل علي إسقاطها في البرلمان.

 

وقد كانت الحرب في الجنوب إستنزافاً للميزانية فقد بلغ الإنفاق العسكري 450 مليون دولار في العامين الاّخرين من الديمقراطية فقط (الديمقراطية عائدة وراجحة ص 4) في بلد تحتاج لكل دولار في التنمية. حدث ذلك في وقت حلت فيه ضائقة معيشية ولجأت الحكومة لزيادة أسعار السكر والوقود. ولما خرجت مظاهرات تستنكر ذلك أطلّ عمر نور الدائم في شاشة التلفزيون ليذكّر المتظاهرين بأنهم كانوا يقبلونها في عهد نميري.

 

وفي مجال الأمن الذي يحمي النظام الذي جاء بعد ستة عشر عاماً من النضال والتضحيات والمعاناة ودماء الشهداء , لم يعر رئيس الوزراء أدني إهتمام لتقارير الإستخبارات التي وصلته عن إختراق الجيش من قبل الجبهة الإسلامية وسعيها للإنقضاض علي الديمقراطية. وكانت الجبهة الإسلامية قد إخترقت الجيش خلال عهد مايو , ثمّ أنشأت جهاز أمن السودان كقناة إتصال بالجيش كان المسئول عنه الضابط محمد السنوسي. و قبل زيارة علي عثمان محمد طه للقوات المسلحة في الجنوب كان القائد العام قد إعترض عليها في مجلس الدفاع الوطني. وقد كان سبب الإعتراض لأنه شعر بنيته للإتصال بضباط مغامرين في الجنوب إلا أن الصادق وافق عليها. ويبدو أن مصير الأمة كان يتم تقريره في وجبة أسرية دسمة يطمئِن فيها الترابي - بإبتسامته الجذابة - رئيس الوزراء بأن الجبهة الإسلامية لا تنوي الإنقلاب.

 

وقد ردت معلومات للقائد العام منذ عام 1987 تفيد بان اللواء الاحتياطي الذي أعد ليقاتل في الجنوب كان يعد لإنقلاب كان من بين ضباطه محمد الأمين خليفة. ولما بلغّها القائد العام لرئيس الوزراء رد عليه قائلاً: "متي يدرك هؤلاء القوم أن الجبهة القومية الإسلامية ليست ضد الخيار الديمقراطي."  ولما نقل الضابطان فوزي الفاضل وعبدالعظيم صديق مخاوفهما للوزير المفوض بالاشراف علي وزارة الدفاع , صلاح عبدالسلام ردّ قائلاً: "ورب الإمام الهادي مافي راجل تاني يقدر يستولي علي كبري أو إذاعة يعلن منها البيان الأول."

 

فبدلاً من السعي لحل مشاكل السودان المتمثلة في السلام في الجنوب والتنمية والدستور , كان أول إهتمامات رئيس الوزراء إمور حزبية وأسرية كنقل رفاة الإمام الهادي إلي أم درمان , وتعويضات أسرة المهدي عن الأراضي التي صادرها نظام نميري. وفي صرف إستهلاكي غير مبرر قامت حكومته بإستيراد ألفاً وأربعمائة سيارة بإعفاء جمركي لضباط الجيش من مقدم فأعلي. كما تمّ إستيراد سيارات لكل نواب الجمعية التأسيسة بلغت تكلفتها 60 مليون دولار معفية من الضرائب.

 

ولم نكن نأمل أن يتحلي الصادق المهدي بالممارسة الديمقراطية لدي روساء الوزارة في الغرب , إنما نكتفي بالتجربة الهندية كدولة تشابه ظروفها السودان إلا أنها حققت نجاحا وإستقراراً ملحوظاً. فقد كانت أولويات جواهر نهرو هي وضع اللبنات للتنمية والخطط الإقتصادية , كانت ثمارها معدل النمو العالي الذي تشهده الهند حالياً. كما وضع الأسس لمؤسسات البحث العلمي أدت لوصول مركبة هندية إلي القمر وتفجير الذرة. وقد اّلت رئاسة الهند للمسلمين أربع مرات - رغم مرارة إنفصال باكستان - في حين رفض نظام الصادق منح رئاسة الجمعية التأسيسية للأب فيليب غبوش لأنه غير مسلم.

 

وربما يعود إخفاق الصادق المهدي في إدارة شؤون البلاد إلي أنه ينفرد بإتخاذ القرار في حزب الأمة. ويتضح ذلك من أن بروفيسر صلاح عبدالرحمن علي طه زعيم البرلمان عن حزب الأمة , قد إنشقّ عن حزبه لمنازلة مرشح الجبهة الإسلامية محمد يوسف محمد لرئاسة البرلمان وأيده واحد وثلاثون نائباً. كما أن اّدم مادبو - القيادي في حزب الأمة - قد تحدث مؤخراً عن إنفراد الصادق بالقرار قائلاً: "يعمل علي إبعاد كل من يجاهر أو يستقل بفكرة عن المجموعة التي تحيط به من أسرته." كما إتهم المهدي بأنه: "يعمل علي التخطيط والتدبير لإقامة مملكة سلطانية داخل حزب الأمة محروسة بأبنائه ونسائه وأزواج بناته." (اّخر لحظة 18\8\2009).

 

ولو كان الشعب السوداني المكلوم يقرأ الغيب وأدرك أن كل الفترة الديمقراطية الأخيرة ستضيع هدراً في لغط عقيم حول قوانين سبتمبر 1983 , وأن الجبهة الإسلامية - بكل سدانتها لمايو وتخريبها للإقتصاد - ستصبح لاعباً أساسياً في تلك الفترة , لأجّل الإنتفاضة لما بعد عودة نميري. ذلك لأن المرحوم نميري كان قد ذكر في لقاء صحفي له بعد الإنتفاضة  بأنه تسبب في وضع خازوق قوانين سبتمبر وأنه الوحيد القادر علي إقتلاعه.

 

ولو سعي الصادق المهدي لإلغاء تلك القوانين - التي لم يطبقها مبتدعوها بعد إنقلابهم - والوصول للسلام مع الحركة لما إضطر أن يؤمّن علي حق الجنوب في الإنفصال في جوبا قبل أيام , لأن الحركة لم تكن تدعو للإنفصال بل إلغاء قوانين سبتبمبر والمشاركة في السلطة.