أقام البعض الدنيا، ولم يقعدها، بسبب زيارة سلفا كير ميارديت، رئيس جنوب السودان، لإسرائيل، كأن الدولة الوليدة قد فعلت شيئاً إدّا. فيما يختص بالسلاح الإسرائيلي، الذي كان يصل الحركة الشعبية، فهذه ليست من الموبقات التي حُرمت في الإنجيل أو التوراة. والأسوأ منها، في الواقع، هو إستيراد نظام الخرطوم للسلاح من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فهذه غير أخلاقية، من ناحية، لأن السودان موقع علي قرار منظمة الوحدة الأفريقية القاضي بمقاطعة نظام بريتوريا آنذاك. ومن أخري، فإن حركة التمرد الجنوبي قد تلقت السلاح الإسرائيلي مجاناً، بينما دفع النظام لجنوب أفريقيا مقابله من موارد البلاد. بالنسبة للتصريح الناري لمدير جهاز الأمن، والذي جاء فيه أن نظامه "سيردع حلف الشيطان الذي ترعاه إسرائيل في كمبالا وجوبا"، فكان الأجدر به أن يعلن أولاً عن ردع دولة واحدة تحتل حلايب، أو أخري تحتل الفشقة، لأن ردع الدول منفردة أسهل من ردع الأحلاف. بيد أن أغرب ردود الفعل علي تلك الزيارة هو ذاك الذي جاء من الصادق المهدي، الذي وصفها ب "الشيطانية"، لا أدري بأي صفة "يشيطن" سياسة دولة أخري ذات سيادة. والصادق، كشخص فشل فشلاً ذريعاً في إيجاد حل لمشكلة الجنوب، كرئيس وزراء، من الأفضل له أن يترك الجنوب وشأنه، فتلك أمة قد انفصلت لها ما كسبت من استقلال، وله ما كسب من "نهج صحوة" هلامية.
وإن كانت الحركة الشعبية قد تلقت سلاحاً إسرائيلياً، فإن هنالك أنظمة عربية تعود عمالتها لإسرائيل إلي حقبة ميلاد الدولة العبرية، كالأردن. كان الأمير عبدالله (جد الملك حسين)، يسعي لضم القدس لدولته، ليتخذ منها مرجعية إسلامية ليشرعن بها حكمه، بعد أن قام التحالف السعودي/الوهابي بطرد الأسرة الهاشمية من الحجاز. وقام بعد حرب عام 1948 بتغيير اسم دولته من "أمارة شرق الأردن" إلي "المملكة الأردنية الهاشمية"، في إشارة لأن الأراضي الفلسطينية، التي تقع غرب نهر الأردن قد أصبحت جزءاً من مملكته. كما كان يفاوض الإسرائيليين لعقد صلح منفرد، مما حدا بأحد الفلسطينيين أن يغتاله. ثم واصل حفيده الملك حسين العمالة، وعلاقته وتنسيقه الأمني مع الإسرائيليين، لدرجة أنه أرسل جيشه عام 1963، لقمع فلسطينيي الضفة الغربية، حين نظموا مسيرات تأييد للجمهورية العربية المتحدة. وفي سبتمبر عام 1970، قام بتنفيذ مذبحته الشهيرة في الفلسطينيين، فيما عُرف ب "أيلول الأسود." أيضاً، سار الملك حسين علي هدي جده في التشبث بالقدس، ومعارضة إنشاء دولة فلسطينية بشتي السبل. ولضمان استمرار العمالة بعده، قام في آخر أيامه بتغيير وراثة العرش من ولي العهد شقيقه حسن، وتوريث ابنه عبدالله، لأن حسناً ذا توجه قومي وله إرادة. سُئل ايتان هربر، الذي كان مدير مكتب إسحق رابين، عن سبب حضور كل القيادة الإسرئيلية لتشييع جنازة حسين فأجاب: "لو عرفت ما فعله الملك من أجل أمن إسرائيل لما سعيت وراء جنازته فقط، وإنما هرولت."

أما وكر العمالة في المغرب العربي فهو المغرب، الذي تعود علاقته بإسرائيل للفترة التي كان فيها الحسن الثاني ولي عهد أي قبل 1961، حين سمح لطائرات إسرائيلية بترحيل يهود المغرب لإسرائيل. وكان - ولا شك أنه ما زال -  للموساد الإسرائيلي مركز في المغرب، قام بالإشراف علي تأهيل المخابرات المغربية. وتقديراً للملك الحسن كان الموساد يقوم برصد المعارضين للنظام المغربي في الخارج؛ منها استدراج اليساري مهدي بن بركة في باريس للمخابرات المغربية التي قامت بتعذيبه وتصفيته. وعند وفاته، أصدر ايهود باراك بياناً ذكر فيه أن الحسن كان صديقاً لكل حكومات إسرائيل، كما نعاه المؤتمر اليهودي/الأمريكي، إضافة إلي أن صحيفة "جروسليم بوست" قد عددت "محاسنه" وإخلاصه لإسرائيل، كسماحه بوجود مركز الموساد في المغرب. أيضاً، تقديراً للجميل، قامت إسرائيل بتزويد المغرب بعتاد عسكري، أثناء نزاعه الحدودي مع الجزائر في منتصف ستينيات القرن الماضي. في كتابه "كلام في السياسة"، يشير محمد حسنين هيكل إلي أن الملك الحسن الثاني، "أمير المؤمنين" قد أذن للموساد بوضع أجهزة تنصت في القاعات التي عُقدت فيها مؤتمرات القمة العربية، والقمة الإسلامية. ويستدل هيكل علي ذلك بأن جوزيف بروز تيتو، زعيم يوغسلافيا حينها، قد أبلغ عبدالناصر بمعلومات تمت مناقشتها في الجلسات السرية لمؤتمر القمة العربي الذي عُقد في الرباط عام 1965. ويدعَّم هيكل معلومته بحجة يقبلها المنطق، هي عدد مؤتمرات القمة التي عُقدت في المغرب، بإصرار الحسن الثاني رغم تكلفتها، إذ بلغ عددها سبعة مؤتمرات، أضافة لثلاثة مؤتمرات قمة إسلامية.   

أما سوريا، فقد دعمت قواتها المسلحة الفصائل التي حاربت قوات ياسر عرفات في لبنان "حرب المخيمات" 1985-1988، مع أن جبهة الجولان ظلت هادئة منذ عام 1973. في تلك الحرب، خسر الفلسطينيون من الأرواح أكثر مما خسروه في مذبحة صبرا وشاتيلا الإسرائيلية عام 1982.
وظلم ذوي القربي أشد مضاضة علي النفس من وقع الحسام المنهد
وكانت أحدث عمالة هي زيارة حمد بن جاسم، أمير قطر، للكيان الصهيوني في عهد حكومة ايهود أولمرت، وإلتقي بالمسؤولين الصهاينة (أنظر يوتيوب). ولئن كانت زيارة سلفا كير للتعبير عن إمتنانه لوقوف الإسرائيليين مع الحركة أثناء الحرب الأهلية، والسعي للاستفادة من تجربة دولتهم كدولة نشأت حديثاً، فما الذي يضطر، أو يغري، أمير قطر لزيارة إسرائيل؟ كانت الزيارة بهدف تجديد عقود بيع غاز القطري لإسرائيل، واتفاقية جديدة للاستفادة من المناهح التعليمية الإسرائيلية، علماً بأن هذا العالم به أنظمة تعليم أحدث من إسرائيل، وعلماً بأن الغاز سلعة لها سوق عالمي رائج يتنافس فيه المستهلكون. الأمران ذاتهما: الغاز والتعليم ليسا من الأمور التي تتطلب زيارة رأس دولة لدولة أخري، ولكن التفاني في العمالة، والانبطاح للأعداء هو شيمة بعض القادة العرب. وخلال محرقة غزة "الرصاص المصبوب" عام 2008/2009 شهدنا بعض دول أمريكا اللاتينية تقطع علاقاتها مع إسرائيل، كفنزويلا وبوليفيا، بينما ظل العلم الإسرائيلي يرفرف في سماء عواصم عربية.  
الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بشأن تلك الزيارة يتوقعون أن يكون سلفا كير مسلماً أكثر من أولئك المسلمين، أو أن يكون قومياً أكثر من العرب المذكورين أعلاه.
أخيراً، فإن أنظمة عربية قد دعمت هذه الحركة الشعبية "الشيطانية" خاصة بعد دعم نظام الخرطوم لصدام حسين في احتلاله للكويت.

Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]