في رده علي دعوة باراك أوباما بأن الولايات المتحدة علي استعداد لتغيير سياساتها تجاه كوبا، في حالة حدوث تغيير في سياسة الأخيرة، كتب فيدل كاسترو، في مقاله شبه المنتظم، واصفاً الرئيس الأمريكي ب "الغبي!" وأضاف الزعيم الكوبي، في دعابته المعهودة، في إشارة لأوباما "يا له من رحيم...يا له من ذكي؛ إلا أن رحمته قد عجزت عن أن تفهمه أن خمسين سنة من الحصار الأمريكي، والجرائم ضد كوبا لم تؤدِ إلي خضوع الشعب الكوبي." وذهب كاسترو إلي أن عدة تغييرات ستحدث في بلاده، إلا أنها ستكون بمباردة الكوبيين، ولن تكون بأي حال من الأحوال رضوخاً لضغوط "الإمبراطورية"؛ المصطلح الذي يستخدمه الزعيم كاسترو، مع مصطلح ثانٍ "اليانكي" لوصف أمريكا.
الذي يثير التساؤل حول تشدد أوباما هو أنه قد سبق وأن أعلن قبيل انعقاد قمة الأمريكتين في ترنداد في أبريل 2009، عن خطة لتخفيف القيود التجارية والاقتصادية التي فرضتها الإدارات السابقة علي كوبا، كمنع الأمريكان من السفر للجزيرة، والحد من تحويل المال إليها. وهذه المقترحات لم تكن في خطاب حماسي مرتجل أو تسريب للصحافة، إنما أبلغها للقيادة الكوبية وفد الكتلة السوداء في الكونغرس الذي زار هافانا آنذاك. والواقع أن ماقاله أوباما ولم يعمل كثير، نتناول منه القضية الفلسطينية، إذ أعلن في ذات العام، 2009، في خطاب القاهرة أن بناء المستوطنات علي الأرض الفلسطينية يجب أن يتوقف فوراً. ثم أعلن عام 2010، ومن منبر الأمم المتحدة، أن العام القادم (2011) سيشهد إنضمام عضو جديد لهذه المنظمة: فلسطين. فإذا به يهدِّد الفلسطنيين بقطع العون المالي إن قدَّموا طلب عضوية كدولة، ثم يلوِّح بالفيتو، ويطالبهم بمواصله المفاوضات مع استمرار بناء إسرائيل لمزيد من المستوطنات! هل أخطأ كاسترو حين نعته بالغبي؟
الثورة الكوبية سيخلدها التاريخ وقصة تُروي لبقية الأُمم، وتضرب لها مثلاً في كيفية ومقدرة صمود الدول، مهما صغُر حجمهما وقلَّت مواردها، أمام القوي الكبري، حتي وإن كانت القوة الكونية الأعظم والأوحد. ليس أدل علي ذلك من أنها أثبتت خطأ حسابات وتوقعات العديدين - وعلي رأسهم أمريكا دون شك - بانهيار نظامها بعد إنفراط عقد الاتحاد السوفيتي عام 1991. كانت المقاطعة الاقتصادية والتجارية، التي فرضها "اليانكي" علي كوبا منذ بداية الثورة عام 1959، تتلخص في أمرين رئيسين هما منع زيارة المواطنيين الأمريكان وحرمان الشركات الأمريكية من العمل في الجزيرة. وعلي أثر التطور الجديد، أي إنهيار روسيا السوفيتية، سارعت إدارة جورج بوش، الأب، لفرض عقوبات إضافية لإحكام المقاطعة، أملاً في إضعاف النظام الكوبي وتركيعه. تمثَّلت العقوبات الجديدة في قانون الديمقراطية الكوبي The Cuban Democracy Act 1992 القاضي بمنع الشركات الأمريكية التي تدير أعمالها من دول أخري من التعامل مع كوبا، وحرمان السفن التي تدخل المياه الكوبية من الرسو في الموانئ الأمريكية. ومثلما ما ذكر الزعيم كاسترو، لم تؤدِ تلك الضغوط الإضافية لتركيع كوبا.
وحدث تطور آخر عام 1996، أدي لأن تفرض بعده الولايات المتحدة مزيداً من الضغوط علي هافانا، هو قيام المقاتلات الكوبية بإسقاط طائرتين تابعتين لجماعة كوبية منشقة تُسمي "إخوان للإنقاذ"، تتخذ من ولاية فلوريدا المجاورة قاعدة لها. (الاسم طريف مع حال السودان). ذكرت أمريكا حينها أنهما طائرتين مدنيتين، وهذه حقيقة، وأضافت أنهما حلقتا فوق المياه الدولية فقط؛ وهذه مغالطة، لأن السلطات الكوبية عثرت علي منشورات أسقطتها الطائرتان في الجزيرة تنادي الكوبيين بالثورة علي الثورة. ويبدو أن المسألة كانت جس نبض لرد فعل هافانا؛ ففي حالة تساهُل النظام، أعقبتها خطوات أخري تعمل علي زعزعته، ومن ثَم الإطاحة به. ولا شك أن الرد الكوبي الحاسم قد سبَّب إحباطاً للإدارة الأمريكية، لأنها كانت تشعر بجنون العظمة في تلك الفترة، وتستعرض عضلاتها في مناطق أخري من العالم، كالعراق بفرض حظر الطيران في الشمال والجنوب، وقصف منشئات حيوية في بغداد من آن لآخر.
الضغوط الجديدة التي أعقبت تلك الحادثة تمثَّلت في توقيع الرئيس بيل كيلنتون علي قانون هيلمز- بورتنHelms-Burton Act  القاضي بمنح الشركات الأمريكية حق مقاضاة أية شركة من أية دولة تعمل في كوبا، إضافة لحرمان أي مستثمر يزور الجزيرة، بصرف النظر عن جنسيته، من تأشيرة دخول للولايات المتحدة. أثار ذلك القانون جدلاً وتساؤلات حول تعارضه مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي؛ وعلي رأسها سيادة الدول علي أراضيها، وتطابق التشريع مع السيادة (إقتصاره علي الرقعة الجغرافية للدولة)، بالنسبة لأمريكا. أما فيما يتعلق بكوبا، فقد اُثيرت مسألتان من مبادئ القانون الدولي، هما تساوي الدول، وعدم وجود حق قانوني لتدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخري. وتجدر الإشارة إلي أن من بين الدول التي أثارت التساؤلات، وأبدت إستياءها من هذين القانوين، حلفاء لأمريكا كالمجموعة الأوربية وكندا، إضافة لأمريكا اللاتينية وروسيا.
وقد يفيد إضافة أن الخطوة الجريئة، والطبيعية في ذات الوقت، التي اتخذها الرئيس الإنسان، جيمي كارتر عام 1977، بإزالة القيود علي السفر لكوبا قد أبطلها خلفه رونالد ريغان. أما بالنسبة لسياسة جورج بوش، الابن، تجاه كوبا فقد جاء رد كاسترو مضحكاً. في عام 2004، دعا بوش الشعب الكوبي للثورة وتغيير النظام، وأعلن عن تخصيص مبلغ ثمانين مليون دولار لدعم المعارضة الكوبية، لقيام فترة انتقالية للديمقراطية واقتصاد السوق الحر.
قال كاسترو في إشارة لبوش: "لقد تسبَّب إدمان الويسكي في تشويه وجهه وسلوكه."
Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]