لقد أضحت الكتابة عن، أو القراءة في الشأن السوداني، تصيبان القلب بالوجيب، والنفس بالكآبة، والفم بالمرارة، وكلما نأي المرء عن الخوض فيهما حيناً من الدهر، لتفادي تلك الأعراض والأمراض، عاد إليهما كإدمان المخدرات. ذلك لأن هذا الوطن التعيس لم يستقبل خبراً يبعث علي السرور أو الأمل منذ صبيحة الثلاثين من حزيران الأسود عام 1989. أُبتليت بلادنا بنظام أفلح وأخلص واجتهد وأبدع في الفساد، واستباحة البلاد، واستعباد العباد، في صلف وعنجهية لم تبدران من المستعمر. يفعلون ذلك في عدم حياء ولا مبالاة وإدمان واستهتار بكل قيم ومباديء وأخلاق.
كما هو معلوم ومعروف، فإن موضوع الساعة هو الجدل بين لجنة الشؤون الزراعية بالمجلس الوطني و(وزير الجِزارة) المتعافي، الذي طالب باستثناء عدد من التقاوي المستوردة من كافة الإجراءات، والسماح لها بالدخول فوراً. وجاء في تقرير اللجنة أن قرار الوزير تحدياً للرقابة البرلمانية، لأن هنالك تقريراً حول دخول تقاوي عباد الشمس فاسدة للسودان. وإثراءً لمفردات القاموس السياسي للمشروع الحضاري، من لحس كوع، ودغمسة، والمريسة كمصدر تمويل لأحزاب المعارضة، وإدخال مفاهيم جديدة لقاموس العلاقات الدولية (السودان محسود)، أضاف سيادة الوزير: "لن أكون كبش فداء في قضية فشنك." وذكر بأنه لن يستقيل، لكأنَّ هنالك سابقة استقال فيها مسؤول لفشله في أداء مهامه، أو لاستغلال نفوذ، أو بسبب فضيحة، أو شتيمة الشعب السوداني (شحاتين)، طيلة النيف وعشرين عاما من هذا العهد الغيهب.
غني عن البيان أن هذه البذور ستكون لها آثار كارثية علي البيئة والإنسان والحيوان. ومثلما يقال أن الله لم يُرَ بالعين، فإن تواطؤ الوزير وتورطه ماثلان للعيان لثلاثة أسباب. أولاً: هنالك سابقة مزارعين من ولاية سنار تضرروا من تقاوي فاسدة، وطالبوا بمحاكمة علنية للمتورطين في الأمر. ثانياً: تبرير الوزير، وإصراره علي دخول تلك التقاوي فوراً -  وهو اللحاق بالموسم الزراعي - غير مقنع، لأن عدم دخول تلك البذور لا يعني نهاية الدنيا أو قيام الساعة. ثالثاً: إن رئيس رئيس لجنة الشؤون الزراعية الذي أثار الأمر، وحتي بقية أعضاء هذه اللجنة، هم جزءاً من منظومة مؤسسات النظام الحاكم. ذلك لأن المجلس الوطني ليس برلماناً منتخباً انتخاباً ديمقراطيا، حتي يتبادر إلي الذهن أنها نكاية سياسية من حزب سياسي معارض، هدفه تشويه سمعة وزير الجزارة، أو سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها. هذا يعني بداهة أن هذا نظام لا يحترم مؤسساته، ويثير التساؤل عن جدوي تلك اللجنة، مثلما يثير إستفهام حول وجود لجنة صحية بالمجلس الوطني، ومنصب مستشار بيئي بمجلس الوزراء في دولة يشرب مواطنوها ماءً يختلط بفضلات البشر في القرن الحادي والعشرين.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، نتطرق لتنفيذي ورجل أعمال آخر، هو وزير الخارجية، علي كرتي. في سؤال عن ثرائه واحتكار مواد البناء كالأسمنت، أجاب محاوره بأن الثراء تهمة لا ينفيها، ويأمل أن يزيده الله ثراءً! وأنه مع أهله يعملون في هذا المجال منذ عشرين عاما! "الشرق الأوسط" 20\7\2011 هذا الوزير اهتماماته ومشاغله هي أسعار السيخ والمسامير وألواح الخشب والزنك، لدرجة أنها أثرَّت علي أدائه الدبلوماسي وتصريحاته الصحفية، حين ذكر أثناء المشاكسة مع الحركة الشعبية قائلاً: "أمريكا منحازة للحركة والرزق علي الله"؛ كأنه يجادل سماسرة في أحد أسواق مواد البناء في حلة كوكو أو الصحافة أو الثورة، ولم يبقَ له إلا أن يضيف حالفاً "عليَّ الطلاق." حتي لفة عمامته في الصورة التي تنشرها "سودانايل" هي أقرب لعمامة السماسرة من وزراء الخارجية.   
هذا نظام البِدع، أول نظام في تاريخنا يحظي فيه شخص بنفوذ سياسي وإعلامي لأنه خال الرئيس. كما أنه أول نظام يضطر شعبنا للتخلي عن ميراث التسامح واللجوء للعنف السياسي، كما ضُرب نافع في لندن، أو عمرو بن العاص في أوتوا. ليس هذا فحسب، بل نقول بكل موضوعية وإدارك أن هذا النظام هو أسوأ نظام في العالم. قد يقول قائل نظام ميانمار (بورما)، إلا أن هذا النظام لم ينبطح وينكسر لدولة الاستكبار متعاوناً معها في الحرب علي الارهاب، بعد أن قال أن قد "أمريكا دنا عذابها." قد يقول قائل نظام كوريا الشمالية، إلا أن هذا النظام لم يتنازل عن سيادة ترابه لدولة أخري مثلما حدث لحلايب والفشقة. 
إن الفساد أصبح هو القاعدة لا النشاز. وإن إستغلال الوزراء والمسؤولين لنفوذهم في إدارة الأعمال التجارية وللثراء لا تحتاج إلي عناء بحث أو لجان، يكفي تأمل القصور التي أشادوها. بيد أن إذلال الشعب، والعبث بموارد البلاد وبيئتها، بتلك الكيفية المستهترة، سيحدث - دون شك - نقلة نوعية في التغيير القادم في علاقة طردية. لن يكون التغيير القادم كما حدث في الماضي، ولن يُحاكم الذين أجرموا بدستور أفضل من دستورهم: 1956 المعدل 1964، بل سيكون الحساب كما حدث أثناء الثورة الفرنسية. 

Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]