بادئ ذي بدء، فإن عنوان مقال د. عبدالوهاب الأفندي في هذه الصحيفة "المأزق المأسوي لحزب الله: السقوط تحت حوافر الدكتاتورية"، عنواناً يرتد عليه - كما الصدي - كشخص سقط تحت براثن أسوأ دكتاتورية عرفتها بلادنا. ثم وصف انحياز حزب الله للنظام السوري بأنه غير أخلاقي. وبما أنه كان ركناً أساسياً في الثلة الحاكمة في الخرطوم، فإنه ليس مؤهل أخلاقياً لاصدار حكماً أخلاقياً علي الآخرين. والفرق بين تأييد شفهي أصدره الشيخ حسن نصرالله، وبين كونه كان ركناً في نظام البغي شاسع. لا يعني ذلك أننا نري أن السيد نصر الله معصوماً من الخطأ، فهو بشر يصيب ويخطيء، وقد أخطأ في تأييده للنظام السوري. ما نعنيه، وما استفزنا، ودفعنا للكتابة، هو شخصاً يسكن بيتاً من زجاج ويلقي الحجارة علي الآخرين، ويصدر عليهم أحكاماً بألسنة حداد؛ كأن سقوطه حلالاً و"سقوط" الآخرين حراما.
وكان لب المقال مُحيراً لأنه إتكأ فيه علي قرار المحكمة الدولية بإدانة حزب الله في مقتل سعد الحريري؛ بيد أنه لم يؤيد الجنائية بشأن البشير، علماً بأن الأخير قد تسبب في قتل وتشريد واغتصاب عشرات الآلاف في دارفور. وربما أنه يعتقد أن دم الحريري أغلي من دماء الفور، وأن ممارسة جعليي الجنجويد للجنس بالقوة مع الفوراويات شرفاً وليس اغتصابا. وهذا يقودنا إلي رأئه بشأن اغتصاب ناشطة "قِرفنا" صفية إسحق، حين وصف حديثها بأنه "مزاعم"، مما يعني التشكيك في رواية الفتاة، واقترح تشكيل لجنة تحقيق للبت في الأمر؛ لكأنَّ النظام سيسمح بلجنة تحقيق مكونة من قُضاة بريطانيين, وسيأذن لهم باستجواب من قاموا بهذا الفعل المشين من جهاز الأمن، في حرية تامة. وبدلاً من هذا الرأي الرمادي، كان أجدر به أن لا يُعلق علي تلك الحادثة، مثلما صمت عن مخازٍ وفضائح أخري، كاغتصاب العميد الريح، ومذبحة ضباط رمضان 1990، وصفقة السلاح مع نظام جنوب أفريقيا العنصري، ومحاولة اغتيال حسني مبارك، والقائمة تطول.
ثم ذهب يقول عن حزب الله: أنه "سقط بجدارة حين قرر الانحياز إلي القتلة بحجج تشكل في حد ذاتها إدانة للحزب وقيادته." بالنسبة لهذه النقطة فإن الأفندي، كشخص كان ركناً أساسياً في نظام القتلة في الخرطوم، قد كان له قصب السبق في السقوط، وبالتالي عليه ألا يحاضِر الآخرين في السقوط. كما أن الدماء التي أسالها النظام السوري تعتبر ذرة مع أنهار الدماء التي أراقها نظامه في الجنوب والغرب. وإن كانت قيادة الحزب مسؤولة عن دم الحريري، فإن شيخه ابن العاص تلاحقه دماء آلاف الشباب الذين دفعهم بكذبه للجهاد في الجنوب. لا يعني ذلك تبريرنا للاغتيال – إن كان حقيقة -  بل نعني أنه ليس هناك دماً أغلي من دم، وليس هنالك قتلة أفضل من قتلة. ثم أصدر حكماً غيبياً مبنياً علي الحدس أن "انحياز حزب الله تواطؤاً مع النظام السوري في اثامه السابقة واللاحقة"؛ بعبارة أخري فهو يتنبأ بأن الحزب سيؤيد ما سيرتكبه النظام السوري من آثام في المستقبل. والحاصل أن المقال يفوح بالشماتة والغيرة السياسية، لأن إدانة الحزب بشأن الحريري حتي لو كانت إعلامية وغير مؤسسة علي الحق فهو يرحب بها: "أما الآن فلم يعد مهماً أن يدان الحزب عدلاً أو ظلماً بذلك الجرم لأنه أثبت أنه لن يتورع عن مثله."
أدعي للعجب أن جاء في أحد عباراته عن حزب الله "بأنه حزب ينسب نفسه إلي الله ويلتحف مع شياطين الإنس." مثل هذه اللغة فيها تجريح لمنتسبي حزب الله، وهي أشبه بلغة عبدالرحمن الراشد وطارق الحميد وبقية أبواق النظام السعودي، عندما يكتبون عن حزب الله في "الشرق الأوسط"، لغة تتماهي مع حملة الإعلام الصهيوني ضد حزب الله. وإن كان الحزب قد نسب نفسه إلي الله ويلتحف مع شياطين الإنس، فإن تنظيمه قد نسب نفسه إلي الإسلام، وضمَّ بين منتسبيه سفلة وسافلات ورجرجة وغطارسة لا يتناهون عن منكر فعلوه، وأردأ وأسوأ من شياطين الجن. جاءتني ثلة منهم بعد إنتفاضة 1985 يسألوني الانخراط في تنظيمهم، فذكرت لهم أنهم يصفون جبهتهم بالإسلامية وفيها فلان وفلان، وسيرتهما - كقادة في التنظيم - لا استحي عن ذكرها ولكن الناشر لن يسمح لنا. فقالوا لي تعال لتصلح من الداخل، فقلت لهم هذه دعوة لأخرب من الداخل!
ثم سأل سؤالاً أي متابع لنشرات الأخبار يدركه هو إن كانت "الممانعة الصورية هي مقياس حزب الله لدعم الأنظمة، لماذا لم يقف مع نظامي صدام حسين والقذافي؟ حيث أن الأول قام بقمع الشيعة وإعدام قيادتها، كما أن الثاني موضع اتهام بشأن إختفاء الإمام موسي الصدر. والأهم أن دعم حزب الله للنظام السوري تمليه ظروف لوجستية واستراتيجية. ثم ختم مقاله ب "سقوط ورقة التوت وأنه "سقوط للأقنعة يُضاف إلي خيبات العرب"، متناسياً سقوط ورقة توتهم. والواقع أن حزب الله لو انتهي من الوجود اليوم فإن انجازاته سيخلدها له التاريخ، كتحرير جنوب لبنان عام 2000، وملحمة 2006، التي أصبحت تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية الغربية، كمليشيا صدت أقوي جيش نظامي في الشرق الأوسط. وكان أن حدث العكس من نظامه: مليشيا هزمت جيشاً نظامياً مما اضطره علي توقيع اتفاقية نيفاشا صاغرا. إنما الخيبة الكبري، والتي لا تقل كارثة علي بلادنا من الفتنة الكبري علي الإسلام، والتي كان أجدر به إعلانها هي خيبتهم، وما سببوه من دمار ونهاية ما كان يُسمي بالسودان، والتي سيخلدها التاريخ أيضا.
وكان كتاب الأفندي، الذي يتباهي بأنه عالم، مع أنه لم يبلغ مسامعنا أنه حاز علي جائزة نوبل لنظرية اكتشفها أو إضافة قدمها للعلم، قد سمَّاه "ثورة الترابي"، انقلاب دبره شيخه، وتمثيلية السجن، والكذب بأنه لا علاقة له بالانقلاب، وما أعقب ذلك من تصفيات شبيهة بتصفيات ستالين وصدام حسين، واغتيال دكتور فضل، وتعذيب نافع لأستاذه الجامعي د. فاروق، وحملة التشريد، سمَّاها "ثورة." كما ذكر بأن "الاصلاح السياسي أو إعادة صياغة الدستور لابد أن تتم بتدرج يبدأ بتعزيز الحركة الإسلامية وإصدار دستور يقلِّص الطائفية"؛ بعبارة أخري فإنه اقترح إنشاء نظاما يمنح معاملة خاصة لفئته كأنهم مُفضَّلين علي العالمين.    
وحسب مقال د. محمد وقيع الله "جلاوزة الإنقاذ السابق مالكم كيف تحكمون؟"، أن الأفندي كان يوصي قيادته في الخرطوم بممارسة أقسي بطش بالمعارضين حتي تفني المعارضة وتبقي الإنقاذ! هذه وصية شخص ينبغي عليه أن لا يتطاول علي الذين يدعمون أنظمة قتلة. إن كل من خدم هذا النظام منذ اليوم الأول للانقلاب ولو لشهر واحد، سواء بتقلد منصب، أو بالمشاركة في الجرائم والفضائح، أو الصمت عنها، أو حتي بكتابة مقال يزيِّن الباطل، ينبغي عليه أن يتواري خجلاً من الناس، وأن يستحي من نفسه، وأن يعاني الأرق ووخذ الضمير، إن كانت لديه نفس لوامة، أو لديه ذرة من إحساس إنساني.



Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]