تعاني الساحة السياسية السودانية من واقع نتِن بسبب تصريحات ومواقف متضاربة ومتناقضة صدرت من قيادات الحزبين الكبيرين. فعن الحزب الإتحادي، ذكر حاتم السر، في لقائه مع الجالية السودانية في المملكة العربية السعودية، أن الإتحادي لن يساوم في التعددية والديمقراطية والعدالة. ومن ناحية أخري، جاء في بيان صادر عن مكتبه أن هنالك إجتماع دار بين السيد محمد عثمان الميرغني ومبعوث رئيس الجمهورية، إبراهيم أحمد عمر، وتم الاتفاق معه علي تشكيل لجنة للتعديلات الدستورية والقانونية. يأتي ذلك في وقت يسعي النظام لعملية تجميل تطيل عمره، ووصفه حاتم السر بأن "الخناق قد اشتد عليه." وإن كان الخناق مشتد علي النظام، فلماذا الدخول معه في مفاوضات تؤدي إلي إرخاء الخناق عليه، في وقت يتصاعد فيه مد ثورات الشعوب العربية؟ ولعله من نافلة القول أن مسألة تعديلات دستورية تكفل حقوق الإنسان والتعددية لن يعترف بها هذا النظام، الذي فصل شيخه من التنظيم وأودعه السجن في سبيل السلطة.     

أما الإمام الصادق، فلم يخيِّب ظننا بأنه لن يعمل بما قال حين ذكر بأنه سيعتزل السياسة أو ينضم للمعسكر الذي يسعي للإطاحة بالنظام في التاريخ الذي قطعه علي نفسه: 26 ينائر 2011، فلا اعتزل السياسة ولا انضمَّ للتيار المعارض. ليس هذا فحسب، بل ذهب يلقي موعظة تصب في مصلحة الإنقاذ، هي أن إتباع النهجين التونسي والمصري كوسيلة لتغيير النظام ستؤدي إلي صوملة السودان، كأنما الشباب الذي أطاح بنظامي حسني مبارك وزين العابدين بن علي قد فعل ذلك من خلال حرب عصابات. وبهذة الموعظة - الغير حسنة - فإن الصادق المهدي قد أهدي النظام الحالي أثمن هدية يحتاجها في وقت يعاني فيه من أضعف حالاته. وحتي لو سلَّمنا - دفعاً للجدل - بأنه مُحقَّاً بأن نهج ثورتي تونس ومصر سيؤدي إلي بلقنة البلاد، فإنه لم يقترح بديلاً لإزالة النظام.  

إن الصادق المهدي يطمح في منصب رئيس وزراء يُستحدث له لأنه لن يستطيع الصبر لأربع سنين  للإنتخابات القادمة. بيد أنه لن يحصل عليه حتي لو (لحس كوعه) من الإنقاذيين الذين يلعبون به، في أسلوب أنسب وأدق كلمة  تصفه هي المفردة السودانية (قزقزة). كلما أطلق تصريح صاخب أو تلويح للقيام بفعل سياسي (يقزقزون به)، يُدعي للقاء الرئيس ويلتقط له المصورون صورة تُنشر في الصحف، وكان الله يحب المحسنين. وإن كان الصادق -  في سعيه لمنصب - قد أدَّي قسم الولاء للإتحاد الإشتراكي أمام جعفر نميري، الذي كان يصفه بالكاذب الضِّليل، والذي سفك دم الأنصار في ودنوباوي والجزيرة أبا، ودم الإمام الهادي، فإن مُصالحة هذا النظام أهون وأخف عليه. والحقيقة أننا نتفق هذه المرة مع نافع، الذي (ركب الحمير) في هجومه لقيادات المعارضة، الذي قصد به الصادق، حين وصفهم ب (بائعي ومدمني الكلام). وتبقي الحقيقة التي لا جدال حولها أن الصادق لم يقدِّم لهذا الوطن المنكوب شيئاً طيلة حياته السياسية التي تقارب الخمسين سنة.  

بيد أن العجز عن الفعل لا يتقصر علي الحزبين الكبيرين إنما امتد ليشمل بقية الأحزاب، حسب ما جاء في مكتوبها لمدير شرطة الخرطوم تستأذنه في الخروج في مسيرة كأنها تخاطب عُمدة لندن أو باريس، أو كأن ثوار أكتوبر 1964 وأبريل 1985 قد إستأذنوا السلطات للخروج. إن فشل مسيرة الأمس يؤكد حقيقة أن الأحزاب قد فقدت قواعدها، أو أن قواعدها قد فقدت المصداقية في قياداتها. ذلك لأن خروج مئة ألف مواطن  فقط من كوادر الأحزاب الموقعة علي ذاك المكتوب (17 حزب) في الخرطوم يكفي لزلزلة النظام، لأنه ببساطة ليس لديه معتقلات وسجون تسع هذا العدد. وكانت عبارة الأستاذ محمد إبراهيم نقد "حضرنا ولم نجدكم" - التي جسَّدت مرارتنا واختزلت واقعنا السياسي البائس  - بمثابة نعي لبقية قادة الأحزاب الذين رضوا أن يكونوا مع الخوالف. إن جيل الشباب، في حركات قرفنا وشرارة وكفاية، الذي يعمل في ظروف قاسية من ترهيب واغتصاب وتعذيب، قد تجاوز هذه الأحزاب، ولم تعد قياداتها التي هي في عُمر أجداده، أو في عُمر حسني مبارك والملك خالد والسلطان قابوس، لم تعد مقنعة له أو ملبِّية لطموحاته. ولا شك أن هذا الجيل - الذي يستحق التقدير - هو دينمو التغيير كرصفائه في تونس ومصر والبحرين الذين لم يخرجوا متظاهرين تحت رايات حزبية.  

المفارقة أن عجز الأحزاب عن الفعل يأتي في ظرف يعاني فيه النظام من حالة ذعر، بسبب صحوة الشعوب العربية التي عصفت بأنظمة لها امبراطوريات أجهزة أمنية يتواضع أمامها جهاز مخابرات نظام الخرطوم. والمؤسف أن يحدث هذا العجز في وقت تمتد فيه هذه الصحوة لتشمل شعوب كان ينقصها الوعي السياسي، وخرجت تطالب بحقوقها المشروعة، وضمنها شعوب تعيش في رفاه، بينما يعاني شعبنا من ضنك وفاقة بحيث أصبح البغاء والاحتيال من وسائل كسب العيش. إن الحل الوحيد الذي يضمن سلامة من تبقَّي من الوطن، ويحفظ ما تبقَّي لنا من مُثل وقيم وتقاليد لن يتأتَّي إلا بإقتلاع نظام التتار، الذي ذبَّح ابناءنا واستحي نساءنا وعاث في السودان فسادا. وغني عن البيان أنه في حالة تجاوز نظام الخرطوم لفترة المد الثوري العربي الحالية سيسدر في غيه ويصك آذاننا مُردِّدا أن لديه شعبية وشرعية، لأن رياح الثورة العربية لم تهب عليه.   
 
Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]