هدَّد الصادق المهدي - أطال الله عمره - باعتزال السياسة أو الانضمام للمعسكر  الرامي للاطاحة بالنظام - في حالة عدم الاستجابة لمطالبه. وفي رأينا أن هذا الإعلان يحمل في طياته أم المتناقضات لأنه وضع الأمر بين الشيء ونقيضه بدلاً عن خيارين. فهو كمن يقول بأنني إما أن أمتطي سفينة نوح أو أن آوي إلي الجبل مع كنعان, ابن نوح الغريق. فإن كان يود تغيير النظام - كما يُفهم من الثانية - فلماذا وكيف اعتزال السياسة وهي الوسيلة لتغيير النظام؟ وبإعلانه هذا فإن مسألة الاطاحة بالنظام أضحت غير واردة, لأنها فقدت عنصر المفاجأة لنظام استفاد أمنياً من آخطاء الآخرين, عكس الصادق. والحقيقة أن إطلاق الشعارات والتصريحات دون أن يصحبها وزن عملي من خصائص المهدي, كما اتضح من إعلانه (الجهاد المدني) كمشروعه لإزالة النظام والذي لم تصحبه مثقال ذرة من عمل.

أما عن الأولي, فإن المهدي - بنرجسيته - لا يطيق البقاء بعيداً عن السياسة وخارج دائرة الضوء والرئاسات. وماكان الخلاف الذي قاده مع عمه الإمام الهادي - بورعه ومكانته حتي خارج نظاق الأنصار -  وشق الحزب إلا من أجل السلطة. حدثني أحد الذين كانوا مقربين من الشهيد الشريف حسين الهندي أثناء معارضة نظام نميري, أنه سأل الهندي, لماذا سمح للصادق أن يرأس الجبهة الوطنية المعارضة وهو الأجدر بها بما يتمتع من كاريزما وعلاقات دولية. فأجابه الهندي عطَّر الله ثراه: إن الصادق يحب الرئاسات وأن يكون محور إهتمام فهو إن سار في شارع فيه زفة عرس لتمني أن يكون هو العريس, ولو سار في الشارع الذي يليه ووجد فيه مسيرة جنازة لتمني أن يكون هو الميت!

ولو صدر تهديد باعتزال السياسة من المهاتما غاندي في الهند, أو نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا, لكان للأمر صدي واسع بحيث يؤدي لخروج عشرات بل مئات الآلاف في تظاهرات احتجاج من جماهير تري فيهما قدوة ومثلاً أعلي, وتطالب بعودتهما لقيادتها. وذلك لأن المهاتما ومانديلا قائدين مُلهمين فجَّرا طاقات شعبيهما وقاداهما ضد نظامين الإنقاذ رحمة بالنسبة لهما. وتحمَّلا تضحيات جسام بكل تجرد, ودون أن يتوقعا جزاءً ولا شكورا من سلطةٍ أو منصب. بيد أن الصادق لم يقدم لهذا الوطن أي انجاز بحيث أن تركه للسياسة سيمر كخبر عادي حتي علي بعض منتسبي حزب الأمة والأنصار. لقد كانت حكومته الأخيرة ملأي بالمخازي والفوضي من فساد ومحسوبية وانتهاك حقوق إنسان (قتلي المظاهرات) واستبداد الأغلبية ومسخاً مشوهاً للديمقراطية بحيث أن العديد من الليبراليين والديمقراطيين والجيل الجديد - الذي لم يعرف عن الديمقراطية إلا تلك الممارسة الشائهة - قد كفروا بها كفر أبا لهب بالإسلام.

إن تهديد الصادق بالاعتزال لا يُؤخذ بمحمل الجد لأن لديه المقدرة علي قول الشيء والتحول عنه مئة وثمانين درجة. فقد سبق أن أعلن عام 2009: (إن تسليم رأس الدولة سينجم عنه اضراب شديد واستقطاب حاد). ولما دنا موعد الانتخابات, رفع قميص عثمان (الجنائية) ليس حباً في عثمان (دارفور), إنما من أجل السلطة, تماماً كابن هند. كما أنه قد أعلن في تصريح له قبل الانتخابات الأخيرة بأنه لا يود (تقلد منصب تنفيذي لا الآن ولا في المستقبل) ثم ترشَّح للرئاسة, وقال أنه المرشح الوحيد الذي بسببه سينظر المجتمع الدولي لتلك الانتخابات بجدية. وما كان انسحابه إلا لسبب واحد هو أنه تأكد من سقوطه في تلك الانتخابات. وكان الصادق معجب بالنظام الرئاسي لأنه يشبع شهوة الدكتاتورية المدنية العارمة عنده. إن خدمة هذا الوطن لا تنحصر في تقلًد المرء لرئاسة الدولة أو الوزراء. لقد كان بامكان الإمام الصادق بناء مستشفي أو جامعة بدلاً عن التنظير بعدم إسلامية الحجاب والدعوة لتدريس التربية الجنسية في المدارس.

أما عن تزوير التاريخ المعاصر, فقد ظهر في الحوار الذي أجرته معه نادية عثمان مختار (سودانايل 16\12\2010). في عدم أمانة للتاريخ, أخرج نفسه خروج القشة من العجين من المسؤولية في عدم إلغاء قوانين بدرية الانقلابية لسبتمبر 1983 التي رفض إلغاؤها إرضاءً لصهره. وبعد أن انقلب عليه وأشبعه إساءةً ومصادرةً هرول يلتقيه في جنيف ويعقد معه اتفاقاً من ظهر التجمع. صحيح أن هذا النظام قد أنجز مشروع انفصال الوطن بيد أن الصادق قد وضع له الأساس برفض اتفاقية الميرغني لمجرد الغيرة السياسية.

ومازلنا في إنتظار الإستخارة التي قال أنه ينويها.
 
Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]