تدل تصريحات علي عثمان الأخيرة في واشنطن علي حالة ذعر وهلع وإرتباك يعيشها نظام الخرطوم بشأن الانفصال الوشيك. لا يعوز تلك التصريحات المنطق فقط بل أنها حُبلي بالمتناقضات والأغاليط. يقول طه كأنه يفاخر بانجاز كبير, وسابقة ستسير علي هديها الدول, إن نظامه قد وضع قاعدة جديدة في أفريقيا هي تقرير المصير: (وضعنا قاعدة جديدة في أفريقيا التي تلتزم دولها بالحدود التي ورثتها من الإستعمار).

تحتوي هذه الجملة علي مغالطة حقائق التاريخ بشأن السودان, لأن الجنوب كان جزء منه منذ عهد محمد علي, حين أرسل حملات للوصول إلي منابع النيل لتأمين انسياب مياهه إلي مصر وجلب الرقيق. كما أن قبائل جنوبية قد ساهمت في الثورة المهدية. وما كانت تلك القبائل لتساهم في الثورة لو لا وجود تركي في الجنوب. وبشأن الدول الأفريقية التي ورثت حدودها عن الإستعمار, لم تكن هنالك حدود بالمعني الحديث في القارة آنذاك, لأن دولها لم تعرف مفهوم الدولة القومية الذي قامت علي أساسه الحدود السياسية. وحسب نظرية علي الحدودية الجديدة, الغير استعمارية, فإن عدد الدول الأفريقية سيبلغ المئات بعد تفتيت تلك الدول علي أساس قبلي أو ديني أو ديني\قبلي. كما أن الحدود التي وضعها الإستعمار في القارة قد ساعدت علي خلق دول قومية, ولم تلجأ دولة واحدة إلي الانفصال لهذا السبب (لم يضع المستعمر حدود اثيوبيا قبل 1993 لأن أرتيريا ضمها هيلاسلاسي).

حاول طه أن يصور اتفاقية نيفاشا وتضمينها لحق الجنوب في تقرير المصير, كأنها مبادرة طوعية من الحكومة. هذه ليست الحقيقة لأن الاتفاقية كانت مفروضة من واشنطن بعد الفشل العسكري, وبعد ضياع مجهود الملائكة التي كانت تحارب في صف المجاهدين, وإستنزاف موارد البلاد, بما فيها البشرية (20 ألف هالك من الشمال فقط). صيِغت نيفاشا في واشنطن, حسب قطبي المهدي حين قال بأحرفه: (إن الحكومة تعرف جيداً أن كثير مما اتفق عليه في نيفاشا, قد تم الإعداد له في مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن. وأن هناك أشخاص من هذا المركز تمّ تعيينهم من قِبل هذه الدوائر كخبراء في الإيقاد, قاموا بكل هذا العمل الذي تم. وأن الحكومة قبلت بذلك بناءً علي سياسة الأمر الواقع لأن هناك ضغوطاً لا قِبل لها بها, ولا قدرة لها علي مواجهة هذه القوة الدولية المتربصة بها." (الصحافة 26\2\2005).

ويشير علي إلي حقيقة أن الاتفاقية قد فرضتها أمريكا في الجملة القادمة تلميحاً, وليس تصريحاً, لأنها تتضمن عتاب في أنها رغم هذا الفرض فهي لا تساعد في علاج تداعيات الانفصال: (إن واشنطن تريد من السودان حل مشكلة دارفور وإجراء الإستفتاء في الجنوب ومواجهة النتائج الإقتصادية والسياسية والإجتماعية المعقدة إذا انفصل الجنوب, وفي نفس الوقت لا تريد واشنطن أن تسأل نفسها كيف نقدر علي كل هذا؟). وإن كان تقرير المصير مبادرة من النظام فلماذا تساعد هذه الأمريكا في علاج تلك النتائج؟ وطالما أنها مبادرة من النظام فلماذا لم يضع التحوطات والترتبيات اللازمة لعلاج تلك الآثار؟   هل السبب لأن النظام كان مشغول بقضايا أكثر أهمية, كقمع المعارضة وتزوير الانتخابات والهيمنة علي ثروات وموارد البلاد؟ وهل خلقت أمريكا مشكلة دارفور لتساعد في حلها؟ وهل هي أكثر تعقيداً من مشكلة الجنوب حتي يستجدي مساعدة واشنطن لحلها؟ ولماذا لا تُمنح حق تقرير المصير, انطلاقاً من نظريته الحدودية الجديدة, لأن الاستعمار قد ضم سلطنة دارفور للسودان عام 1916.  

كما يعاتب طه أمريكا تلمحياً علي أنها لا تساعد نظامه علي حل تلك المشاكل المتوقعة, رغم الخدمات الجليلة التي قدمها (المشروع الحضاري) لها, كسجون المخابرات الأمريكية السرية, والتعاون في محافحة الإرهاب (التجسس علي المسلمين والوشاية بهم). هذا ما كرَّره مسؤول وكالة المخابرات الأمريكية مؤخراً بأنه "يدور حوار إستخباراتي لتحسين سلوك حكومة السودان, وحكومة الرئيس البشير استمعت ونفذت كثيراً من بنود هذا الحوار." (سودانايل 1\9\2010, نقلاً عن الشرق الأوسط, نقلاً الواشنطن بوست). هذا نظام منبطح يستمع إلي, وينفذ تعلميات (دولة الإستكبار) ويسعي لشهادة حسن سير وسلوك منها. مثل هذا الإنبطاح لم يحدث من كوبا, دولة صغيرة الحجم قليلة الموارد, عانت من حصار أمريكي استمر لأكثر من نصف قرن, ومحاولة غزو, وأكثر من عشر محاولات أمريكية لاغتيال زعيمها فيديل كاسترو. وبعد كل هذا الانبطاح, الذي بدأ منذ عهد كيلنتون, كانت المكافأة التي حصل النظام عليها هي فضلات طعام من موائد لئام: آلات زراعية. هذا نظام ليس لديه كبرياء, لأن هذه الآلات يمكن الحصول عليها من روسيا أو الصين أو الهند مع احتفاظه بسوء السلوك.  

وذهب طه يستجدي ويتوسل بأن هناك: (مسؤولية أخلاقية ....للأطراف التي إشتركت في التوقيع علي الاتفاقية مثل الولايات المتحدة) للتركيز علي الوحدة بدلاً عن الانفصال. مثل هذا الحديث قد فات آوانه, ولسنا بحاجة لإعادة سرد المشاكسة التي تعامل معها المحافظون الجدد مع الحركة الشعبية أثناء الفترة الإنتقالية, مما أدي لاستحالة الوحدة. يكفي أن نذكر أمراً واحداً خلال الحملة الانتخابية الأخيرة هو الشتائم التي كِيلت للحركة الشعبية, والتي تفتقر إلي التهذيب, ضمنها أصوات قالت بإن الإنتماء لها كُفر! وما كان نافع يقصد من تصريحه, بأن مصادر تمويل المعارضة تأتي من المريسة, الحزب الاتحادي أو حزب الأمة, إنما الحركة الشعبية.

إن تصريحات علي ليست حافلة بالتناقض فقط بل هي صادرة من شخص مأزوم ومضطرب, رغم تأثره ببرود وهدوء شيخه. ويعود سبب هذا الإضطراب من الذي سيحدث حين تزلزل أرض السودان زلزالها يوم الانفصال العظيم. المأزق الذي قاد المحافظون الجدد البلاد إليه ليس الآثار الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الناتجة عن الانفصال, لأن عدة سنوات تكفي لاحتوائها وعلاجها. المأزق الحقيقي هو الواقع الإستراتيجي الذي سينشأ من وجود دولة مستقلة في الجنوب. ستكون دولة الجنوب بالنسبة للدولة الشمالية ككوريا الجنوبية بالنسبة للشمالية, اللتان مازالتا في حالة حرب لقرابة نصف قرن. وستكون الدولة الوليدة موطيء قدم وقاعدة لأمريكا, مع فارق أن كوريا الشمالية, عكس نظام الخرطوم, لديها نظام له إرادة, لم ينبطح لأمريكا وتمكَّن من تطوير برنامجه النووي, رغم أنها دولة مُغلقة ذات علاقات دولية وإقليمية محدودة. كما أن إسرائيل ستجد موطئ قدم في دولة الجنوب, حسب تصريح أزكيل جاتكوث, سفير الجنوب في واشنطن, والذي سنده بالمنطق بأن لبعض الدول العربية أيضاً علاقات مع إسرائيل.  
Babiker Elamin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]