abass_a2002@yahooa

لم يكتفِ نظام (المشروع الحضاري) بتصفية القطاع العام ورفع الدعم عن الخدمات الصحية والتعليمية, وما نتج عنها من آفات إجتماعية كتصاعد معدل الجريمة والإنحلال واستفحال الفقر ومضاعفة جيش العاطلين فقط, بل سدر في غيه يضايق المواطن في سبل رزقه وطريقة حياته ويسلب ممتلكاته مما جعله يري الكواكب بالنهار وجعل عيشه ضنكا. ضمن سلسلة سياسات خرقاء, قامت الحكومة بنزع أراضي منطقة شرق النيل في الخرطوم, من حلة  كوكو مروراً بالجريف شرق إلي أم دوم, من مالكيها وبيعها إلي مستثمرين أجانب لإنشاء منطقة سياحية فيها. حدث هذا رغم أن أهالي تلك المنطقة ظلوا فيها لمئات السنين.

كانت تلك الأراضي, التي تقع علي شط النيل الشرقي, متخصصة في إنتاج الطوب منذ عدة أجيال, يتوارث أهلها تلك المهنة أباً عن جد بحيث باتت أسلوب حياة. كما أنها كانت أهم منطقة لإنتاج الطوب, لأن معظم الأراضي التي تتاخم النيل في أطراف الخرطوم متخصصة في الجنائن والزراعة بدلاً عن الطوب. وتم إغتصاب تلك الأراضي دون موافقة الملاك وكان التعويض غير مجز. لقد كان من العدالة والإنصاف أن يحصل القائمون بالأمر علي موافقة ورضا ملاك الأراضي بهذا النزع أولاً. وبعد الحصول علي الموافققة أن يُناقشوا في تعويض مجزٍ ومرضٍ يوازي خسارتهم الآنية والمستقبيلة. لم يكن الحال هكذا, فقد تم النزع أولاً دون رضاهم ثم تعويضهم تعويضاً غير عادل قررته الحكومة.

ومن البدهيات أن الإسلام - الذي يدعي المحافظون الجدد منطلقهم - يحرم صفقة كهذه ويعتبرها إغتصاب لأن البيع لا يجوز تحت القهر ودون رضا. إنها أسوأ من عملية تأميم الشركات الأجنبية, لأن التأميم غالباً ما يتوصل فيه الطرفان لإتفاق بشأن التعويض بعد أن تساوم الشركة المؤمَمة الدولة المُضيفة. بيد أن نظاماً قام بتصفية مؤسسات قطاع عام يعود تاريخها إلي عهد الإستعمار, وحافظت عليها كل الأنظمة المتعاقبة, لن يتواني عن فعل أي شيء طالما يزيد من ثروة التنظيم وأفراده. لقد حيرنا أمر النهب لموارد الدولة الذي ليس له حد, بحيث أصبحت أرصدة وثروة الطبقة الحاكمة كجهنم, كلما أضافوا لها تقول هل من مزيد؟ ويحشروا فيها المزيد.
 
الأمر المؤسف أن الضحية الأكثر ضرراً من تلك الخطوة ليست طبقة مالكي الأراضي, إنما طبقة العمال الذين ترتبط أرزاقهم بالمهن العديدة المتشابكة في تلك الصناعة. يعمل في تلك المنطقة آلاف العمال في تخصصات عديدة ضمن تقسيم العمل, فمنهم من يعمل في الأحواض, ومنهم من يعمل في التصنيع, ومنهم من يعمل في حرق الطوب, ومنهم من يقوم بشحنه في اللواري لترحيله إلي مناطق الطلب, إضافة إلي بعض الطلبة والتلاميذ الذين يعملون في العطلات والأمسيات. كما تضرر أيضاً من تصفية تلك الصناعة أصحاب اللواري والشاحنات. إضافة إلي هذا الخراب الإجتماعي فإن ذلك سيؤدي إلي مضاعفة أسعار الطوب في ولاية الخرطوم.

ولو تمت هذه العملية لفائدة المنطقة وتنميتها, كإنشاء مشروعاً بديلاً يوفر فرص عمل أكثر أو يفيد الإقتصاد بشكل عام لكان الأمر معقولاً ومقبولاً. بيد أن المأساة هي أن النظام قد قضي علي هذه الصناعة في المنطقة لينشيء فيها المستثمرون الجُدد (يُقال أنهم كويتيين) ملاهي ومنطقة سياحة. ومعروف ما تصحبه تلك الصناعة من تأثير سلبي علي بنية المجتمع في منطقة محافظة مازالت تسود فيها روح العشيرة والقبيلة. هذا أشبه بما قامت به إسرائيل مؤخراً من مصادرة لمنازل فلسطينيين في القدس الشرقية لإنشاء حديقة في مكانها, مع فارق أن حديقة القدس متاحة للجميع بدون رسوم وليس للقادرين فقط, كما سيكون الحال في ملاهي شرق النيل.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإن مقارنة مع سياسة حكومة إسرائيل قد تعكس حجم الكارثة التي أصابت السودانيين من جراء غزو التتار للخرطوم عام 89 من القرن العشرين بعد الميلاد. تعامل الحكومة الإسرائيلية مواطنيها اليهود أفضل معاملة وتعمل علي رفاهيتهم وأمنهم وراحتهم, وهي علي إستعداد لمبادلة أسير واحد, أو حفنة من أسراها, أو حتي رفات مواطنيها بمئات السجناء الفلسطينيين أو اللبنانيين. وفي المقابل, فهي تقوم بإضطهاد الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وإذلالهم وتضييق الخناق عليهم بشتي السبل. هذا بالضبط ما يفعله حكام الخرطوم حين نضع منتسبي الحزب الحاكم في مكان يهود إسرائيل, وبقية الشعب السوداني في مكان الفلسطينيين. لأن الفائدة المادية أو الوظائف التي ستنشأ من هذا المشروع السياحي ستقتصر علي منتسبي الحزب الحاكم, تماماً كبقية موارد الدولة وثرواتها. إن هذا العالم به العديد من الأنظمة الفاسدة ولكنها - عكس نظام الخرطوم - تمارس الفساد علي إستحياء.   

لم يتناقص السودان من أطرافه فقط في عهد المحافظين الجدد بل تناقص أيضاً من أحشائه ورئتيه وقلبه ببيع مناطق إستراتيجية للأجانب, كحديقة الحيوان وأراضي شرق النيل ومشروع الجزيرة للمصريين, أعداء الأمس (مؤتمر القمة الأفريقية في أديس أبابا عام 1995).   

لقد أصبحت الكتابة عن الحملة التدميرية للدولة والمجتمع التي يقودها التتار,  والفساد الذي تزكم الأنوف رائحته, تصيب المرء بالغثيان والكآبة وتثير المرارة ويخشي أن ينتقل عدواها للقارئ.