عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تعكس تصريحات وزير الخارجية علي كرتي الأخيرة بخصوص عدم لعب مصر لدور فعَّال في الشأن السوداني, أن النظام والدولة السودانية يعانيان من أضعف حالاتهما. الأنظمة التي لها إرادة وتحرص علي مصالح شعوبها وسيادتها, تنظر لمسألة نفوذ أي دولة أخري فيها بعين الريبة والشك, لأنه لا توجد دولة تحظي بنفوذ في أخري ولا تستغله لتنفيذ أجندتها. بل أن دولة كالهند لها تقليد راسخ هو رفض الإغاثات الخارجية عند حدوث الكوارث الطبيعية, رغم أنها بلد متعدد الكوارث. أدرك قادة الهند بنظرهم الثاقب أن الغوث الخارجي يمنح الدول الأخري نفوذاً وتصحبه أجهزة المخابرات.

 

المسألة التي تطرق لها وزير الخارجية مسألة شأن داخلي وليس أمر مرتبط بالمصالح المشتركة, كما يفترض أن تكون العلاقات بين أي دولتين. وذلك لأن الأمر الذي أثاره  ليس خلاف أو تقصير مصري في شئون إقتصادية كحركة التجارة أو الإستثمار. بعبارة أخري, يدعو كرتي لمزيد من النفوذ المصري, رغم أن النظام الحالي هو أكثر نظام سوداني منح مصر نفوذاً وقدَّم لها تنازلات في كل مجال, بدءاً بتسليمها إسلاميين مطلوبين من قِبلها إلي التنازل عن سيادة حلايب. وهكذا حال حكام الخرطوم رُحماء بالمصريين أشداء علي السودانيين, حريصين علي الشرعية الخارجية بدلاً عن الداخلية. وبلغ الهوان بجمهورية السودان علي آخر الزمان أن تشير صحيفة مصرية لتصريح  الأكاديمي المصري د. مصطفي النرشدي, يطالب فيه بضم ولاية البحر الأحمر لمصر ولو بالقوة, لأنها كانت تابعة لها في عهد الخديوي إسماعيل, تماماً كلغة وأسلوب نيتنياهو وشارون. ولأن حكام الخرطوم يدركون ضعفهم وفقدهم للإرادة, فقد مرَّ هذا التصريح عليهم مرور الكرام.  

 

وغنيٌ عن البيان إن النظام المصري سعيد جداً بوجود هذا النظام لأنه نفذ له كل مخططاته. ومن هنا جاءت تصريحات مسؤوليين مصريين بتأييد المؤتمر الوطني أثناء الإنتخابات الأخيرة, وهي تصريحات لا تفتقد إلي الدبلوماسية فقط, إنما إنتهازية لأنه كان من اللياقة إنتظار قرار الناخب السوداني وما تفرزه نتيجة الإنتخابات. وكنا نتوقع أن يرد قادة المؤتمر الوطني الجميل بتأييد حزب حسني مبارك أثناء إنتخابات مجلس الشوري الأخيرة, التي - بحمد الله - قد إكتسحها أصدقاؤهم في الحزب الوطني, ولم يفز فيها الأخوان المسلمين بمقعد واحد. ونسبة للخدمات التي أسداها هذا النظام لمصر فإن الحزب الإتحادي أو بقاياه, كحليف تقليدي لمصر, لم تعد ذا شأن بالنسبة لها.    

 

يحدث إنبطاح حكام الخرطوم لمصر في الوقت الذي يمر به النظام المصري بأضعف حالاته, نتيجة السخط الداخلي بسبب قمع المعارضة والمعاناة المعيشية والبطالة وفساد الحزب الحاكم. أما خارجياً, فإن مصر تعاني من الضعضعة أيضاً لأنها فقدت وزنها الإقليمي بسبب تمدد النفوذ الإيراني, ثم التركي خاصة بعد حادثة الباخرة مرمرة. وما كان تصريح المسؤولين المصريين بأن مصر ستشن الحرب علي دول منابع النيل إن خفضت حصتها المائية إلا هذيانا. أما تصريح أبا الغيط بالأمس بأن مصر لن تتراجع عن إخضاع البرنامج النووي الإسرائيلي للرقابة الدولية, فهو حديث لا يقنع حتي رجل الشارع الأمي في صعيد مصر.

 

ما يردِّده مسؤولي النظامين المصري والسوداني عن علاقات إستراتيجية وأزلية بين القطرين قول سليم من الناحية النظرية. أما عملياً, فالأمر مختلف لأنها علاقات غير متكافئة حيث إن السودان هو الشريك الأضعف أو الأخ الأصغر, إن شئت. وليسأل رئيس السودان نفسه عن عدد الزيارات التي قام بها رصيفه المصري للسودان مقابل زياراته لمصر. والحقيقة أن السودان يشكل عمقاً إستراتيجياً لمصر وليس العكس, لأن الأول غني بموارده ويمكن أن يكون متنفس لإنفجار السكان في مصر, إضافة إلي مياه النيل. هذه حقيقة أدركها عبدالناصر عندما سحب جيشه من حلايب بعد حشد الجيش السوداني علي تخومها. وبالفعل كان السودان عمقاً إستراتيجياً لمصر في حرب أكتوبر 1973, إلا أن مصر لم تكن عمقاً إستراتيجياً للسودان في يوم من الأيام, بالمعني الدقيق للكلمة .

 

وليس بالضرورة - إن كان لدينا نظام له إرادة وأُفق - أن تقتصر العلاقة الإستراتيجية علي مصر, ووصفها بالخصوصية ووحدة المصير إلخ. لأن الحليف الإستراتيجي لسوريا هو إيران, وليس الدول العربية التي تجاورها. ولا يربط بينهما الجوار أو اللغة أو العِرق أو المذهب, أو بقية عوامل وحدة الوطن العربي المحشوة في منهج مرحلة الأساس. دول تنهار العلاقة بينها بسبب مباراة كرة قدم, كما حدث بين الجزائر ومصر. بل أن كوبا, دولة صغيرة الحجم قليلة الموارد, وعلي مرمي حجر من أمريكا, مازالت ترفض الإحتماء بجارتها, أكبر دولة في العالم. ولم نسمع عن قادة الثورة الكوبية أن الله قد هداهم لعلاقة خصوصية أو مصير مشترك معها بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي.      

 

أطرف مافي الأمر أن متحدث رسمي بوزارة الخاريجة المصرية قد ذكر بأنه بناءً علي تعليمات أحمد أبا الغيط, فقد تم تكليف السفير المصري في الخرطوم الإستفسار من وزارة الخاريجة السودانية عن حقيقة تصريحات وزير خارجية السودان. كما ذكر المتحدث بأن مصر تقف دائما مع السودان في كافة قضاياه, وتحرص علي تحقيق التوافق الداخلي بين مختلف الفوي السياسية السودانية, وتدعم تحقيق الإستقرار والتنمية في مختلف ربوع السودان الشقيق دون هدف أو غاية, مما يعني لوجه الله.