عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يبذل علماء المسلمين, جزاهم الله خيراً, في الفترة الحالية مجهوداً كبيراً في حل أو توضيح العديد من المسائل الشائكة والملحة في حياة الأمة. وقدم بعضهم إجتهادات مقدرة في الأمور الطارئة أو البدع التي لم يشهدها عهد صدر الإسلام كالتكنلوجيا. فعن الأخيرة, أصدر الشيخان السعوديان عثمان الخميس وسعد الغامدي, فتوي تقول بأن المرأة لا يجوز لها أن تلج الانترنت دون وجود محرم (بسبب خبث طويتها). وأضافت الفتوي أنه (لا يجوز للمرأة فتح الانترنت إلا بحضور محرم مدرك لعهر المرأة ومُكرها). ولا شك أن هذا إجتهاد جيد وموضوعي يصب في مصلحة الأمة, نسبة لما يحتويه الإنترنت علي مواقع الجنس والإباحية, مما يتنافي وشرع الله. بيد أن هذه الفتوي, علي أهميتها, لم تغطِ جانب آخر علي قدر كبير من الأهمية هو رأي الشرع في كيفية التعامل مع الإنترنت في الهواتف المحمولة. لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التقليل من شأن فتوي الشيخين الجليلين, إنما إثارة تساؤل لعلمائنا الأفاضل كي يسدوا هذا الفراغ الهام بمزيد من الإجتهاد والفتاوي في هذه المحدثات لتكون الأمة علي بينة من الأمر.

 

أما جواز رضاعة الكبير, فقد أفتي به الشيخ عبدالمحسن العبيكان, المستشار في الديوان الملكي السعودي. إلا أنه لم يترك الأمر مطلقاً إنما حصره فقط في (الضرورة والحاجات الخاصة). وبعد انتقاد البعض للشيخ العبيكان أصدر بياناً نشرته صحيفة الوطن, وضح فيه أن (بعض الناس يفهمون الفتاوي فهماً خاطئاً فيردها أو ينتقدها من دون السؤال عن حقيقتها وما تدل عليه). وذهب فضيلته للقول أن (الكثير من المسائل الفقهية غائبة عن عقول الناس) و(الناس أعداء ماجهلوا). وإن كنت عزيزي القارئ رافضاً لتلك الفتوي أو مستغرباً منها, فيرجع ذلك إلي عدم بذلك أي مجهود في سؤال العلماء, وأنت عدو جهلك. وما نطق العبيكان عن الهوي إنما استند علي السلف الذين ذهبوا إلي جواز إرضاع الكبير, وهم الليث بن سعد وعطاء بن أبي رباح والصنعاني والنجمي والألباني والشيخ محمد صديق خان وشيخ الإسلام ابن تيمية. وقد استند هؤلاء علي الآية (وامهاتكم اللاتي أرضعنكم) 23 النساء.

 

ولكي يسد الشيخ العبيكان الباب في وجه الذين في قلوبهم مرض, ويودون استغلال هذه الفتوي استغلالاً سيئاً, ذكر سماحته بأن الرضاعة لا تعني أن تكون من الثدي مباشرة, (وإنما يُحلب اللبن في إناء ويشربه الرجل في خمس رضعات مشبعات). إلا أن الشيخ أبي اسحق الحويني له رأي مخالف, هو أن الرضاعة لا تكون إلا بإلتقام (مص) الرجل لثدي المرأة مباشرة, وإن حُلب الثدي ووُضِع الحليب في إناء وأُعطي للرجل لا يُسمي رضاعا. (لا أدري إن كان علمائنا الأجلاء يصنِّفون (البزِّة) كإناء أم لا). ولتأكيد الأمر ذكر الشيخ الحويني أن الرجل في تلك الحالة يكون قد شرب اللبن ولم يرضعه (ولا يسقيم ذلك لا شرعاً ولا لغةً ولا عُرفا). ولتدعيم فتواه, استخدم فضيلة الشيخ المنطق قائلاً: (أنه إن سمينا هذا الفعل رضاعا فإننا نرضع من البهائم, وحتي (عندما تشتري اللبن من البقالة فيمكنك أن تقول أنك رضعت من الجاموسة).

 

وأوضح فضيلة الشيخ العبيكان أن هنالك إستثناء للرضاعة ولا يجوز أن يُمنح هذا الحق الشرعي لكل من هب ودب. ذكر فضيلته بأنه ليس للسائق والخدم حق الرضاعة. ولكن الشيخ العبيكان صمت عن فئات أخري, ولم يوضح رأي الشرع في الذين دخلوا المملكة بتأشيرة عمرة أو حج ثم تخلفوا, هل يحق لهم الرضاعة أم لا. وعلي تداعيات هذه الفتوي, ذكر الشيخ شمس الدين بوروبي, أحد أشهر رجال الإفتاء في الجزائر, أن تاجراً استفسر منه عن امكانية رضاعته من موظفة تعمل في محله. كما ذكر الشيخ شمس الدين أن إمرأة جاءت تستفسره, فذكرت له أن زوجها يشك في أن لها علاقة مع صديقه فطلب منها أن ترضعه حتي تحرم عليه, وهددها بالطلاق إن لم تنفذ أمره. 

 

وكان رأي الشيخ أحمد الهاشم, مدير إدارة الأوقاف في المساجد والدعوي والإرشاد السعودية, متذبذباً في هذه الفتوي. فمن ناحية ذكر أن (العبيكان من المشائخ الأفاضل الذي قد يكون وقع علي أمر لم يقع عليه غيره من الفقهاء). ومن أخري, ذكر بأنه (يلتزم الحياد في تلك المسألة دون أن يحللها أو يحرمها). ويكمن التذبذب في أنه إعترف بمكانة الشيخ العبيكان, إلا أنه رفض إتخاذ موقفاً صريحاً بتحليلها. والحقيقة أن إثارة هذه الفتاوي والإنشغال بتلك الأمور الهامة والحيوية أفضل من إثارة أمور أخري فيها مضيعة للوقت والجهد, كالقضاء علي الأُمية ومرض الايدز وسُبل علاج تدهور المناخ العالمي. وذلك لأن  الإحتباس الحراري قد تسبب فيه الغرب بالتصنيع, وليس المسلمون, كما أن الايدز من إفرازات الثقافة الغربية وبحمد الله لا يوجد في العالم الإسلامي.

 

ولعلماء السودان أيضاً نصيبهم من الفتاوي الهامة التي وضحت للرعية الأمور التي تختلط عليها. ونسبة لضيق المساحة, نأخذ مثالاً واحداً هو الفتوي التي أصدرها الشيخ الجليل عبدالحي يوسف قبل الإنتخابات الأخيرة, حين أوصي الناخبين بأن يدلوا بأصواتهم (للمرشح الأقرب إلي الله). وحتي لا يتهم البعض فضيلة الشيخ عبدالحي بأنه مأجور أو منحاز للحاكم, لم يذكر المرشح الأقرب لله بالاسم تاركاً للرعية أن تقرر من هو الأقرب إلي الله. وكانت الرعية علي قدر عال من الورع حين حكَّمت عقيدتها وضميرها باتباع هذه الفتوي بحرفية, كما إتضح من نتيجة الإنتخابات ونسبة الأصوات العالية التي أحرزها الرئيس عمر البشير.

 

أما في عهد السلف, فقد كان الأمر معكوساً, بمعني أن الرعية هي التي تفكر في أشياء حيوية وهامة, ثم ترفع المسألة إلي أهل العلم.علي سبيل المثال, إختلف اثنان من أهل الكوفة في أمر في غاية الأهمية هو رأي الشرع في الذي يسفح دم البعوض والذباب. قال احدهما أنه يجوز لأنه يضر, بينما رفض صاحبه هذا الرأي مستنداً علي أن أنها من مخلوقات الله ولها روح, لذا فلا يجوز قتلها. فسافرا إلي المدينة لرفع الأمر لعبدالله بن عمر, رضي الله عنهما. وبعد أن حدثاه بخلافهما حول هذه المسألة الشائكة, قال: (عجباً لأهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله ويستفتون في دم البعوض والذباب).