عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يعاني بعض المسلمين والمتأسلمين في أوربا من إزدواجية وتناقض وشرخ مفاهيمي. فمن ناحية هم يودون التمتع بامتيازات وحقوق وخدمات دول الرفاهيه, ومن أخري, يستاءون من قوانين تلك الدول, حين تمس أمور يعتقدون أنها جوهرية في معتقداتهم. احتج علي, أو انتقد بعضهم التشريعات التي أُجِيزت مؤخراً في بلجيكا وفرنسا بمنع النقاب في الأماكن العامة, إضافة لمنع إنشاء المآذن في سويسرا.   

 

في مثل هذه المسائل يحاكم المسلمون الغرب منطلقين من قيمه ومؤسساته كالحرية وإستقلال القضاء والحقوق المدنية. وهذا منطق جيد ومقبول لو أنهم حكموا أيضاً علي حظر النقاب بأنه صدر من احدي تلك المؤسسات وهي التشريعة, وليس قراراً فوقياً صادراً من ملك طاغية أو رئيس مستبد كما الحال في مواطنهم الأصلية. في حالة فرنسا, صوت نواب الهيئة التشريعية بالإجماع (434) بحظر النقاب دون معترض واحد. وكما يستند المسلمون علي تراثهم وقيمهم, استند نواب الجمعية التشريعة الفرنسية في هذا الحظر علي مبادئ الثورة الفرنسية الثلاثة: الحرية والمساواة والإخاء.

 

وإن كان في الأمر تجريحاً لمشاعرهم الدينية فالأولي بهم نقد كل من الإمام الصادق المهدي والترابي, اللذين أفتيا بعدم وجود شيء اسمه الحجاب في الإسلام, ناهيك عن النقاب. وإن كان في هذا التشريع تجريحاً, فإن تجريح الإمام وصهره أكثر أذي لأنه صادر عن مسلمين نفوا فيه إسلامية الحجاب. ولكن يفلح بعض المسلمين دائماً في تصدير تناقضاتهم وأزماتهم للخارج إنطلاقاً من نظرية المؤامرة. كل شيء مؤامرة غربية وصهيونية تستهدف الإسلام والمسلمين. حتي هجمات الحادي عشر من سبتمبر علي نيويورك كانت من تدبير الموساد لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين. سؤال واحد ظلَّ يشغلني ويحيرني هو: لماذا يغير الغرب من المسلمين ويستهدفهم ولا يستهدف الهندوس في الهند أو الملحدين في الصين. ولسوء الحظ لم يعان المسلمون من محرقة كالنازية يجترون ذكراها لكسب التعاطف والمؤيدين.

 

وبينما يحرص المسلمون علي الحفاظ علي هويتهم وقيمهم في دولهم ومجتمعاتهم, فإنهم يجردون الأوربيين من هذا الحق. فبحسب الإحصائيات, وبمعدل الإنجاب الحالي, سيبلغ عدد المسلمين ربع سكان أوربا بحلول عام 2050, حتي لو وقفت هجرتهم أو منعتها السلطات. تأمَّل معي هذا التصريح الذي يقلق فيه صاحبه علي تغيير التركيبة الأثنية للعاصمة من قِبل مواطنين سودانيين, وليس مهاجرين. إذ كتب في جريدة الرأي العام في التسعينيات يحذِّر من نزوح غير العرب للعاصمة, خاصة وأنهم أكثر تناسلاً, مما يحوِّل الخرطوم إلي سويتو, مركز السود في جوهانسبيرج, جنوب أفريقيا. هذا الكاتب ليس الغطريس مصطفي إسماعيل أو صلاح قوش أو نافع إنما د. حسن مكي, الذي يطلق عليه البعض صفة مفكر. مثل هذا التصريح, الذي يعدينا إلي الجاهلية الأولي, لا يصدر من مسئول أو مفكر أوربي تجاه المهاجرين. وإن صدر, فمن حق الذي أصابه أذي العنصرية البغيضة أن يطالب بمقاضاة كاتبه.

 

ويتجلي تناقض البعض إلي حالة مزمنة حين يستنكرون حظر النقاب في نفس الوقت الذي يلتزمون فيه بقوانين ونظم يفترض أنها تتعارض مع قيمهم الإسلامية. وأهم هذه القوانين هو قانون الضرائب, حيث ساهم أو يساهم المسلمون من خلال دفعها في الصرف علي بنود كتمويل حرببن يقتل فيهما المسيحي المسلم في العراق وأفغانستان. كما يساهمون من خلال الضرائب في الدعم المالي الذي تقدمه الحكومات لجماعات اللواط والسحاق والمنظمات التي تنادي بالإجهاض, اضافة إلي الأبحاث في مجال الإستنساخ.

 

أما المستفيدين من الإعانة التي تصرفها الدولة للعاطلين والمعوقين, فإنهم يأكلون في بطونهم مالاً يدخل فيه سعر الفائدة, والضرائب التي تجمعها الدولة من الكبريهات والسينما ومبيعات الخمر, ومبيعات الأسلحة لإسرائيل. وفي كل من هولندا وألمانيا فإن المال العام يدخل فيه الضرائب التي تجمعها الحكومة من العاهرات. وللحصول علي الجنسية في بريطانيا يؤدي المتجنس القسم بالولاء لملكة بريطانيا العظمي. وبينما استنكر البعض حظر المآذن في سويسرا, وهي مسألة رمزية, فإن مواطنيها من المسلمين يحملون جواز سفر يوجد فيه الصليب كشعار, وهذه مسألة تنسف أساس الإسلام: التوحيد. ولكن بما أن الجواز الأوربي له هيبته, ويغني عن التأشيرات للعديد من الدول فإنهم يغضون الطرف عن ذلك. إن النظام الغربي نسق متكامل لا يتجزأ ولا فكاك منه. ولن يستطيع المتأسلمون نجر فتوي تبيح تلك المحظورات المذكورة, حتي من فقهاء الضرورة والمصلحة, وإن اجتمعوا.

 

ولتفادي القانون, يلجأ بعض المسلمين لحيلة غير أخلاقية وغير دينية في حالة الزواج من ثانية هي الكذب بأنها خليلة, مما يعني الحط من إنسانية الزوجة ومكانتها. كما ترسل بعض الأُسر بناتها لدولها الأصلية لقطع بظرهن.

وبالمقابل لا يتطرق أولئك للإضطهاد الذي تتعرض له الأقليات الدينية في الدول الإسلامية, إذ أن إنشاء كنيسة رجس من عمل الشيطان في شمال السودان ومصر, رغم أن وجود القبط قد سبق الإسلام في الأخيرة. بيد أن معظم المسلمين ينطلقون في هذه الأمور من المفهوم الأُحادي المترسب في عقلهم الباطني بأن (الدين عند الله الإسلام), كأنما لدي النصاري شك في أن الدين عند الله المسيحية.  

 

يقودنا ذلك للتطرق للأثر السالب لوجود إرهابيين مسلمين في الغرب علي القيم والمباديء الغربية الرفيعة, التي كانت تقدِّس حرية المواطن وخصوصيته بعدم التجسس عليه. علي أثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001, وتفجيرات لندن, تنازل الغربيون عن مبادئهم وقيمهم التي عزَّزت إنسانية الإنسان بتغول الدولة علي الحريات الأساسية والخصوصية. ومما يجدر ذكره أن بعض المسلمين قد نظموا ندوة في لندن قبل شهور, شارك فيها مثقفون, ناقشت أحد الأمور الحيوية والملحة هو مفهوم دار الحرب ودار الإسلام, كأنهم قد أحرقوا الطائرات التي أقلتهم من دار الإسلام, كطارق بن زياد. كما نظمت طائفة من المسلمين مسيرة في مدينة لندن نادت بتطبيق الشريعة. هذه ليست السمكة البريئة التي قفزت من الماء بعد الشبع, إنما شخصا آويته في دارك بعد أن كان بلا مأوي, فإذا به يطالبك بمنحه مزيداً من المساحة والخصوصية حفاظاً علي هويته.

 

وبما أننا خير أمة أُخرجت للناس نأمر بالمعروف وننه عن المنكر, فنتوجه بالنصح لأهل ملتنا من المستائين من حظر النقاب بالرجوع لمواطنهم الأصلية التي تسمح حتي بعودة الجيل الثاني. مثل هذه الهجرة ستكون أخف وطأة من هجرة المسلمين الأولي للحبشة حين اضطروا للهجرة لبلاد يجهلون لغتها وتقاليد أهلها المسيحيين. كما أنها ستكون أسهل من هجرة يثرب حين ترك النبي الكريم وأصحابه نسائهم وأموالهم وممتلكاتهم. علي الإقل في العالم الإسلامي سيبعدون أبناءهم عن أذي رؤية رجل يقبِّل رجلاً أو إمرأة تقبِّل أخري أو مشاهدة برامج الجنس والإباحية. في تلك البلاد تتوفر حقوق ليست متوفرة في الغرب كارتداء النقاب, ومن حق الأسرة بتر بظر البنات. كما يحق للرجل الزواج مثني وثلاث ورباع, والضرب غير المبرح للنساء. ومن شاء أن يشيد مئذنة بارتفاع برج دُبي فنصيبه من الأجر عظيم. أما من شاء العيش في وسط يفرض حتي السنة كقانون صارم, فدونه المنطقة التي تقع تحت نفوذ حركة الشباب الصومالية, حيث فرض اللحية وتقصير البنطال ومنع الإذاعات بث الموسيقي.

 

وفي الختام, فإن المساهمة في تنمية ونهضة ديار المسلمين أفضل وأكثر ثواباً عند الله من خدمة ديار المسيحيين.