عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ذكر الرئيس عمر البشير بأن الأحزاب السياسية هي السبب في تعطيل الديمقراطية لعقدين, عندما قال مشيراً لقادة الأحزاب: "هؤلاء عطلوا التحول الديمقراطي عشرين عاما." وأضاف سيادته بأنه حينما إنقلب علي النظام الديمقراطي كان يهدف لإدارة حوار شامل مع القوي السياسية في البلاد يفضي إلي نظام جديد يقوم علي التعددية السياسية. وهذا تبرير طريف جداً إذ يحمِّل الأحزاب السياسية تعطيل الديمقراطية لمدة عقدين كاملين, كأنما تلك الأحزاب قد أمرت الدبابات بإحتلال الجسور والإذاعة وإذاعة بيانها الأول وتعطيل الدستور.

 

ومبعث الطرافة في أنه كأنما يفترض أن النظام الذي سبقه لم يكن تعددياً, أو أنه لا يعترف بتلك التعددية, علماً بأن الحركة الإسلامية (سابقاً) قد عملت خلال النظام الديمقراطي وإستغلته واستفادت منه. الطرافة أيضاً في أن سيادته يفترض أن (الحوار الشامل مع القوي السياسية) يتم معها بعد الإنقضاض علي النظام الذي كانت تعمل من خلاله, وبعد أن تسيطر "الحركة الإسلامية" علي الجيش وتسرِّح عشرات الآلآف من كوادرها من الخدمة المدنية والعسكرية وتنشيء جهاز أمن بسيرته المعروفة. أو كأنما سيادته يفرض أن (الحوار الشامل) كان ممنوع خلال النظام الديمقراطي.

 

إن هذا المنطق كمنطق من يلقي بشخص برئ في غياهب السجن بدعوي الحوار معه لتحسين سلوكه. إن الحوار الذي إقترحه سيادته فشلت فيه هذه الحكومة حتي مع الحركة الشعبية, رغم أنها شريك في الحكم ورغم الإتفاقية, بحيث لجأت إلي مصر لحل الخلافات. وهذه الحكومة الأولي في العالم التي تسعي لحل خلافاتها الداخلية عند دولة أجنبية. كما رفض مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة أن يكون السبب وراء إصراره علي إجراء الإنتخابات في موعدها ورفض تأجيلها هو بحثه عن شرعية في مواجهة الإتهام الموجه إليه من المحكمة الجنائية بشأن دارفور. هذا صحيح ولكن السبب هو بحث المؤتمر الوطني عن شرعية لعلها تغفر له خطيئة الإنقلاب, ثم يردد قادته, إن فازوا أنهم جاءوا عن طريق الشرعية. 

 

صحيح كانت هناك مماراسات سلبية أضعفت النظام الديمقراطي وقد أسهبنا في نقده. إلا أن النظام التعددي لا يمكن مقارنته بنظام "حزب واحد" خاصة في قطر بالتنوع السوداني. ولا يمكن أن يكون علاج سلبيات الديمقراطية بإنقلاب عسكري, ترفض حكومته لمرشح رئاسي بإذاعة برنامجه من خلال الإذاعة. أو تمنع تسيير مظاهرة سلمية للمعارضة وتعتقل قياداتها الحزبية ويعتدي أفراد أمنها علي المتظاهرين جسدياً.

 

يكاد أن يكون السبب الرئيسي في عدم رسوخ الديمقراطية في السودان هو عدم إكمال أي برلمان لدورته, مما يمنح الناخب فرصة لتغيير حكومته. إن الذين يروجون, ومن بينهم مثقفين, لأن السودان لا تناسبه الديمقراطية الليبرالية الغربية هو قول مردود. وذلك لأن ديمقراطية بريطانيا قد نضجت بعد قرون, كما أن هذه الديمقراطية رسخت وتعمل جيداً في دول نامية كالهند وتركيا وماليزيا.

 

والحقيقة أن الإنقلاب لم يكن لثورة تغيير أو إنقاذ البلاد أو تطبيق شريعة إنما كان للحكم من أجل الحكم. الثورات التي قامت بها قيادات جادة لرفعة بلادها في إيران والصين وروسيا, لم تتخطَ الثلاثين عاما في إنجاز مشروعها النهضوي والتغيير. في ثلاثين عاما نقلت الثورة البلشفية روسيا من الإقطاع إلي دولة نافست أمريكا علي العالم وفجرت الذرة. وأنجزت الثورة الصينية النهضة وفجرت الذرة في أقل من ذلك. وها هي إيران قد أصبحت قوة لها وزنها ولها منظومة صواريخ يصل مداها أوربا وعلي وشك تفجير الذرة في ثلاثة عقود أيضاً. كما أصبحت الهند القوة الصناعية الثامنة في العالم وتمكنت من بناء مشروعها النووي في ثلايين عاما, رغم الفقر وعدد السكان.

 

أما حالنا في هذين العقدين, فقد تناقص السودان من أطرافه وتآكل مجتمعه من داخله بأمراض إجتماعية دخيلة. كما أضحت البلاد في أضعف حالاتها بحيث أن دولة إستقلت عام 1956 ونظمت أنجح مؤتمر قمة عربي, وفي أحلك الظروف, تلجأ للوساطة لحل خلافاتها الداخلية لقطر, دولة تبلغ مساحتها ولاية الخرطوم ونالت إستقلالها عام 1971.