المرء إذ يتوقف هُنيهة عند المناسبة التي قِيل فيها حديث الجمرة ليتساءل. هل هي - وِفق عنوانها - لتدبر آي الذكر الحكيم، ومعانيه وعِبره وقَصصه، مرسله ومقيده، متشابهه وغير المتشابه ناسخه ومنسوخه، أم اقتناصها كفرصة للتنقيب في التاريخ لاكتشاف حادثة لتبرير الخيبات. وفي المناسبة، قرأت قبل أسابيع معدودات عن حادثة أخري للمؤتمر الوطني غطاها الإعلام: "مشروع الفرار إلي الله". ظننت في الوهلة الأولي أنها - كما يوحي ظاهر العبارة - خروج إلي الصحراء أو للأقاليم أو للقري، في رحلة روحانية وانقطاع مؤقت عن المادية والاستهلاكية وسرعة إيقاع حياة المدن. فكان ظني كله إثما، إذ احتوت علي (صلاة حاجة واستغفار، والصلاة علي النبي، والدعاء، والتضرع بنية حفظ البلاد، والحسبة) (الأخيرة بدعة كيزانية جديدة). طقوس - ما خلا البدعة - ظل السودانيون يمارسونها بلا دعاية أو إعلام، مُذ دخول بن إبي سرح. الجديد الوحيد فيها أن استراتيجية حماية البلاد قد تطورت من مرحلة الدفاع بالنظر إلي الدفاع بالدعاء. هذا ليس إسلام شكلاني، كما تقول الأدبيات، بل هو إسلام فهلواني، فرصة لممارسة النفاق والرياء ومحاولة خداع الناس ونهب المال العام، فهنالك ميزانية رُصدت لها وتشرف عليها "الهيئة الشعبية للثقافة والوفاء والسلام".

وعلي عثمان، كما هو معروف، هو العقل المدبر والمهندس لتلك الجريمة عابرة البلدان والحدود والأوطان، التي لا تشبه طبيعة ساسة السودان قبل هذا الاستعمار، إذ كان رئيساً للجنة التي أُنيط بها اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك. كانت، بل ما فتئت مفاعيل وعقابيل تلك المغامرة ثقيلة الوطأة علي السودان، لما نجم عنها - إضافة لاحتلال حلايب والفشقة - من قرارات وعقوبات وعزلة دولية وإقليمية. أي كان له القدح المعلي في الانهيار الاقتصادي والإفلاس الذي يردّه لعالم ما بعد الاستقلال. وحتي لو أسقطها التقادم؛ فالحكم عليها، كفعل طائش ومقامرة وشغل عصابات، تسبب في إيذاء السودان قد صدر واستقر وقرَ، والباقي علي المؤرخين تدوينها كأول جريمة عالمية يرتكبها نظام سوداني. حقيقة، أضحكني ما قاله بعد أن نشر شيخه الغسيل المتسخ في حواره مع "الجزيرة": "لو كان الترابي حياً لناظرته". خبيث يلاقي خبيث؛ وجهان لقطعة نقد واحدة، ولو كان المذكور يرغب في رد أو تعقيب أو مناظرة لما اشترط بثها بعد ذهابه. أيضاً، ورغم رأينا في شيخه، كونه جذر الكارثة ورأس الفتنة وأس الخراب، إلا أن مكيدة الانقلاب عليه (المفاصلة)، لا تشبه شريعة أو أخلاق الساسة السودانيين، ولا توجد لا سابقة، بل تشبه شريعة فرويد "الابن لا يستطيع تحقيق شخصيته واستقلاله إلا إذا قتل اباه".

المقولة الثانية١ تجافي الحق والمنطق وتستفز العقل "إن إقامة الدولة الإسلامية لا يعني نهاية الجوع والوصول إلي حالة الرفاه. ولو كانت إقامة الدولة المثال مرتبطة بالرفاه لأقامها الرسول، كانت حالة الناس يسودها الضعف والمشقة". وأنت تري هنا العجب العجاب، فمع أن التاريخ لم يحدثنا عن مشقة في دولة المدينة إلا في عام الرمادة، عهد عمر بن الخطاب، سنفترض حدوثها. في هذه الحالة لاقتسُمت سواسية بين الحاكم والمحكوم، بينما نجد الطبقة الحاكمة الآن مكتظة الخدود والكروش والأرداف، في حين نعاني من الهزال وفقر الدم وسوء التغذية. والعقد الاجتماعي في الدولة النبوية كان اقتسام البأساء والسّراء بالقسطاس المستقيم بين الحاكم والمحكوم، بينما نجد عقدهم يخصّ الحاكم بالسّراء والمحكوم بالبأساء والضَّراء. ولو سلّمنا أن المخمصة قد حصلت في تلك الدولة، فلا يعني ذلك حتمية الجوع، فالمسألة ليست فرضاً أو سنة أو مُستحباً أو مندوبا. وفوق هذا وذاك، البعد بين دولتي النبي الأكرم والرفاه كبُعد المشرقين، فالدولتان انتجهما سياق تاريخي يختلف. ونظام الرفاهية مفهوم أوروبي حداثي، لم يعرفه الغرب قبل بسمارك، مستشار ألمانيا (1871-1890)، وليت شعري كيف يقيم الرسول الكريم نظاماً وُلد من رِحم القرن التاسع عشر!

هل يجهل عليّ ذلك؟ كلا، فهو ليس كالرئيس، إنما تغلب عليه طويّته وخبثه وتحتمان عليه هذه اللولبة. والمُبتغي من هذه القولبة، يذهب أبعد من حديث الجمرة، فهنالك جعل من الجوع والمعاناة "لبنة في تكوين الشخصية". أما هنا فنجد شرعنة للجوع وتقديس له، لأنه طالما حدث عند البعثة، فينبغي علينا التسليم به، فنحن لسنا بأفضل من معاصري الرسول الكريم! إنها الطبيعة المخاتلة للمتمسلمة في أوضح تجلياتها؛ تصدير الخيبات لجهة ما (الحصار، انفصال الجنوب)، وإلقاء اللائمة علي عاتق كل جهة ما عداهم، لأنهم مقدسون، وعن الخطإ معصومون. وإن لم تأت "دولته المثال" للقضاء علي الجوع أو الظمأ في بورتسودان حالياً، فلماذا جاءت، أو لماذا انقلبت الحركة الإسلامية علي النظام الديمقراطي؟ وما هي المعضلة التي أتت لحلها في شعارهم المبتذل "الإسلام هو الحل"؟ لإقامة مناسبات النفاق، كالفرار إلي الله وأسبوع القرآن الكريم السنوي، أم للفساد والاستبداد أم لجلد النساء لارتداء البنطال كزي فاضح؟ يُروي في المناسبة أن داعية إسلامي سافر إلي السويد، فأخذ يدعو أهليها إلي الإسلام. فسألوه: لماذا؟ قال: الإسلام هو الحل. قالوا: ليست لدينا مشكلات تحتاج حلا، قال: إذن تسلموا الأول وستأتيكم المشكلات التي نحلها لكم.

مختصر الحديث:
لو كان بوسع المتأسلمة احتكار كتابة التاريخ، كاحتكارهم الحالي للسلطة والثروة، لأعادوا كتابته بسرديّة جديدة تبدأ بالنكبة وتجبّ ما قبلها وما سواها. لأنها هي الفيصل فكل ما قبلها طالح حتي لو كان مجانية الصحة والتعليم والاكتفاء الغذائي، فهذه يلغيها الإخفاق في توفير أعواد الثقاب، وكل ما بعدها صالح حتي ولو كان جوعاً ومخمصة. وأقوالهم التي تشيطن الأنظمة السابقة، وتنزه نظامهم وتقدسه، كثيرة لا تكاد تعد أو تحصي وكلها بهتاناً وسخفاً وإفكا. كقول إبراهيم محمود مساعد الرئيس "قبل الإنقاذ كانت الناس بتتقسم الصابونة"، أو قول ضار علي نافع "قبل الإنقاذ ما كانت في كهرباء وموية"، بدر الدين محمود "لو ما الإنقاذ الشعب السوداني كان كله مشي المقابر". إلا أن واحد منها قد كان طريفاً: الكاروري "قبل مجيئنا كان هنالك أكثر من مئة بار الآن هناك 5 ألف مئذنة".
هنيئاً لإنجاز الإنقاذ، أضافت بعد رحيل الرائع محجوب شريف عن عالمنا²، مآذناً ومصنعين افتتحهما الرئيس شخصياً: أحدهما لتعبئة الملح والثاني (كاتش آب)!
______________________
١ محاضرة نادي الشرطة ببُري بعنوان "تحديات الخطاب الإسلامي المعاصر".
² كانت المنجزات أثناء حياته "تلات كباري وشارعين وسد".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.