المراقب لحال ومآل العلاقة السودانية - السعودية، يلحظ - بسبب افتقاد المنهج - حالة سوء المِراس، وقلة الحيلة وضيق الأفق في إدارتها، شأنها شأن علائق النظام المتقلبة ببقية دول العالم طيلة عهده، وشأنها شأن السياسة الداخلية، إذ لا تنفصل السياستان الخارجية والداخلية عن بعضهما، كما يقول الفِقه السياسي. بل هي في الواقع علاقة أدني بأعلي، وحاش للأدني أن يعلو الأعلى يا ياقوت. في المحيط الإقليمي؛ يحاول النظام أن ينال حظوة و/ أو أن يكون طرفاً في حلفين متنافرين متضادين، بل يناصبان بعضهما عداءً يفوق ذاك الذي حدث بين القوتين العُظميين إبان حقبة الحرب الباردة. وهذا ليس بأمر جديد، ففي عنفوانه، تحالف مع العراق ودعم احتلال صدام حسين للكويت، في حين كان حليفاً لإيران. أما في شيخوخته، فيبدو التقلب في كونه فعل كل صغيرة وكبيرة لنيل رضا دولة الاستكبار، ثم سأل حماية روسية منها بعرض ليس دون إقامة قاعدة عسكرية!


كانت خطوة هوجاء عرجاء قطع النظام العلاقة بإيران، فلا هي مؤسسة علي سبب وجيه ولا راعت المصالح المشتركة -حجر الزاوية في العلائق الدولية. إذ كانت الجمهورية الإسلامية ذخراً استراتيجياً له مُذ مولده، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنيا. وبعد أن أحرق النظام الورقة الإيرانية؛ ووضع بيضه في سلّة واحدة، تدرك المملكة العربية السعودية وشقيقاتها أنه لا مفرّ منها إلا إليها: لا خيار له سوي الاستمرار في علاقته بها، حتي وإن قطعت أو قلّصت العون، كما نري حالياً من ندرة النفط والضائقة الاقتصادية. بل حتي وإن خطت خطوة تُصنف عند الدول التي تحترم نفسها كإجراء عدائي: إبرام الرياض اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة، والذي يعترف بسيادة مصر علي حلايب! ومقارنة بمصر، التي تضع أيضاً بيضها في سلّة واحدة، فإنها تحظي بسيل دعم خليجي لا مقطوع ولا ممنوع، من قروض ميسّرة وودائع وهبات وشحنات نفط (وزيارة الأمير محمد بن سلمان). السبب؟ السعودية أدري بالعريكة الحرباوية للإسلاميين، ولا تأمن جانبهم، إذ خبرتهم عندما منحتهم مأوي ومثوي حين عانوا من بطش الأنظمة اليسارية في ستينيات وسبعينيات القرن السالف، فحاولوا اختراق المجتمع السعودي بتكوين خلايا لهم.

كان الحدث القاصم هو زيارة الرئيس التركي رجب أردوغان، ومنح تركيا موطئ قدم عسكري علي مرمي حجر من جدة إضافة لوجودها العسكري في الصومال. وأردوغان هو عرّاب الإسلام السياسي - العدو اللدود لحلف الخليج /مصر - ولم ينس أن يرفع أصابعه الأربعة في الخرطوم، في إشارة لضحايا الإسلاميين المصريين في حادثة رابعة العدوية. مضاف إلي ذلك انحيازه لقطر في الشِقاق الخليجي، وإرسال قوات تركية لها. كذلك، شهدت الخرطوم في ذات الحين اجتماع قادة أركان جيوش تركيا وقطر والسودان. في ضوء ذلك، بدا طبيعياً أن تثير هذه التطورات، أو بالأحري التقلبات، ثائرة القاهرة والرياض إضافة لأبي ظبي، ومن ثمّ البرود في علائقها بالخرطوم، ووقف العون. والحق حتي قبل زيارة أردوغان، كان النظام السعودي يرسل رسائلاً تصنف رصيفه السوداني في منزلة العميل وليس الحليف، كما بدا من مستوي استقبال رسمي متدن عند زيارات الرئيس السوداني المتكررة المتعددة للملكة. ففي اثنين منها خلال عام واحد 2017، كان في استقباله مرة أمير الرياض فيصل بن بندر، وأخري (نائب) أمير مكة عبدالله بن بندر، في آن كان فيه العاهل السعودي ببطن مكة.

عن اليمن، يثير بعض البرلمانيين مسألة سحب الجيش، كبالون اختبار في محاولة لابتزاز السعودية أو جسّ نبضها علي أقل تقدير، ترد السعودية برسالة عبر مساعد وزير الدفاع، يلتقي الرئيس ويشكره علي "الأدوار البطولية للقوات السودانية في اليمن". يرد الرئيس أن السودان سيستمر في الدفاع عن أرض الحرمين، وإعادة الشرعية، أمر أكل عليه الدهر وشرب، لأن دول التحالف تريد اليمن كدولة فاشلة، فالإمارات باتت تحتل الجنوب اليمني بما فيه أرخبيل سقطري، وأنشأت قواعدها البحرية والبرية وسجونها الخاصة، وهدّدت عبدربه منصور وحكومته بالتصفية إن بقوا في عدن، مقر الحكومة الشرعية التي يحارب جند السودان لإعادتها. أما الدفاع عن أرض الحرمين، فهذه لا تحتاج لوقفة ما عدا الذي كتبه الطيب مصطفي، قائلاً إنه يؤيد ارسال جنودنا لليمن انطلاقاً من موقف عقدي، وأن البيت الحرام مقدّم لديه علي الخرطوم. وهذا الكلام جيد، عظيم عند الله، غير أنه اشتكي وملأ الصُحف ضجيجاً وعويلا "أبناؤنا يستشهدون فى دول تنتج النفط ونعانى أزمة وقود." فالشكوى في غير محلها، لأن المسائل الإيمانية هي واجب لا يرجو المؤمن لها مقابلاً من سقط المتاع كنفط أو وديعة في هذه الآجلة، فثوابها مؤجل للآخرة، والشهداء عند ربهم يُرزقون.

خلاصة:
لو حافظ النظام السوداني علي شعرة معاوية مع إيران، لما لقي نفسه محشوراً في تلك الزاوية بدون نافذة للمناورة. لهذا السبب تعلم السعودية علم اليقين أن السودان لن يسحب قواته من اليمن، لأنه لم يبق له من ولي ولا نصير، كما أنها أدري بأدق تفاصيل وخبايا النظام، وخاصة ما اعتراه من وهن، عبر طه عثمان مدير مكتب الرئيس السابق، الذي قامت بتوظيفه، قبل أن يجف حبر توقيع الرئيس علي قرار عزله. ولو يقم النظام علاقة عسكرية / آيدلوجية مع تركيا وقطر، وحصر وشائجه معهما في المجال الاقتصادي، لما باء بغضب من حلف الخليج، وما ترتب عليه، وأي نظام له قدر يسير من الأفق والتبصُّر بعواقب الأمور والادراك بالتوازنات الدولية لن يقدم علي خطوة كتلكم.

_________________

حاشية: ثمة أمر غريب مستفز للشعور الوطني بخصوص جزيرة سواكن، هو أن أردوغان قد تحدث عن "إعادة تأهيل سواكن وإدارتها لفترة زمنية غير محددة". إذ لا توجد قطّ في الاتفاقيات بين الدول ترتيبات دون تحديد أمد بعينه، ما حاشي تلك التي يفرضها المنتصر علي المهزوم في الحرب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.