عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لم يكن خطاب حالة الإتحاد, الذي ألقاه الرئيس الأمريكي الإسبوع الماضي, مفاجأة في تفاديه لأهم وأوضح قضية في أهم بقعة في العالم. لأن ذلك قد سبقته سياسة لا لبس فيها في الإنحياز الأعمي لإسرائيل وتجاهل الحقوق الشرعية الفلسطينية. لقد إنقضي من إدارته عاماً بأكمله ولم تتحقق فيه مثقال ذرة من التقدم في حل الدولتين. ليس هذا فحسب بل أن عقبات السلام كالإستيطان وتهويد القدس قد تكثفت خاصة في ظل حكومة اليمين الحالية. والحقيقة أنه ليس هناك فرقاً يُذكر بين أوباما وسلفه, فيما يتعلق بقضية فلسطين سوي خطابه الإنشائي في جامعة القاهرة. 

 

لعله من المفيد في هذا السياق الإشارة إلي خطاب أوباما أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك), في سبتمبر من العام الماضي. لقد كان ذلك الخطاب, الذي أدَّي فيه فروض الطاعة والولاء للجالية اليهودية, عبارة عن مشروع نيتنياهو بحذافيره للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. في ذلك الخطاب, أعلن أوباما أن أي إتفاق سلام لا بد أن يتضمن الإعتراف بيهودية دولة إسرائيل, وبالقدس المُوحَّدة عاصمة إسرائيل, رغم القرارات الدولية بشأنها. كما تعهَّد بتقديم 30 بليون دولار كمساعدات لأمن إسرائيل خلال العقد الحالي, والحفاظ علي تفوقها العسكري النوعي. ثُم عقَّب قائلاً بأنه كان من الرافضين لخوض حركة حماس للإنتخابات, وأنه لن يسمح لها بالجلوس في طاولة مفاوضات سلام مالم تعترف بإسرائيل والإتفاقيات السابقة, كأنما نتيجة "مفاوضات" سلطة محمود عباس علي وشك إعلان الدولة الفلسطينية.  

 

وفي المقابل, فقد إتضح أن خطابه في جامعة القاهرة (يونيو 2009), الذي حيَّا فيه مستمعيه ب "السلام عليكم" واستدل فيه باّيات قراّنية, لم يكن سوي ترضية خواطر بحديثه عن مساهمة الحضارة الإسلامية في الفكر والمعرفة الإنسانية. في ذلك الخطاب ذكر أوباما بأن الفلسطينيين يعانون الذل اليومي من الإحتلال وأن هذا الوضع لا يُطاق. وقال بنص كلماته: "إن الولايات المتحدة ترفض بناء المستوطنات المستمر لأنها تتعارض مع الإتفاقيات السابقة. لقد اّن الأوان لوقفها." بيد أن هذا القول, الذي مضت عليه سبعة شهور, لم يعقبه فعل بالضغط علي إسرائيل لإيقاف بناء المستوطنات, إنما أعقبه ضغط دبلوماسي علي الأنظمة العربية للتطبيع دون مقابل, مع إستمرار الإستيطان.

 

وبما أن النظام العربي يعاني من عجزه المعروف, فقد سعي حثيثاً في خطوات تطبيعية بلا مقابل, من تبادل الزيارات الرسمية والسلع والخدمات, كان من اّثارها إختراق الموساد لأمارة دبي وإغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح. وحتي الاّن لم يفهم القادة العرب, السائرون علي درب التطبيع, المفهوم المتبادل بين إسرائيل والغرب عن وجود الدولة العبرية في تلك البقعة. يقول هذا المفهوم أن إسرائيل دولة موجودة في المشرق العربي ولكنها لا تنتمي له لأنه موطن بدو برابرة, إنما هي إمتداد للحضارة الغربية فيه. لذا سعي رئيس وزراء بريطانيا لتغيير القوانين ليتسنَّي لمجرمي الحرب الإسرائيليين زيارة بريطانيا, كأنما ملاحقة مُنفذي المحرقة النازية فرض عين وملاحقة منفذي محرقة غزة حرام.     

 

وقد يجد المرء عذراً لعجز سلطة محمود عباس لقلِة, إن لم يكن إنعدام, كروت الضغط لديها. إنما تكمن المأساة في عجز الأنظمة العربية التي تقدم التنازل تلو التنازل لإسرائيل دون مقابل, رغم الكروت التي يمكنها إستغلالها ليس في مساومة إسرائيل فقط بل مساومة أمريكا. يصر القادة العرب, طال عمرهم, علي البقاء في حالة سبات وثبات في عالم يتغير يومياً. ومازالوا يصرِّون علي التبعية والخضوع للغرب في حين أنه في أضعف مايكون حالياً جراء الكساد والحروب وبروز قوي منافسة ولها مستقبل كالصين, التي كانت أسرع الدول التي تعافي إقتصادها وحقق نمواً في العام الماضي بلغ ضعف ما حققه الإقتصاد الأمريكي, وأصبح الإقتصاد الثاني في العالم.

 

الولايات المتحدة سعيدة بوجود هذه الأنظمة المتحنطة لأنها تطيع أوامرها طاعة صغار الجنود لكبار الضباط. وتعي الإدارات الأمريكية, بما فيها الحالية, أنها إن تغيرت بأنظمة شفافية فإن ذلك سيحرمها من خدمات كبناء جدار العار في رفح, خدمات المخابرات الأردنية في أفغانستان, والسماح لها بإنشاء سجون سرية في أراضيها يتم فيها تجاوز الحقوق والقوانين. بيد أن هذا الخلل في الوضع الرسمي الراهن في العالم العربي لن يستمر طويلاً لأنه يعيش حراك من جيل الشباب الذي يفوق 60 في المئة من نسبة السكان. هذا الجيل يرفض تلك الأنظمة التي لا تمثله وتحتكر الثروة والسلطة وترتمي في تبعية عمياء لأمريكا مرَّغت كرامة الأُمة في الوحل بحيث باتت في ذيل الأُمم. وحينما يحدث تغيير تلك الأنظمة فإن هذه الأمريكا التي أصبحت قِبلتهم لن تمنحهم لجوءً كما فعلت مع شاه إيران.

 

الولايات المتحدة لا تريد أن تستوعب حتي الاّن أن القضاء علي الإرهاب لن يتم بإمطار صواريخها علي منطقة القبائل بباكستان أو فحص مؤخرات المسلمين. العلاج الناجع الوحيد للإرهاب هو رفع الظلم عن المسلمين والعرب بعدم دعم أنظمتهم الفاسدة وإسترداد حقوقهم وعلي رأسها الفلسطينية. وغنيٌّ عن البيان أن الحقوق التي يطالب بها الفلسطينييون متواضعة جداً مقارنة بما أُنتزِع منهم.

 

وإن كان فيديل كاسترو, الزعيم الكوبي قد قال عن أوباما بأن "ذلك الشاب الأفريقي قد خدعنا بإبتسامته المُشرقة" فإن كاتب هذه السطور لم ينخدع بها, فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, لأن رعاية إسرائيل أمر مقدَّس لدي أمريكا بغض النظر عن جمهورية أو ديمقراطية إدارتها أو لون رئيسها. وذلك لأن الإدارات الأمريكية أشبه ما تكون بالواجهة التي تسيِّرها حكومات ظِل خفية أبعد ماتكون عن الحق.