تثير زيارة الرئيس السوداني لموسكو الاهتمام من ناحية الميقات، وما صاحبها من ملابسات وتصريحات وشؤون نوقشت، وتناقض المواقف، وتفتح الباب لمناقشة السياسة الخارجية للنظام بشكل عام. فمن النقائض، أن الرئيس السوداني قد سأل حماية روسيا من الولايات المتحدة، زاعماً أن الأخيرة بصدد تقسيم السودان إلي خمس دول. ولا يبدو ذلك معقولاً، إذ أن العلاقة بين واشنطن والخرطوم تشهد انفراجاً، بل في أفضل حالاتها منذ عهد بل كلنتون، كما بدا من رفع العقوبات الاقتصادية، بعد الإذعان التام لشروط واشنطن (ضمنها السماح لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية برصد الحدود السودانية - الليبية). وفي إشارة حسن النية للنظام، استثنت الإدارة الأمريكية السودانيين فقط من قائمة الدول ذات الأغلبية المسلمة المحرّم دخول مواطنيها لولايات أمريكا. مضاف إلي ذلك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قليل الاهتمام بالعالم، إن لم يكن يجهله، وترهقه التفاصيل، وبالتالي فمن المستبعد أن يرسم خطة لتقسيم القطر. وأخيراً السؤال: ما هي مصلحة واشنطن في أن يصبح السودان خمس أخماس مختلفة؟

عن ميقات الزيارة، فحسب الأنباء المسرّبة، التي تنسجم مع المنطق والسياق، أن جون سلفان، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية قد أوصي رئيس الوزراء بكري حسن صالح، في زيارته الأخيرة للخرطوم، ألا يترشح الرئيس البشير في انتخابات الرئاسة لولاية ثانية في العام القادم. ومن هنا يبدو أن توجس الرئيس من أمريكا أمر مبعثه ذاتي. ويبدو ذلك منسجماً مع حالة الانفعال التي اعتورت الرئيس البشير أثناء الزيارة، التي تبدو جلية فيما أدلي من تصريحات أو عروض قدمها لموسكو. أيضاً عن الميقات، لماذا اكتشاف روسيا وفي هذا الحين بالذات، وبهذا الزخم، وعلي هذا النحو الفجائي؟ فالمعروف أن التوازنات في العلائق الخارجية، وبناء الأحلاف مهمة تستغرق وقتاً مديدا وتتطلب عمل دؤوب، لبناء الثقة. ولو كان للنظام أفقاً لسعي في هذا المسار قبل سنين عددا.

أما عن الشؤون التي نوقشت، فكان أكثر اثارة للدهشة دعوة روسيا لإنشاء قاعدة عسكرية علي ساحل البحر الأحمر. فهذا الأمر، من جانب، لا يُناقش هكذا، دفعة واحدة مع دولة علي الأقل لم يحصل إجراء مناورات عسكرية مع قواتها المسلحة. ومن زاوية أهم، أنه يخالف تقاليد السياسة الدفاعية للسودان مذ استقلاله، والتي آثرت أن تنأي عن المحاور والأحلاف العسكرية والقواعد، التي رعتها القوتان العظميتان في العالم العربي ابان حقبة الحرب الباردة. والمرء ليتخيل أن القيادة الروسية نفسها قد فوجئت بهذا العرض، لأن استراتيجيتها لا تطمح في قواعد في الإقليم حيث لا توجد مصالح حيوية لها. سوريا استثناء، كحليف وثيق لأكثر من نصف قرن، والأهم هو ساحلها إذ ظل الهدف الاستراتيجي لروسيا، منذ عهد بيتر الأعظم (1672-1725) هو مدّ نفوذها من البحر الأسود إلي المتوسط (المياه الدافئة). وربما كان مرمي الرئيس من التطوع باستضافة قاعدة روسية أيضاً أمراً ذاتياً، أي حمايته من ثورة محتملة تتخذ طابعاً غير سلمي، كما حدث في سورية. إلا أن الروس ليسوا بهذه السذاجة.

المتأمل للنحو الذي تدار به دفة السياسة الخارجية بوجه عام ليلاحظ العشوائية والتقلب، مظاهر باطنها ضعف الإرادة وضيق الأفق وعدم الثقة في النفس. فهذا النظام كان قد اصطف ذات يوم، مع "محور الممانعة" (سورية، إيران، حزب الله، حماس)، الذي يحوي مصطلحه علي مناوئة أو ندّية كتلة السعودية واخواتها ومن خلفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان قرار السلطات السعودية رفض عبور طائرة الرئيس لأجواء دولتها، حين كانت تتجه صوب طهران وإعادتها من حيث أقلعت، قراراً قلما تتخذه الدول. إلا أنه مرّ كشيء عابر ودون أدني ردّ فعل من السلطات السودانية، كاستدعاء السفير السوداني في الرياض للتشاور، أو استدعاء السفير السعودي في الخرطوم وتقديم احتجاجاً للرياض، أو حدوث فتور في العلاقة بين البلدين.

ولم يمر حيناً من الدهر فإذا بالذي بينه وبينه عداوة كأنه ولي حميم: قطع العلاقة بطهران وطرد البعثة الدبلوماسية الإيرانية وإغلاق المركز الثقافي الإيراني، في خطوة بدا فيها الرئيس أكثر ملكية من الملوك، ليس مجازاً أو استعارة بل حقيقة، لأن سُلطان عُمان وأمير قطر لم يتخذا قراراً مشابه. ليس فقط هذا، بل سيتطوع النظام السوداني بإرسال جنده لتشارك في حرب اليمن - فيتنام التحالف العربي - وما تبعها من تصريحات جوفاء: الدفاع عن مكة، وأمن السعودية خط أحمر، بينما أمن السودان تتقاطعه الخطوط الخضراء شمالاً وشرقاً وغربا. الآن فقط يتخذ الرئيس خط رجعة ليعلن عدم وجود عداء مع إيران، كلام لن يجد من يشتريه في طهران، وستكون له تبعات في الرياض، خاصة وأن ولي العرش محمد بن سلمان، حاكم مملكة آل سعود معروف بالحدة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.