عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يواصل السيد الصادق المهدي في تمجيده للمهدية, قائلاً: "وضعت الدولة المهدية أساساً مُحكماً لتوحيد أهل القبلة ولجعل المهدية موطن إتفاق بين المسلمين." (مسجد الهجرة 12\6\2009). وهذه ليست قراءة إنتقائية, لأن الإنتقائية تُسلِّط الضوء علي الطِّيب والظلام علي الخبيث. إنما قراءة رومانسية للمهدية لا تصمد أمام حقائق التاريخ.  حدثنا التاريخ بأن المهدية لم تُوحِّد حتي أهل القبلة في السودان, ناهيك عن العالم الإسلامي. وذلك لأن المهدي حارب الطرق الصوفية حرباً شعواء, بحيث تعرَّض أستاذه محمد شريف (الطريقة السمانية) للضرب والحبس. وهاجر الختمية إلي مصر لاجئيين من بطشها, بينما تعايش الرسول مع اليهود والنصاري. وفعل جيش التعايشي ما لم تفعله جيوش الغُزاة في المتمة, رغم مساهمة الجعليين في الحرب ضد الحكم التركي. في مذبحة المتمة, قتل جيش التعايشي أكثر من ألفين من الجعليين, ونهب ممتلكاتهم, واّثرت خلالها الجعليات إلقاء أنفسهن في النيل خشية السبي والعار.

 

ولا يمكننا نزع حكم التعايشي, البربري, عن المهدية بحُكم أنه لا ينتمي لأسرة المهدي, لأن المهدي قد أوصي له بالخلافة. وكانت وصية المهدي للأنصار قد ذكرت بأن ما سيفعله التعايشي هو بأمر من الرسول حين قالت: "أعلموا أيها الأحباب أن الخليفة عبدالله خليفة التصديق, هو خليفة الخلفاء هو مني وأنا منه وقد أشار إليه سيد الوجود, فجميع ما يفعله بأمر من النبي وأعلموا أن قضاءه فيكم هو قضاء رسول الله." وهذه الوصية ليس فيها شططا - بمنطق المهدي - لأنه كان قد وضع الإيمان بمهديته في مرتبة الإيمان بالله ورسوله حين قال: "أخبرني سيد الوجود بأني أملك جميع الأرض وبأن من شك في مهديتي فقد كفر بالله ورسوله ونفسه وماله غنيمة للمسلمين." 

 

ويلعب الصادق دور المحارب للاُصولية والمؤيد للمساواة الأثنية  والتحول الإجتماعي خارجياً, وعكسه تماماً داخلياً. يتضح ذلك بأنه أكثر الهجوم والنقد لاُصولية جوج بوش, الإبن, وأسهب في الإشادة بفوز أوباما كأفريقي, وما يتضمه من تحول إجتماعي لأفارقة أمريكا. إلا أنه داخلياً, يتبنَّي خطاً اُصولياً وأهمل أفارقة السودان وتطلعاتهم, وعمل علي تهميشهم سياسياً خلال حكمه, كأنما الاُصولية الإسلامية حلال بينما المسيحية حرام. أو العدل الإجتماعي لأفارقة أمريكا واجب بينما تهميش أفارقة السودان مُباح.

 

والحقيقة أن خلاف الصادق مع النظام الحالي, أيدلوجياً, ليس مبادئ أو نوع إنما خلاف مقدار. فحسب ما ذكر, أن هذا النظام له مرجعية إسلامية قائلاً: "هناك نقاط تقارب بيننا وبين النظام الحالي في إلتزامنا بمرجعية إسلامية." (الحقائق 28\10\2007). أولاً, مثل هذا الحديث لا يليق أن يصدر من رئيس الوزراء الشرعي, الذي أُنتُزِع منه الحكم عنوة. ثانياً, هذا التصريح وحده يُبرهِن اُطروحتنا برسوخ الأُصولية عنده, حتي لو كانت مجرد شعارات, أكثر من الديمقراطية والليبرالية. ثالثاً, إن نظام الخرطوم أفضل منه أنظمة لا يُوجد إسم الله في قاموسها, كالصين لأنها حققَّت الرفاهية لشعبها, بينما مازال السودانيون يعانون من المرض والفاقة والبطالة وعدم الأمن. ولو سلَّمنا جدلاً بأن نظام المُحافظين الجُدد إسلامياً, فما جدوي الإسلام حينما يعاني المواطن من الجوع وعدم الأمن والمرض؟ وهل يأكل الفقراء سورة المائدة, أو  يتعالجون بسورة الجن, أم توفِّر سورة الفيل الأمن لأهل دارفور؟ نسأل هذه الأسئلة لأن الله نفسه لم يفرض عبادته علي قُريش إلا بعد أن وفَّر لها الطعام والأمن: "فَليَعبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيتِ * الَّذي أَطعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّن خَوفٍ." وإن كان نظام الخرطوم, الشبيه بنظام المافيا, له مرجعية إسلامية, أو له علاقة بالإسلام, فعلي الإسلام السلام.

 

يقول السيد الصادق: "المبدأ الأساس ليس هناك ما يسمي دولة إسلامية. أي دولة تحكم المسلمين ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع الإسلام, فمثلاً إذا أردت أداء القسم, إذا أردت قانوناً للزواج والميراث. من الممكن أن نقول يجب أن لا يأخذ أي دين إمتياز والمواطنة تسري علي الجميع." (صحيفة الوقت 25\9\2006). وبما أنه ليس هنالك دولة إسلامية, وليس هنالك إمتياز لدين علي دين, فماذا لا تكون دولة علمانية؟ ولماذا إصراره علي الأسلمة؟ أما الزواج والميراث والقسم, فهذه أشياء لا يمنع الدستور العلماني تضمينها في قانون للأحوال الشخصية للمسلمين. بيد أن الصادق لديه مفهوم مُعادي للعلمانية كأنها رجسٌ من عمل الشيطان, وهذا غير سليم. نقصد بالعلمانية, تلك التي لا تعادي الدين, ولا تدعو لإستبدال القيم والتقاليد المحلية بالغربية. بعكس نسف الوحدة الوطنية في السودان بالأسلمة, ظلَّلت هذه المدرسة العلمانية السبب الرئيسي في إستقرار الهند وترسيخ وحدتها الوطنية, وليس ب: (نهج الصحوة الهندوسية). وقد أمَّن الصادق علي هذه العلمانية المُتسامِحة - دون وعي – حين قال أن مسلمي الهند لو خُيِّروا بين البقاء فيها أو الهجرة لباكستان لاّثروا البقاء فيها. (خطاب عيد ميلاده).

 

وللصادق أيضاً مشروعه لتوحيد الأديان قائلاً: "التطلع لعيسوية لتوحيد الأديان بمرجعية إسلامية, لأن الإسلام هو خاتم الرسالات, وذلك لأن كتابه هو المحفوظ نصا." ورغم أنه أفضل من صهره في هذه الدعوة, لأنه لا ينطلق من الماسونية, إلا أنه لا يمكن لأهل الكتاب أن يؤمنوا بأن الإسلام خاتم الرسالات, بهذه البساطة, لعلمهم بإعتقاد المسلمين أن الدين عند الله الإسلام "وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإسلَامِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فيِ الاّخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ." ويطالب الصادق اليهود بالإعتراف بكلٍ من المسيحية والإسلام, مع أن المسيحيين لا يشترطون عليهم الإعتراف بالنصرانية, وليس هذا مصدر شِقاق بينهم لعلمهم بأنها مسألة عقدية لا تفسد الود. ولو إعتقد أهل الكتاب بأن كتابيهما مُحرفين وأن الإسلام هو خاتم الرسالات لأصبحوا مسلمين. ولكن ليس ذلك ما يريده الله وقدَّره لأنه قال: "وَلَو شَاّءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ." (118) هود. وقال: "وَلَو شَاّءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَن فيِ الأّرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّي يَكُونُوا مُؤمِنِينَ" (99) يونس. 

 

يقول السيد الصادق, الذي يدعو لوحدة الأديان: ”إننا كأمة نعيش خارج التاريخ وأن صراعنا وحوارنا الحقيقي يجب أن يكون مع أنفسنا وليس مع الاّخر." (مسرح المجمع الثقافي 19\3\2006). وإن كنا أمة تعيش خارج التاريخ وتحتاج إلي حوار مع نفسها قبل الاّخر, فكيف تقنع الأمم الأخري بالوحدة قبل أن تتصالح مع ذاتها؟ وكيف يستجيبون لأُمة مازالت تعاني من الأميَّة والفقر والجوع وفساد الأنظمة (أحدهم يحكم 40 سنة)؟ بينما حقَّقوا الرفاهية لأجيالهم القادمة, حتي دون إستخدام الاّية, التي قال الصادق أنها تربط الشريعة بالإقتصاد الحديث (61) هود. وكيف يستجيبون للوحدة مع أُمة تمنع طائفة منها النصاري من إستخدام لفظ (الله) كأنما الله جزء من ممتلكاتها؟ وأخري تقتل القِبط رغم وجودهم في مصر قبل رسالة الإسلام, وثالثة يقتل حُكامها مواطنيها بسبب العِرق (دارفور), ورابعة (يفتي) (شيخها) العريفي بهدم الكنائس في كل العالم الإسلامي (السعودية). هذه أمة ضحكت من سخفها وإنحطاطها الأمم, وليس لها وجه تدعو به الاّخرين لوحدة.

 

والصادق المهدي له ثقة مفرطة في مقدراته الفكرية والسياسية وأن بإمكانه حل جميع مشكلات السودان منفرداً, إضافة إلي المساهمة في حل مشكلات دول أخري وأزمات عالمية. فعن الأولي, طالب بتفويض برلماني أثناء رئاسته للوزارة, كأن سيادته يجهل محورية تعدد الأحزاب في عكس التنوع وتوسيع قاعدة الحكم. وعن الثانية, تطوَّع بالمساهمة في حل الأزمة اللبنانية عام 2007, رغم فشله في حل مشكلة الجنوب, قائلاً: "وجدت لبنان وهو بلد حبيب مشحون بالإنفجارات, ونحن سندلي بدلونا." (برنامج بالعربي 28\4\2007). إضافة إلي مساهماته في معضلة شُح المياه, تدهور المناخ العالمي, حوار الجنوب – الشمال, أفريقيا والأزمة المالية العالمية, ومساهمته في منبر حُكماء عالمي في أنقرة لحل الأزمات بعيداً عن الأمم المتحدة!

 

ومع إحترامنا له كمُفكر, له علاقات بعشرين منتدي عالمي وإقليمي, كما ذكر, إلا أن إدارة البلاد سياسياً: توفير الغذاء والتعليم والصحة والأمن, وسياسة خارجية مؤسسة علي المصالح, وليس الأيدلوجيا, لا تحتاج إلي مُفكرين أو فلاسفة. يؤكد هذا أن أمريكا, التي تدير سياسة العالم وإقتصاده, كان فيها عدة رؤساء لم يتلقو تعليماً نظامياً. ومن ضمن أنجح رؤسائها كان أندرو جونسون خياطاً (ترزي), وعمل كلٌ من جيمي كارتر وهاري ترومان بالزراعة, وكان ريقان, الذي أزال الإتحاد السوفيتي من خلال أفغانستان, ممثلاً سينمائيا!

 

ومقارنة الصادق بصهره, فإنه, عكس صهره, يشدَّه للأُصولية الماضي والحاضر. الماضي الذي يشده هو تراث جده المهدي, والحاضر هو إمامته للأنصار, وتبنيِّه لخطاب يُلبِّي الطبيعة الجهادية لأهل الريف منهم. غياب هذين العاملين لدي صهره منحاه حرية للمناورة والتحرر من وثاق كل قيد, مما حدا به لتبنِّي العلمانية وولاية غير المسلم, وترك اللغة التي كان يلوكها (تطبيق شرع الله), بحيث أضحي أهم حليف له حالياً الحركة الشعبية. أما مقارنته بالسيد محمد عثمان الميرغني, فإن توقيع الأخير للإتفاقية مع قرنق, كان فهم عصرياً ومتقدماً, رغم أنه مُحافظ ولا يتسم بعصرية الصادق. وذلك, لأن تلك الإتفاقية كانت ستضع الأساس لحل المشكل الجنوبي وتفادي الإنفصال الوشيك. وبتنصَّله من مُقررات كوكادام ورفض مبادرة الميرغني, فقد وضع الصادق الأساس لمشروع إنفصال الجنوب, الذي أنجزه النظام الحالي. وبعد أن أرضي صهره برفض مبادرة الميرغني, كافأه بالإنقلاب والسجن والمصادرة والإساءة. ورغم إجهاضه لتلك المبادرة, ذهب الصادق إلي مؤتمر جوبا (يكوسا مملَّحة) كما يقول المثل السوداني, سائلاً عن وحدة جاذبة فلم يجدها.

 

وكان نظام الصادق فاشلاً وبائساً أمنياً في حماية الديمقراطية, كتعامله مع بدرية الإنقلابية. بعد أن علمت السلطات بتحركاتها بشأن الإنقلاب, بدلاً عن إعتقالها, أمرتها بتوقيع مكتوب بعدم ممارسة نشاط سياسي ومنعها من مغادرة الخرطوم, كأنما الإنقلابات تتم في السوكي أو بارا أو بربر. أو كأنما التوقيع علي تلك الوريقة أغلظ من قسم الدستور الذي يؤديه الإنقلابيون ويحنثوا به. 

 

ورغم أن السيد الصادق قد طالب أوباما بالإعتذار عن أخطاء سلفه, إلا أنه لم يعتذر عن أخطاء نفسه كالتفريط في الديمقراطية وإنفصال الجنوب. ورغم ذلك, فإننا لا نعترض علي قدرنا كون الصادق لاعباً سياسياً أساسياً, ولكن نرجوه توخِّي الرحمة فينا, كذاك الدعاء الذي يقول: "اللهم لا نسألك رد القضاء إنما نسألك اللطف فيه."