عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

            على أيام الانقاذ الباكرة ، كانت السلطة العسكرية وقتها ، تفرض حظرا للتجول يبدأ من السادسة مساء وحتى السادسة صباحا ، وقد كان هذا يعني أنه يتعين على الناس في العاصمة أن يبلغوا مأمنهم ومنازلهم قبل ذلك التوقيت ، والا اضطر الشخص ، راجلا كان أم راكبا ، أن يبيت ليلته عند أول نقطة تفتيش يبلغها مع حلول وقت حظر التجول ، وكانت الأوامر العسكرية تذهب حتى مدى اطلاق الرصاص على السيارات التي يرفض أصحابها التوقف عند نقاط التفتيش اذا صادف ذلك وقت سريان حظر التجول !!

      تقول القصة الشعبية ( النكتة ) المنسوجة على خلفية هذا ، ان رجلا كان قادما من وسط الخرطوم في طريقه الى منطقة الحاج يوسف ، توقف عند نقطة التفتيش التي تقع بناحية بري من كبري القوات المسلحة ولم يبق على وقت بدء سريان حظر التجول سوى خمس دقائق ، وكان الجنود قد استكملوا للتو  وضع الحواجز ، فاستوقفه الجندي وسأله عن وجهته فأبلغه اياها ، ثم دار بينهما حديث جانبي استغرق دقيقتين اضافيتين ، وتركه لحال سبيله ، وما أن أدار الرجل محرك سيارته وتحرك حتى وجه جندي آخر بندقيته نحوه وأطلق الرصاص فأصاب السيارة بالعطل والرجل باصابات بالغة ؛ هرع الضابط المشرف على المجموعة ، الى الرجل واستدعى الجندي الذي أطلق الناروسأله : لماذا تصرفت على هذا النحو ؟ فرد الجندي أن هذا الرجل يريد أن يصل الحاج يوسف وأن الدقائق  التي تبقت من الزمن لن توصله حتى الى نقطة التفتيش القادمة ، مما يعني أنه سيخالف أوامر حظر التجول وهو فوق الكبري !!

      تذكرت هذه القصة المصنوعة ، والتي كانت رائجة آنذاك ، وأنا أقرأ الحديث المنسوب الى السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية رئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية ، الفريق أول سلفا كير ميارديت ، وهو يخاطب ملتقى جوبا الذي انفض سامره قبل أيام ، حيث قال: ( كنا نعتقد أنه بالتوقيع على اتفاقية السلام سنكون قد بدأنا في حل مشاكل السودان ، لكن للأسف فان خطوات تنفيذ اتفاقية السلام لم تتقدم قيد أنملة ) والعهدة هنا على المترجم ، وعلى صحف الخرطوم الصادرة في اليوم التالي لانتهاء  فعاليات الملتقى ، الموافق الأول من اكتوبر الجاري .

       هل هذا معقول يا سيادة النائب الأول ؟ خطوات تنفيذ الاتفاقية  لم تتقدم قيد أنملة ، وقد مضت خمس سنوات من سنوات عمر الفترة الانتقالية  الست ، فهل تراها ستبلغ الحاج يوسف ؟؟

     بموجب اتفاقية السلام ، تمت مناقشة واجازة دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م ، وبموجبها والدستور ، تشكل البرلمان الانتقالي الذي سيبدأ اليوم دورة انعقاده الرابعة والأخيرة ، وقد ناقش وأجاز خلال هذه الدورات الغالبية العظمى من القوانين التي قضى الاتفاق باجازتها وشكل لذلك الغرض مفوضية قومية للمراجعة الدستورية هي التي ابتدرت نقاش هذه القوانين ، وبموجب الاتفاقية والدستور تشكلت رئاسة الجمهورية فأخذ أبناء جنوب السودان منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة لأول مرة في تاريخ دولة السودان المستقلة  ، وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية ، وتشكلت حكومة جنوب السودان وبرلمان جنوب السودان ، وأجيزت قوانين مفوضيات مراجعة الدستور ومفوضية الخدمة القضائية ، وحقوق غير المسلمين في العاصمة القومية ، ومفوضية الانتخابات .

     وبموجب الدستور والاتفاقية  أعيد رسم نظام الحكم الفيدرالي الذي توزع بموجبه السلطات والثروات في كافة أنحاء السودان ، وجرى تطبيق برتوكولات قسمة الثروة بين الجنوب والشمال وبين المركز والولايات  ، وتم الكثير مما يصعب حصره هنا ؛ لكن السيد النائب الأول يرى أن كل هذا الحراك واعادة هيكلة الدولة السودانية ، لم يبلغ قيد أنملة في خطوات تنفيذ الاتفاقية ، فكيف سيتسنى لنا أن نبلغ قيد أو رسن بعير ، أو نبلغ ( محويت )  بقرة ، ولم يبق لنا من الوقت الا ما قد يبلغنا نقطة التفتيش التالية ؟؟

      النائب الأول ليس رجلا لا يعرف ما الذي يقوله ، ومن المؤكد أنه لا يعتقد أن أبناء شعبه في الشمال والجنوب هم من الرجرجة والدهماء ، بحيث يقول لهم ما يقول دون أن يلقي له بالا ، كما أن المقام الذي كان يتحدث فيه ليس مقام هزل أو خطابة بلاغية ، والقضية التي كان يتناولها ليست قضية هامشية ؛ فلو كان الأمر كذلك ، لربما جاز أن  نبحث له عن مبرر ونقول ان الرجل كان يمزح أو أنه كان يستخدم المحسنات البلاغية في مقام يتنافس  فيه على فرص الكلام من عرفوا بقدراتهم الخطابية من سياسيينا ؛ واستنادا على هذا التقدير فانني سأحاول هنا البحث عن  تفسير منطقي لما قاله النائب الأول ورئيس حكومة جنوب السودان ورئيس الحركة الشعبية ، مستندا على جملة من الوقائع ومستقصيا عددا من الخبراء والمراقبين  .

     ونبدأ بالمناسبة نفسها ، مناسبة ملتقى جوبا ، الذي قلنا في مقال سابق أنه من بنات أفكار الحركة الشعبية ، التي أرادت بها الرد على ملتقى كنانة ؛ فالحركة تعتقد أن شريكها في الحكم ( حزب المؤتمر الوطني ) جمع القوى السياسية الجنوبية في كنانة وحرضها على المطالبة بأخذ حقوقها السياسية من الحركة الشعبية حتى لا تنفرد هذه الأخيرة بحكم الجنوب بشكل مطلق كما يحدث الآن ، وانطلاقا من تلك القناعة المنطقية أرادت الحركة الشعبية أن ترد على شريكها بجمع القوى السياسية الشمالية الأخرى في جوبا ، وتحرضها على أخذ حقوقها السياسية من المؤتمر الوطني حتى لا ينفرد هو الآخر بالساحة الشمالية  ، ولم تجد الحركة أفضل من السيد مبارك  الفاضل المهدي وحزبه ، والدكتور حسن الترابي وحزبه ، أداة للمساعدة في فعل ذلك !!

    ملابسات قيام الملتقى المعلنة ، ومستوى المشاركة فيه ، وأجندته وتوصياته ، يعرفها الكثيرون ، وقد فاضت صحف الأسبوع الماضي بتفاصيلها ، مما سيخفف عنا هنا عبء عرض تلك التفاصيل  ، لكننا سنختار منها جوانب بعينها علها تساعدنا في معرفة وتفسير ما حدث ، ووقعه على ساحة العمل السياسي والوطني في مقبل الأيام ؛ ونبدأ بالاتهامات المتبادلة بين المؤتمر الوطني وجماعة ملتقى جوبا ، والتي اخترنا أكثرها اثارة ، عنوانا لمقالنا هذا ؛ فقد وصف الامام الصادق المهدي موقف المؤتمر الوطني من الملتقى بموقف ( النعام ) الذي كلما استشعر خطرا  دس رأسه في الرمال ؛ بينما وصف الدكتور كمال  عبيد أمين الاعلام بالمؤتمر الوطني ، الحوار الذي يجري في جوبا بأنه ( حوار طرشان ) أي أن كل شخص فيه يتحدث بما يود قوله دون الالكتراث لما يقوله الآخرون !!

    وبغض النظر عن تحفظنا على ما درج عليه المثل من سخرية من النعام ، بما لا نقره ، ورفضنا للسخرية من ذوي الاعاقة السمعية على النحو الذي درج عليه المثل الآخر ، وبغض النظر كذلك من مدى انطباق كلا الوصفين على الموصوفين ، فان المرء يعتقد جازما أن ( الحوار ) الذي جرت وقائعه في جوبا ، لم يبلغ الدرجة التي  يمكن وصفه فيها بكونه ( الحدث الأهم في تاريخ السودان الحديث ) كما ذهب الى ذلك الدكتور حسن الترابي ، فالباحثون عما وراء الأحداث – ونتائج الحدث تقاس أكثر بالدوافع التي تقف وراءه – يعرفون أن أصل فكرة ملتقى جوبا لم تكن سوى ( ردة فعل ) وأن وقائع الملتقى كانت كلها محاولة للتعاطي مع الفعل الأصل ؛ بدليل أن موضوع الساعة الذي يشغل بال المواطنين وبال المتابعين للشأن العام ، وهو قضية  السعي الجاد لضمان وحدة السودان ، لم يأت لنا الملتقى فيه  بجديد ، بل على العكس خرج علينا السيد النائب الأول ليقول ان الاتفاقية - التي هي مناط مقياس جعل الوحدة جاذبة – لم تتحرك من مكانها قيد أنملة !!

    توصيات ملتقى جوبا ، بمحاورها السبعة ، يمكن تلخيصها في نقطتين : التأمين على ما هو متفق عليه من عموميات واهمال ما ينبغي مناقشته من تفاصيل ، واعادة انتاج الموقف التفاوضي للحركة الشعبية من بعض القضايا المختلف عليها ؛ فقضايا مثل الحوار والاجماع الوطني ، والتحول الديمقراطي ، وضرورة انفاذ اتفاقات السلام في الجنوب والشرق ودارفور ، ليست قضايا مختلف على أهميتها ، لكن الاختلاف وقع في كيفية انفاذ ما تم الاتفاق عليه ، وملتقى جوبا لم يفعل في هذا الشأن سوى أنه صب الزيت على نار الخلاف ؛ فالحركة الشعبية نجحت في جر الملتقى لما فبل توقيع اتفاقية السلام ، وتبني موقفها التفاضي حول بعض القضايا بعد أن أعادت انتاجه ، مما قد يعني أن الحركة ترغب في العودة لمربع ما قبل اتفاقات السلام ؛ وسنضرب لذلك مثلا بموقف الحركة من قضية الانتخابات وموضوع المشورة الشعبية لمواطني ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وموضوع المصالحة الوطنية !!

     كان رأي الحركة الشعبية ، أثناء التفاوض في نيفاشا ، ألا تجرى انتخابات في السودان قبل الاستفتاء على حق تقرير المصير للجنوب ، ومنطق الحركة في ذلك أنها تريد أن تبسط  سيطرتها المطلقة على الجنوب حتى اجراء الاستفتاء ، ومعرفة نتائجه ، فاذا كانت النتيجة وحدة طوعية ،  حينها يمكن التفكير جديا في  أمر الانتخابات ، واذا قرر الجنوبيون الانفصال فالحركة تصبح لا شأن لها بالشمال وانتخاباته .

    وقد كان المؤتمر الوطني يرى ضرورة قيام الانتخابات خلال الأشهر الثمانية عشرة الأولى من الفترة الانتقالية ، ومنطقه في ذلك أن فترات  الانتقال والتحول الديمقراطي في السودان ( 1964 و 1985 ) كان عمرها عام واحد ، وأنه لا بد من اجراء الانتخابات لتحديد أوزان القوى السياسية في الشمال والجنوب ، ولاعطاء تفويض شعبي أكثر للحكم لمقابلة استحقاقات السلام ؛ ونتيجة لاصرار المؤتمر الوطني على موقفه ، ولضغوط الوسطاء الدوليين الذين كانوا وقتها يعتقدون بامكانية ازاحة المؤتمر الوطني عن السلطة بطريق الانتخابات  ، قبلت الحركة الشعبية بالانتخابات التي تسبق الاستفتاء ، لكنها ناضلت حتى أصبح هذا السبق بعام واحد ، وأظنها الآن سعيدة بأن لا أحد يضغط عليها !!

   وفي شأن الوضع في جنوب كردفان وفي النيل الأزرق ، كانت الحركة ، أثناء التفاوض ، تصر على ربطهما بالجنوب ، وكان موقف المؤتمر الوطني واضحا استنادا على اعلان مبادئ التفاوض الموقع عليه في مشاكوس في يوليو 2002م ، والقاضي باعتبار أن حدود جنوب السودان هي الحدود التي رسمها الاستعمار وتركها يوم استقل السودان في الأول من يناير 1956م ، وأن جنوب كردفان والنيل الأزرق هما جزء لا يتجزأ من شمال السودان ، وقد انتهى التفاوض الى ما عرف بالمشورة الشعبية لمواطني المنطقتين عبر ممثليها في البرلمانين الولائيين ؛ وعلى الرغم من وضوح مقتضى المشورة الشعبية في البرتكولين الخاصين بجنوب كردفان والنيل الأزرق ، الا أن الحركة الشعبية تصر الآن على تصوير الأمر وكأنه حق تقرير مصير لمواطنيهما ، كما هو الحال في الجنوب !!

    والحركة كذلك أعادت انتاج موقفها التفاوضي في نيفاشا ، في شأن موضوع المصالحة الوطنية ، وضمنته في البيان الختامي لملتقى جوبا بما يخالف ما جاء في برتكول قسمة السلطة الفقرة ( 1-7 ) وما جاء في ديباجة اتفاقية الترتيبات الأمنية واتفاقية وقف اطلاق النار، بل وذهبت أكثر في مخالفة ما نص عليه اتفاق السلام الشامل في شأن المصالحة الوطنية ، فحدد مناصروها في ملتقى جوبا بداية تاريخ البحث عن الحقيقة باعلان الاستقلال ، مع ان السودانيين تعرضوا لمظالم في عهد الدولة  المهدية وخلال الغزو البريطاني للسودان الذي قضى على تلك الدولة ، وخلال فترة حكم الاستعمار  ، وخلال  تمرد توريت في أغسطس 1955م ، أي ما قبل الاستقلال ، فبأي منطق نتجاوز تلك الانتهاكات ؟؟

     اذا صدقنا أن القوى السياسية التي التقت  في جوبا ، ستلتزم بالاعلان والتوصيات التي خرجوا بها ، فان الوصف الأكثر دقة لنتائج ذلك الملتقى هو ( العودة الى مربع الحرب ) فبموجب توصيات الملتقى لن تشارك الحركة الشعبية ومن ناصروها في جوبا في الانتخابات المزمعة ، لأنه – ببساطة - لن تجرى انتخابات في السودان قبل الاستفتاء على حق تقرير المصير ؛ فالشروط الخمسة التي تم اشتراطها لمشاركة عضوية الملتقى في الانتخابات هي شروط  تعجيزية ، لا يمكن الوفاء بها قبل نوفمبر القادم ، كما ورد في محور التحول الديمقراطي من البيان الختامي ؛ وبموجب توصيات الملتقى ، فان محور ( المصالحة الوطنية ) يشكل خروجا على ما تم الاتفاق عليه في نيفاشا وتضمنته اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي كما سبق وأشرنا ؛ وبموجب توصيات الملتقى ، فان النتيجة المنطقية للرؤية الخاصة بموضوع المشورة الشعبية لا تعدو أن تكون اشعالا لفتيل التوتر في المنطقتين ، ونسف لاستقرارهما !!

    وسواء أكانت الحركة الشعبية تريد أن تهيء  الأوضاع السياسية  في البلاد للعودة لمربع الحرب ، أو أنها تريد خروجا على اتفاقات السلام مباركا من شركائها السابقين في التجمع الوطني الديمقراطي وشريكها اللاحق المؤتمر الشعبي ، أو أنها لا تريد أكثر من تقوية موقفها التفاوضي على أعتاب دورة برلمانية حاسمة  ستناقش وتجيز قانون الاستفتاء على حق تقرير المصير ، فمن الواضح أنها أسست لنتائج طيبة لخيارها القادم ؛ أما المدهش في نتائج ملتقى جوبا فهو ( الخيبة ) التي عادت بها القوى السياسية الشمالية ؛ وهل هنالك من خيبة أكبر من قول الشيخ الدكتور الترابي عقب عودته من جوبا أنه : ( لا أمل في الوحدة ) ؟ اذن لماذا ذهبتم الي جوبا ، و لماذا لم تتجرأوا أن تقولوا للحركة التزمي لنا بالوحدة وسنقاتل في صفك من أجل التحول الديمقراطي الذي تنشدونه جميعا ؟؟

عن : ( الصحافة )