عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

        من المقرر أن تبدأ يوم الخميس المقبل ، الذي يصادف الأول من شهر اكتوبر ، جلسات المؤتمر العام الثالث لحزب المؤتمر الوطني ، وهو المؤتمر الذي من المقرر أن يرسم سياسات الحزب في المرحلة القادمة ، ويختار مرشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية المتوقع اجراؤها في أبريل من العام القادم ؛ ويجمع المراقبون أن القضايا الوطنية والاستحقاقات التي يواجهها حزب المؤتمر الوطني حاليا ، باعتباره صاحب النصيب الأكبر في شراكة الحكم القائم ، هي الأخطر والأعقد التي تواجه حزبا حاكما منذ الاستقلال ، كون المرحلة القادمة ( 2009 – 2011م ) سيتقرر خلالها  مصير ( الوطن الرائد ) الذي اتخذه ( الحزب القائد ) شعارا لمؤتمره موضوع حديثنا اليوم .

    قيادة الحزب والدولة ، ممثلة في رئيس الجمهورية ونائبه  ، أعطت اشارات انطلاق قوية للمؤتمر العام هذا ، وهي  تخاطب مؤتمر القطاع السياسي للحزب الحاكم الذي عقد مؤخرا ، وهي اشارات التقطت غالب مؤسسات الاعلام جوانب مبتسرة منها ،  في سياقات التناول الاخباري ، وأهملت أبعادا كان يمكن أن تشكل مادة ثرة لادارة حوار وطني شفيف حول قضايا الساعة الراهنة ؛ ومن ذلك تحديدا ما قاله نائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون التنفيذية ، الأستاذ على عثمان محمد طه ، في فاتحة أعمال مؤتمر القطاع السياسي للحزب الحاكم ، الذي صادف تاريخه الحادي عشر من سبتمبر !!

   في كلمته التي نستشهد هنا ببعض ما جاء فيها ، قال الأستاذ على عثمان محمد طه ان المؤتمر الوطني : ( مشروع للنهضة وتجربة وطنية مفتوحة للنقد والتقويم ، وليست تجربة تدور في صمت من أهلها أو عزلة من محيطها ) معتبرا أن : ( النقد والملاحظة والمراجعة هي واحدة من أدوات الاتقان والاحسان ، وأن الذي لا يمارس النقد والتقويم والشورى لن يكون حفيا بها عند الآخرين ) . هذا حديث يمكن أن نصفه بأنه توجيهي وتحريضي في ذات الحين ، وبقدر ما هو موجه لعضوية الحزب وقاعدته ، موجه أيضا للآخرين من جماهير الأحزاب وعامة الناس ، والرسالة السياسية التي يحتويها ليست عسيرة الهضم على أي مراقب .

   أما حديثه الذي أعتقد أن غالب من قرأت لهم من المعلقين قد خرجوا به عن سياقه ، فهو ما قاله من أن ( الساحة السياسية بحاجة الى ابتسامة اخاء عريضة ) فقد تجمد نظر البعض عند مجرد لفظة الابتسامة العريضة هذه ، في تناول غلب عليه التعليق غير المحتفي ، ولو وقف الأمر عند عدم الاحتفاء فقط ، لما عاتب  أحد أحدا ، لكن الذي أجده يستحق العتاب هو اخراج الحديث عن سياقه ؛ فالرجل كان يتحدث عن ما أسماه شعار الأداء للمرحلة القادمة ( أداء الحزب والدولة على الأرجح ) وقد قال لأعضاء حزبه ان التداول والتناجي والائتمار يصبح بلا قيمة تأصيلية  اذا خرج عن سياق ( الأمر بالصدقة و المعروف والاصلاح بين الناس ) مستشهدا بالآية الكريمة : ( لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس ، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) .. النساء الآية 114. وفي سياق الحديث عن الاصلاح بين الناس ، تحدث نائب رئيس المؤتمر الوطني عن الاخاء في الدين وفي الوطن وفي الانسانية والخلق  ، وقال ان الساحة السياسية اليوم بحاجة لابتسامة اخاء عريضة ، لتجذير معاني المعروف بين أجيال السودان الناهضة ، ولاستنباط  بدائل وعملة جديدة للتعبير عن المواقف !!

      القضايا التي كان – ومايزال –  يمكن أن تثير حوارا عميقا بين النخب ، والتي وردت في الخطاب محل تعليقنا هذا  ، لم تقتصر على مجرد الدعوة لاستنباط عملة جديدة للتداول السياسي ، وانما ذهبت لجوانب أخرى أكثر ارتباطا بالانتقادات التي ظل المعارضون يوجهونها للحكم القائم ؛ فقد تحدث الرجل عن الحاجة لتفعيل ( آليات بسط المشاركة بين الناس ) وعن ( عقد قومي راشد ) بدلا عن حكومة قومية ، وعن مدى قناعة حزبه بالتعددية السياسية والحكم الراشد ، معتبرا أنها لا تتجسد الا من خلال مؤسسات قادرة وفاعلة ، وليس من خلال حزب واحد  بل أحزاب متعددة ، وأن العافية السياسية في البلد لن تبلغ مداها ( ما لم تقم أحزاب فاعلة ومؤسسات قادرة على التنافس وطرح البدائل ) ، مشيرا الى  حالة التنافس الرياضي التي كان قطباها ( هلال – مريخ ) في تلك الليلة يتأهبان لتنافس رياضي في اطار  أفريقي  ، وعن ضرورة ( بسط الحريات وتعميمها واشراك الآخرين فيها ) وعن حاجة الحزب الحاكم ( لوقفات جادة للجرح والتعديل في أداء القيادات ) ، لأجل تقديم النموذج المسئول في تولي أمور الناس !!

  وما قاله نائب رئيس المؤتمر الوطني في افتتاح مؤتمر القطاع السياسي للحزب - وهو المؤتمر الأهم بين المؤتمرات القاعدية -  عززه رئيس المؤتمر ، رئيس الجمهورية ، في اليوم الثاني خلال مخاطبته الجلسة الختامة ، وكان مما احتفت به الصحف من كلامه هو أن ( الحرية حق وليست منحة ) وأن المرحلة القادمة ستشهد تعزيزا للتطور الديمقراطي والحريات السياسية ، خاصة في مجالات النشاط  الحزبي ، والنشاط الصحفي ، التزاما بكفالة حريتي التعبير والعمل السياسي ، وتعزيزا للثقة في عملية التحول أو التطور الديمقراطي ، والتي تعتبر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة أبرز علاماتها وأقوى أركانها .

    قد يقول قائل ان عملية التحول الديمقراطي ليست عملا يقوم به حزب بمفرده ، مهما أوتي من أسباب القوة ، وهذا صحيح ؛ فالتحول الذي تكون فرصه أكبر في الاستدامة هو ما ينبع من المجتمع ، وتقوده قواه الحية حزبية كانت أم غيرها ، لكن الصحيح أيضا أن للدولة وأحزاب السلطة في عالمنا الثالث أدوارا لا يمكن الاستغناء عنها في دفع وتثبيت خطوات التحول هذه ، وهذا ما نحمد لحزب المؤتمر الوطني الوعي بأهميته ، والالتزام  السياسي بمقتضياته ، اذ من شأن ذلك أن يعزز الثقة في المستقبل ، ويفتح الطريق أمام فرص نمو طبيعي لتقاليد التداول السلمي للسلطة ، ويجعل من المنابر العامة مؤسسات التعبير الحر هي آليات الحوار وليس البندقية أو أي وسيلة مشابهة ، على أنه من المهم التذكير بأن ما نناقشه هنا ، وما يقوله السياسيون عامة ، هو في غالبه لا يتصل بالهم اليومي للمواطن العادي ؛ والمواطنون العاديون هم الغالبية العظمى من السكان في أي بلد من البلدان !!

   المواطنون العاديون ، ممن لا ينتمون لحزب حاكم أو معارض ، معنيون أكثر بتأمين معاشهم من مأكل ومشرب ومسكن ، ومستقبل أبنائهم من تعليم وصحة  وفرص للعمل الشريف ، وقد كادت  صراعات السياسيين أن تسد الأفق  على هؤلاء من أن يروا كيف هو مستقبلهم هذا ، وهذه هي المهمة أو خارطة الطريق التي نعتقد أن على مؤتمر الحزب الحاكم أن يوضح معالمها ، ليس فقط من باب كون هؤلاء هم أصحاب الغلبة الانتخابية التي يسعى أي حزب  لكسبها ، ولكن أيضا من باب أن المسئولية الأخلاقية والواجب الوطني يقتضيان اعطاء الأولوية لهؤلاء ، كونهم هم من يملك السهم الأكبر في بناء الوطن الرائد الذي يجري الحديث عنه .

     يحتاج المواطنون العاديون ، أن يطمئنوا لعدالة أجهزة الدولة التنفيذية تجاههم ، وأن يشعروا أن الواحد منهم  ليس بحاجة لوساطة من أي شخص  لكي  يحصل على فرصة متساوية في التنافس على وظيفة ما ، وأن يطمئنوا  أن أولوياتهم من فرص التعليم والعلاج  والمسكن والعمل هي ذات الأولويات التي تضعها الدولة وحزبها الحاكم  على رأس أجندة برامجها التنفيذية ، ويحتاج حزب المؤتمر الوطني الحاكم أن يبحث تلك الأجندة في مؤتمره العام القادم ، ويقرر فيها بما يجعل الناس العاديين أكثر اطمئنانا لمستقبلهم  ومستقبل أبنائهم !!

   وغير بعيد عن الاطمئنان على المستقبل ، تتعين الاشارة الي أن هناك الكثير من الاتهامات ، ظلت توجه لممارسات سلطة المؤتمر الوطني ، بالحق وبالباطل ، مثل الحديث عن الفساد والمحسوبية وغيرها ، ولئن غلب على سلوك الحزب الحاكم تجاهل هذه الاتهامات في السابق ، واعتبارها مجرد دعاية رخيصة يوجهها المعارضون بقصد تشويه صورة الحكومة والنظام ، فانني لا أتفق مع الرأي القائل بسلامة مواصلة هذه السياسة ، ذلك أن البلاد  تقبل على أجواء تنافس انتخابي ، يمكن أن  تستخدم فيه كل الأساليب التي من شأنها الحط من قدر الخصم السياسي ، وباعتقادي أنه يتعين على الحزب الحاكم أن يتبنى في مؤتمره القادم سياسة واضحة للشفافية ومحاربة الفساد ، وأن يحقق في أي دعوى فساد جادة حتى لا يصاب أحد بجهالة أو يفلت مفسد من العقاب .

          وأخيرا نقول ، انه ما من حكومة قائمة  في عالم اليوم ، يستطيع أحد أن يزعم أنها مرضي عنها  من كافة رعاياها وأبناء شعبها ؛ فمن لدن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، الدولة التي تتسابق الأنظمة والشعوب للاقتداء بها في كل شئ ، وحتى حكومة جمهورية بالاو التي أعلنت مؤخرا قبولها استقبال عدد من أبناء قومية الأيغور الصينية - ممن تمت تبرئتهم من تهم الارهاب بعدما قضوا أكثر من خمس سنوات معتقلون تحفظيا  في سجن غوانتنامو ، دون توجيه تهم اليهم ، بمقتضى قانون الأمن الوطني الأمريكي - لا نجد حكومة ليست لها  جماعات أوأحزاب تناصبها المعارضة والعداء السياسي وتتمنى زوالها  ، الأمر الذي يعني بالضرورة  أنه لا ينبغي أن يطمح نظام حكم ما الى نيل ثقة الناس كافة ؛ لكن الرهان يبقى على اقناع الغالبية العظمى من الناس بسلامة هذه السياسة أو تلك ، وقدرة هذا الحزب أو ذاك على تقديم نفسه للناس بأنه الأقرب الي همومهم ، والأقدر على تلبية تطلعاتهم !!

 

 عن صحيفة : ( الصحافة ) .