بسم الله الرحمن الرحيم


     في مناسبات مختلفة ، ظللت أزعم أن الصحافة السودانية ، مؤسسات وصحفيين ، هي من أفضل منظمات المجتمع المدني السوداني أداءا ، وأنها ظلت ، على مختلف الحقب ، تلعب دورا مؤثرا في محيطها المحلي ؛ وكنت مع ذلك أحرض زملائي الصحفيين على الانحياز لمهنتهم وعدم الانقياد لسلطة الحكومة والأحزاب ، كيفما كانت الحكومات وكيفما كانت الأحزاب ، فذلك  بتقديري ، أدعى للموضوعية والمهنية التي تجعل من الصحافة سلطة حقيقية مراقبة للدولة ومؤسساتها وللحكومة ووزاراتها ولمنظمات المجتمع وهيئاته المختلفة .
      ومع ذلك ، لم تمنعني هذه القناعة بالميزة النسبية للصحافة السودانية ، ولم تمنع آخرين من زملائي الصحفيين وكتاب الرأي في الصحافة السودانية ، من توجيه الانتقاد لأدائنا الصحفي ، سواء لجهة التزامه بمقتضيات المهنة أو لجهة حسن أدائه المؤسسي ؛ فقد ظلت المسافة التي تفصل أداءنا عن ما نطمح اليه متسعة خلال عهودنا الوطنية المختلفة .
     مناسبة هذا الحديث تأتي على خلفية المنتدى الشهري الثاني الذي نظمه المجلس القومي للصحافة والمطبوعات ظهر الخميس الماضي ، والذي تعرض المتحدثون فيه بالنقاش لمستقبل الصحافة السودانية ووصفته الورقة الرئيسية في المنتدى بأنه مستقبل مفتوح على احتمالات شتى ، أو هكذا أختار صاحبها ، الأستاذ عادل الباز عنوان حديثه ؛ وقد شارك في المنتدى لأول مرة ، جميع أطراف العملية الصحفية من ناشرين وطابعين وموزعين ومعلنين وصحفيين .
     ومنتدى الخميس الماضي نبعت فكرته أصلا من المنتدى الأول ، الشهر الماضي ، والذي قام بناء على مبادرة عدد من الصحفيين الذين يعايشون بشكل يومي هموم مهنتهم وآلام أوضاعهم ، وناقش قضية حقوق الصحفيين وأطراف العملية الصحفية ، حيث اعتبر بعض المتداخلين في ذلك المنتدى أن ضياع حقوق الصحفيين المادية والمعنوية هو أحد أعراض مرض أكبر يسري في جسد صناعة الصحافة في بلادنا ، ويتعين تداركه .
       ولست هنا بصدد عرض ما دار في منتدى مستقبل الصحافة السودانية ، فقد تطرق لذلك عدد من الزملاء في خلاصاتهم الاخبارية وأعمدة الرأي خلال اليومين الماضيين ، وربما يستمر النقاش حول القضايا التي تم طرحها لوقت قادم ، لكنى بصدد التركيز على أصل فكرة المنتدى والدوافع وراءها ؛ وهي عندي نابعة من احساس كبير بالمسئولية تجاه المهنة الصحفية وتجاه المجتمع الذي نؤدي جميعنا واجب خدمته من خلال محاولة الوفاء بحقه في المعرفة وبالتالي المشاركة في الشأن العام ؛ وهذا في محصلته النهائية يعزز ما افتتحت به هذا المقال من زعم  بأن مجتمع الصحافة ومؤسساته هو من أكثر قطاعات مجتمعنا حيوية وأفضلها أداءا ؛ والأفضلية هنا ليست حكما جزافيا ، ولا تأتي لمجرد كوننا نمسك بالقلم ونستطيع أن نصدر ما نشاء من أحكام على الورق ، بل من واقع مقارنة واقعنا بواقع غيرنا من مؤسسات التنوير في بلادنا وعلى رأسها الأحزاب السياسية .
      مجتمع الصحافة أثبت عمليا أنه يمتلك الجرأة على تشخيص علله ، وتدارسها ، ومحاولة ايجاد العلاج المناسب لها ؛ وهو بهذا التوصيف المختصر يستحق أن نطلق عليه مجتمعا يتسم بالحيوية والشفافية ؛ وهاتان الصفتان هما ما نفتقده في أدائنا الحزبي على ما للأحزاب من تأثير يكاد يكون يوميا في حياتنا العامة ؛ فقانون الأحزاب لسنة 2007 وفي مادته رقم 13 يوجب على كل حزب أن يحتفظ بسجل يتضمن القرارات التي تم اتخاذها أو انفاذها وأسماء الحاضرين وكيفية التصويت  ؛ كما يوجب عليه تقديم كشوفات حسابات شاملة لكل الموارد والمصروفات للمراجعة القانونية ، وأن يحتفظ الحزب بالكشوفات المذكورة لمدة خمس سنوات على الأقل وأن يودع نسخة منها لدى مجلس الأحزاب .
      وذات القانون يوجب في مادته رقم 14 على الحزب أن تكون قياداته وقيادات مؤسساته على جميع المستويات منتخبة انتخابا ديمقراطيا ، مع مراعاة تمثيل المرأة حسب النسب المئوية التي يحددها الحزب ؛ ويوجب عليه كذلك في مادته رقم 18 أن يعقد مؤتمرا عاما مرة كل خمس سنوات على الأقل  ؛ فأين أحزابنا من هذا وغيره ؟؟
     الاحصائيات تقول أن في السودان الآن نحوا من ثلاثة وثمانين حزبا مرخصا ؛ والمعلومات المتاحة تقول أن الأغلبية الكاسحة من هذه الأحزاب لم تعقد سوى مؤتمراتها التأسيسية ، سواء أكان ذلك قبل أكثر من أربعين عاما أو أكثر من أربع سنوات ؛ وأن جميع هذه الأحزاب لم يعلن واحد منها أنه قدم ( كشوفات حسابات شاملة لكل الموارد والمنصرفات للمراجعة القانونية ) كما نص على ذلك القانون ؛ ولم نسمع بأن مجلس الأحزاب قد آخذها على ذلك ؛ أما عن كون قيادات الحزب وقيادات مؤسساته على جميع المستويات تكون منتخبة انتخابا ديمقراطيا ، فلا تكاد تجد من قام بذلك من بين هذا الهجين من الجديد والقديم الا حزبا أو حزبين ؛ فكيف والحال هكذا نتطلع نحن شعب السودان لحياة ديمقراطية وشفافة ؟؟
   قد يقول قائل ان الأحزاب والناس الذين ينتمون اليها لا يساوون الا أقل من ثلث مجموع السكان في أي بلد ، وبالتالي فانه ليس من العدل والانصاف أن نعمم حكما على شعب بأكمله لا يعبر الا عن الثلث ؛ وهذا حديث صحيح من حيث الشكل ، لكن من حيث المضمون يمكننا القول أن الأحزاب بطبيعتها تستقطب أكثر عناصر المجتمع طاقة واستعدادا للتصدي للشأن العام ؛ وهي بهذه الصفة تستحق أن نقول في حقها أنها أحد أبرز أشكال التعبير الديمقراطي في مجتمع حر ؛ وأن حيوية المجتمع ونشاطه تقاس بحيوية ونشاط أحزابه ؛ وقياسا على  هذه القاعدة العامة  فان المسافة بين واقع أحزابنا السياسية وبين القيم التي نتطلع اليها أو ينادي بها من يتحدثون باسمها ، مسافة تكاد تكون في بعد المشرقين كما يقولون !!
     التجربة الحزبية في الممارسة السياسية ، بمفهومها التقليدي ، بدأت عندنا منذ وقت مبكر قبل ينال السودان استقلاله ، وعلى الرغم من مضي نحو ستين عاما على ذلك الا أن أداءنا الحزبي ما يزال بائسا ؛ ولا يخفف من وطأة هذا الحكم قولنا أن التجارب الحزبية لم يكتب لها الاستمرار بسبب تقلبات الوضع السياسي وقيام أنظمة شمولية حكمت البلاد نحو نصف هذه المدة ؛ فالأحزاب ظلت تمارس نوعا من السياسة في كل العهود ، كما أن القيم التي نتحدث عنها من ديمقراطية داخلية وقيام مؤسسات منتخبة وممارسة الشفافية والقدرة على نقد الذات وتقديم البدائل ، قيم لا يأتي اكتسابها بطول البقاء فوق الأرض أو تحتها !!
   نحتاج الي جرأة في الطرح نقوم بها أداء أحزابنا ، ونحتاج أن نشيع داخل مؤسساتنا ومنظماتنا المدنية ، وبيننا ، القيم التي نأخذ على الآخرين  عدم الالتزام بها ، وليبدأ مجتمعنا السياسي مراجعة ومكاشفة لأدائه مثلما فعل المجتمع الصحفي ، ففي ذلك استبدال للأنفاس المسمومة المحبوسة داخله بنفس طبيعي يسهم في تجديد الدماء ؛ وان لم تفعل الأحزاب ذلك بمبادرة منها فالتمارس الصحافة دورها في التحريض على ذلك ، فكفانا جمودا وتكلسا !!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.