بسم الله الرحمن الرحيم

      يبدو أن الأستاذ فاقان أموم ، الأمين العام للحركة الشعبية قد وقع في شر تصريحاته ؛ فقد ظل الرجل منذ بروز مصطلح ( الدولة الفاشلة ) الي حيز الوجود والتداول الاعلامي ، وبالتزامن مع انتصاف الفترة الانتقالية في السودان  2005-2010 التي حددتها اتفاقية السلام الشامل ، يصر على وصف الدولة المركزية بأنها ( دولة فاشلة ) ، وكان يشير في ذلك في كثير من الأحيان الي فشل حزب المؤتمر الوطني في جعل الوحدة خيارا جاذبا للجنوبيين متناسيا ، في ذات الوقت ، أن هذه أيضا هي مسئولية الحركة الشعبية .
   انتهت الفترة الانتقالية بفشلها ونجاحاتها ، وحسمت نتيجة الاستفتاء لصالح اختيار مواطني جنوب السودان للانفصال والاستقلال بدولتهم الخاصة ، ولا يختلف عاقلان في أن الحركة الشعبية بجناحيها السياسي والعسكرى ، لعبت الدور الأبرز في الوصول الي هذه النتيجة ؛ وهو أمر يحسب لها أو عليها ، كيفما كانت الزاوية التي ينظر المرء بها للأشياء . ولا شك أيضا أن للأستاذ فاقان قدح معلى في ذلك .
     كان جنوب السودان ، منذ بدء سريان اتفاق السلام الشامل في التاسع من يوليو 2005 م ، ملعبا خاليا للحركة الشعبية ، وكان من المؤمل والحال هكذا ، أن تقدم الحركة الشعبية لمواطني جنوب السودان خاصة وللسودانيين عامة نموذج الدولة التي تريد اقامتها ، والتي تجسد الأهداف التي حشدت أبناء الجنوب وبعض أبناء الشمال لحمل السلاح والقتال من أجل تحقيقها ؛ دولة العدالة والمساواة والحرية ، ودولة الأمان والاستقرار والنماء الاقتصادي ؛ وكان من المؤمل أن تكون سنوات الفترة الانتقالية الست كافية لأن تتحول الحركة الشعبية الي حزب سياسي مدني ينافس لكسب أصوات المواطنيين ولا يمتن عليهم  بارثه النضالي ، وأن تتحول الحياة في الجنوب الي حياة مدنية تتأسس فيها الحقوق على المساواة ونبذ التهميش ؛ لكن الذي يتابع تطورات الأوضاع في الجنوب منذ رجحان كفة الانفصال بعد اعلان نتيجة الاستفتاء ، لا يملك الا أن يتعجب !!
     ومن الكثير الذي يثير العجب نختار خبرا أشبه بالنكتة ؛ يقول الخبر أن وزارة الخارجية في دولة جنوب السودان قامت خلال الفترة الماضية ، بتعيين مائة وخمسة من الدبلوماسيين والسفراء للخدمة في سلك الدولة الوليدة  ، مائة منهم من قبيلة الدينكا ، وأنه عندما أبدى  الخمسة الذين يفترض أنهم يمثلون باقي قبائل الجنوب احتجاجهم  تم فصلهم وتعيين أبناء دينكا بدلا منهم . يحدث هذا ومن المفترض أن تستقبل الدولة الوليدة أكثر من مائة سفير ودبلوماسي كانوا يخدمون في السلك الدبلوماسي الاتحادي وتم استيعاب أكثرهم ضمن نسبة العشرين بالمائة التي كانت حددتها الاتفاقية لأبناء جنوب السودان ، وهم قطعا ليسوا كلهم  ، ولا حتى جلهم من أبناء قبائل الدينكا .
  ولو كانت دولة جنوب السودان ستستقبل قادمين اليها من فئة الدبلوماسيين فقط ، لقلنا أن السيد دينق ألور سينتظر القامين اليه من دولة الشمال بفارغ الصبر ليحسن بهم صورة وزارته تحت التأسيس ؛ لكن الذين ستستقبلهم الدولة الوليدة سيأتون من سلك الشرطة ومن القوات المسلحة ومن الأمن والمخابرات ، وسيأتون كذلك من دواوين الخدمة المدنية المختلفة ، بمن في ذلك نواب البرلمان ؛ فما الذي ستصنعه دولة جنوب السودان بكل هؤلاء يا ترى ، وكيف سيتم الفرز القبلي وسطهم ؟؟
     أهل الجنوب أدرى بشعابه ، ويبدو أن احساس الكثيرين منهم بأن ظلما وتهميشا ينتظرهم قد تبين صدقه ، فعادوا الي حمل السلاح في وجه الدولة التي طالما حاربوا من أجل اقامتها لرفع الظلم والتهميش عنهم ؛ فكانت هذه الانتفاضات المسلحة التي لم تقف عند حد جورج أطور وانما تعدته الى بيتر قديت وعبد الباقي أكول وآخرين ؛ الأمر الذي سيجبر الأستاذ فاقان – عاجلا أم آجلا – بالاعتراف بوجود قضية لهؤلاء وبأنهم ليسوا مجرد عناصر تخريبية يدربها ويسلحها الشمال نكاية في دولة الجنوب ؛ وسيجد الأستاذ فاقان كذلك نفسه مضطرا لادراك أن ادارة شأن دولة يختلف تماما عن ادارة شأن حركة تمرد مسلح !!
     دولة الجنوب الوليدة تفتقر الى كل شيء ؛ تفتقر الي البنى التحتية من طرق ومعابر ومطارات ومهابط ، وتفتقر الى خدمات الكهرباء والى شبكات مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي ؛ ومواطنو جنوب السودان يفتقرون الي بنيات وخدمات أساسية في مجال التعليم والصحة وكافة الخدمات الأساسية ؛ وهذه أشياء لا تقوم بين يوم وليلة لكن التخطيط لها والشروع في توفير الأموال اللازمة للبدء في تنفيذها ، يحتاج الى ادارة مستقرة ونظام مالى واضح وشفاف  وموارد ثابتة ومصادر دخل قابلة للتطوير والتنمية ، وكل هذا يحتاج الى استقرار سياسي واجتماعي ، واستنفار لطاقات وجهد جميع أبناء دولة الجنوب الوليدة .
  والمتأمل في ما يحدث بالجنوب الآن يجد أن عكس هذا هو الذي يحدث ؛ يكتب من يعتبر نفسه من الدينكا ، مقالا مطولا يتعرض فيه بالانتقاد والتهديد لقبيلتي النوير والشلك وليقول : ( حان الوقت للشلك ليتحولوا الي العقل ، والا فانهم سيطاردون حتى جبال النوبة أو العودة الى العبودية في الشمال ) وفق ما جاء في صحيفة خرطوم مونيتور بعددها بتاريخ الثاني والعشرين من مارس المنصرم ،  وذلك في سياق التعليق على النزاع المسلح الذي شهدته مدينة ملكال قبل نحو شهرين ؛ وتتحدث منظمات الاغاثة الدولية عن ما تعتبره مجازر ارتكبت وترتكب بحق المدنيين في اطار الصراع المتفجر  بين الفئات المسلحة المتمردة على حكومة الجنوب وبين الجيش الشعبي ؛ ويحدث هذا كله والدولة الوليدة تسابق الوقت لاعلان استقلالها رسميا !!
      لا أود تكرار الحديث عن فشل مشروع السودان الجديد الذي تبنته الحركة الشعبية ، فقد كتبت عن ذلك وكتب كثيرون غيري ، لكني أود أن أعلن خشيتي من فشل مشروع الدولة الوليدة في جنوب السودان ، فملامح الصورة التي  ترتسم أمامنا الآن ترجح هذا الاحتمال أيضا ، وتتشكل وقائع التاريخ يوما بيوم ، ويتخلق أمامنا في جنوب السودان – وبالعرض البطيء - مخلوق هو الدولة الفاشلة بكامل عناصرها ؛ وهو ما كنا نأمل ألا يقع فيه اخواننا الجنوبيون ، وأتصور أن الأستاذ فاقان الذي طلب كاتب الدينكا من  قبيلته ( الشك ) التزام العقل أو الاستعداد للمطاردة الى حدود النوبة ، تعقد الحيرة لسانه الآن !!
    قلنا من قبل ، ونكرر الآن ، أن الجنوب بحاجة الي الاستقرار الشامل واسكات صوت الرصاص بأكثر مما يحتاجه الشمال ؛ وأنه لا مفر لكلا الدولتين من الانخراط  في علاقات ايجابية وثيقة تمكنهما من تجاوز الصعوبات التي تستقبلانها ؛ ونقول أيضا أنه ما يزال بالامكان اعادة الدولة الجديدة الي المسار الصحيح وتوحيد وتوجيه جهود كافة أبناء الجنوب للبناء والاعمار ؛ وتقاسم ما هو متاح من موارد وفرص بميزان العدل والانصاف ، وتحت سمع وبصر المؤيدين والشانئين  !!
العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.