بسم الله الرحمن الرحيم

        يحكى أن ثلة من المغتربين السودانيين اجتمعوا في جلسة أنس يتسامرون ويتحدثون عن أشجان الغربة ولواعج فراق الأهل والأحباب ، ويستعرضون تجارب بعضهم الشخصية في القدرة على تحمل العيش بعيدا عن أوطانهم ؛ وبينما هم كذلك انبرى أحدهم متحدثا ومخففا عن الذين لم يمض على اغترابهم الا بضع سنوات ، قائلا ان آلام الفراق لا تلازم المغترب الا في السنوات العشر الأولى من سني غربته ، فاذا انقضت هذه العشر الأولى فستتلاشى آلام الغربة ويعتاد المرء على ذلك بقية السنوات !!
      تذكرت هذه القصة وأنا أطالع تصريحات منسوبة الى السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الطائفة الختمية ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل ، نشرت مطلع هذا الاسبوع ، وخلاصتها أنه انما قصد الابتعاد عن أرض الوطن - السودان ، لأنه لم يرد أن يحدث الاعلان عن انفصال الجنوب وهو – الميرغني - على أرض المليون ميل مربع ، وأنه ما يزال يؤمن بوحدة السودان ترابا وشعبا . وأعترف أني كدت أصاب بالدهشة والارتباك لما قرأت ، فقد بدا لي أن زعيم التجمع الوطني الديمقراطي المعارض – أتذكرون هذا الاسم – ما يزال غارقا في حلم ليلة صيف ، أو أنه صحا لتوه من نوم ممتد منذ العام 2005م !!
    في العام 1990 خرج مولانا محمد عثمان الميرغني من السودان مغاضبا ، بعد أن اطاح التغيير الذي قاده العميد – حينها – عمر حسن البشير ، بترتيبات ادخال البلاد تحت مظلة اتفاق الميرغني – قرنق الموقع في نوفمبر 1988 والذي قضى بالتخلص ، دون القول صراحة بذلك ، من القوانين التي اشتهرت بقوانين سبتمر1983 ، وقد شكل ذلك الاتفاق نجاحا سياسيا للحركة الشعبية استطاعت بموجبه شق الصف الشمالي الذي يتبنى الاطروحة الاسلامية في نظام الحكم ، واستقطاب زعيم الطائفة الختمية لصالح الاطروحة العلمانية .
      وقد تعزز هذا النجاح بما عرف بمذكرة الجيش المرفوعة لرئيس الوزراء حينها ، السيد الصادق المهدي ، في فبراير 1989 والتي كان من نتائجها اخراج الجبهة الاسلامية القومية من الحكومة الائتلافية التي كانت قائمة حينذاك ؛ وهو الخروج الذي يرى محللون سياسيون أنه كان السبب الرئيسي في قرار التيار الاسلامي بتأييد ودعم تغيير السلطة القائمة على التعدد السياسي بالوسائل العسكرية ، وتلك قصة تطول .
     ترأس مولانا الميرغني عقب خروجه ما عرف بالتجمع الوطني الديمقراطي السوداني المعارض والذي تشكل في 1993 وضم حزب الأمة والحركة الشعبية وتيارات من اليسار أبرزها الحزب الشيوعي ومنسوبيه ممن عرفوا أنفسهم بقوى التجمع النقابي ، فضلا عن شخصيات وقوى جهوية أخرى ؛ ودخل زعيم الختمية بذلك معترك السياسة من أوسع أبوابه ، وأصبح يطوف بالعواصم العربية والافريقية والدولية مستقطبا للدعم السياسي لصالح الاطاحة بحكم الانقاذ الوطني ومعززا من نفوذ الحركة الشعبية في الشمال ؛ ويذكر المرء هنا مقولته المشهورة ( سلم تسلم ) وذلك حين قامت السلطات الاريترية بتسليم التجمع مقر السفارة السودانية في أسمرا !!
      في العام 1995 وقعت قوى التجمع الوطني الديمقراطي مجتمعة ، على وثيقة ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية ؛ وفي ذلك الميثاق أقر التجمع الذي يترأسه مولانا الميرغني ، بحق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم ؛ وبعد عامين من ذلك وقعت حكومة السودان اتفاقية الخرطوم للسلام في 1997 مع فصائل منشقة من الحركة الشعبية اعترفت فيها بحق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم مؤكدة بذلك ما سبق وأن التزم به مفاوضوها في فرانكفورت بألمانيا في 1993 م ؛ وبعد نحو عشر سنوات من اتفاق أسمرا للقضايا المصيرية وقعت الحركة الشعبية ، وهي ما تزال عضوا في التجمع الوطني ، مع حكومة السودان اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يناير 2005م .
     طوال خمسة عشر عاما 1995 – 2010 وبرغم كل تلك المياه التي جرت تحت جسر الوحدة الوطنية ، لم ينسب الى زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي ومرشد طائفة الختمية ، قول يرفض فيه حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان أو يعارضه ، لا جهرا ولا سرا ؛ ولم يبد الرجل تبرمه من انفراد الحركة الشعبية بالتفاوض مع حكومة الانقاذ ، بل اعتبرها تفاوض بدلا عن التجمع ؛ والحال هكذا فقد كان من المتوقع أن يكون الميرغني أول المهنئين لأهل الجنوب باختيارهم الحر لمصيرهم الذي يرتضونه ، باعتباره الزعيم الشمالي المحبوب لدى ستة ملايين من شعب جنوب السودان ؛ أما أن يأتي اليوم ليقول أنه خرج من السودان حتى لا يشهد قرار اعلان انفصال الجنوب فهذا ما يجعلنا نشفق أكثر على مستقبل الرجل السياسي ومستقبل الحزب الذي يقوده .
    اذا سارت الأمور وفقا لمقتضى الاتفاق ، فان دولة الجنوب سترفع علمها الجديد وتعزف نشيدها الوطني في السابع من يوليو القادم ؛ وهذا يعني أن مولانا محمد عثمان الميرغني سيمدد اقامته بالخارج حتى ذلك التاريخ ؛ وحين يصبح الانفصال واقعا على الأرض لا مجرد اتفاق ونتائج استفتاء ، فهذا قد يرجح استنتاج أن الرجل لن يعود لوطنه ( القديم ) أبدا ؛ وسيظل منتظرا نحو اثنين وأربعين عاما ، مثل ابن الملك ادريس السنوسي في ليبيا ، لتقوم في السودان ثورة تعيد شطرى الوطن الى الوحدة مجددا !!
   ولو كان الأمر يتعلق فقط بشخص مولانا محمد عثمان الميرغني لسألنا الله أن يمد في عمره ويبارك في هرمه حتى يحضر تلك اللحظة التاريخية ؛ لكن الأمر يتصل أيضا بمصير حزب سياسي تاهت تياراته وقواه المجتمعية ، وظل ينتظر قيام مؤتمره العام لأكثر من أربعين عاما ، حتى يجدد الثقة في قيادته التاريخية – كما فعل السادة الشيوعيون – أو يختار قيادة جديدة تضخ الدماء في شرايينه التنظيمية وتعيده الي دائرة الفعل السياسي المؤثر من جديد ؛ وقد يتخلى زعيم الطائفة وأبنائه حينها عن فكرة التوريث ويكتفون بدور الرعاية الروحية كما تطالب بعض تيارات الحزب .
    انني أتمنى – وقد مضت عشرون عاما على خروج مولانا الميرغني لبلاد الاغتراب - أن لا تمر العشر الثوالث لاغتراب الزعيم الديني  وهو بعيد عن وطنه ومريديه ومناصريه ، ففي الداخل هنا  فرص أكثر للتأثير على مجريات الأحداث التي تشكل مستقبل الوطن أو تؤثر فيها ، حتى لو بلغ هذا التأثير عودة الجنوب الى الوطن الأم كما عادت هونج كونج للصين !!
العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.