بسم الله الرحمن الرحيم


       حملت صحف الاسبوع الماضي أخبارا من شأنها أن تدخل السرور في نفس أي شخص يعمل في مجال الاعلام ، فقد نسبت تلك الصحف افادات  للدكتور محمد عوض البارودي وزير الثقافة والاعلام والسياحة بولاية الخرطوم  قال فيها أن وزارته كادت أن تستكمل خطوات قيام مدينة اعلامية ، وأن المشروع سيكون شراكة مع مدينة الفجيرة الاعلامية ، وأن  ولاية الخرطوم  وافقت على منح المشروع أرضا على  مساحة مائة ألف متر مربع ويشمل قيام  استوديوهات للبث الاذاعي والتلفزيوني والتصوير السينمائي وفندق خمس نجوم  ومواقع سياحية للأسر .
    ولا شك عندي أن السودان  مؤهل ، من حيث الموقع الجغرافي ، لاقامة مدينة اعلامية على ترابه تقدم خدماتها لعدد كبير من المؤسسات الاعلامية في القارة الافريقية  أو للمؤسسات العالمية التي تهتم بقارة افريقيا  اعلاميا ؛ وقد سبق أن تبنت وزارة الثقافة والاعلام ، وقتها ، في خطتها الاستراتيجية أواخر تسعينيات القرن الماضي ، جعل السودان منطقة جذب اعلامي ، وذلك على أيام الدكتور غازي صلاح الدين ، وكان هذا يعني – ضمن أمور أخرى – توطين صناعة الاعلام ، وجذب استثمارات كبيرة في هذا المجال ؛ لكن تلك الخطة ، ولأسباب قد لا يتسع المجال هنا لذكرها ، لم تجد حظها من التبني والتطبيق ولا حتى من التفصيل .
   ولو أن اعلان السيد الوزير البارودي وقف عند حد النوايا ، لاعتبرناه  مداعبة لأحلامنا ولرفعنا أكفنا الي السماء داعين له بالتوفيق والنجاح ، ولقلنا ان في الأمر ما يشير الى رغبة الدولة في نفض الغبار عن تلك الأفكار العتيقة ، واعادة التخطيط بذلك الاتجاه ، لكن الأمر بدا أكثر جدية خاصة وأنه نسب الى السيد الوزير أنه أطلع مجلس وزراء الولاية بفحوى مباحثاته في امارة الفجيرة ، فبارك المجلس الخطوة ، وباركها كذلك السيد نائب رئيس الجمهورية ؛ ومن هنا يمكننا اعتبار أن الأمر لم يعد مجرد أفكار أو خواطر ، وانما دخل أو كاد مراحل التنفيذ العملي ؛ وعلى هذه الخلفية أحسست أن مساحة الفرح والسرور  داخلي تتقلص لصالح مساحة القلق !!
     ان انشاء مدينة اعلامية ، حتى لو كانت مساحتها بحجم مدينة الفجيرة ، هو بتقدير الخبراء  لا يعني فقط تخصيص قطعة أرض ، بل يعني كذلك حزمة من الاجراءات الادارية والقانونية ، يتعين البدء بها وانجازها قبل تقديم الدعوة لهذا الطرف أو ذاك للقدوم والاستثمار في تلك المدينة ؛ ومن ذلك قوانين الهجرة والاقامة  ، وقوانين التملك والاستثمار ، وما يتصل بذلك من اعفاءات ضريبية  وجمركية ؛ فضلا عن أوضاع الحريات العامة وعلى رأسها حرية الاعلام والتعبير والنشر ؛ فهل جهزت ولاية الخرطوم مواعينها لكل هذا قبل تقديم الدعوة للمستثمرين من مدينة الفجيرة الاعلامية ؟؟ وهل مدينة الفجيرة الاعلامية نفسها هي الشريك الأنسب في حال كانت اجابة الولاية بنعم ؟؟
    أستطيع القول ، ودون تردد أو مغالطة ، أنه لا الحكومة الاتحادية ولا حكومة ولاية الخرطوم  جاهزين لاطلاق مشروع كهذا ، وليس سرا أن مشروع المدينة الاعلامية الذي تتبناه وزارة الاعلام الاتحادية لا يزال يراوح مكانه منذ نحو عام ، وأن أصحاب ذلك المشروع لم يستطيعوا الوفاء حتى الآن بمستحقات الاستشاري الذي صمم الخرط الخاصة بتلك المدينة الواقعة على الضفة الغربية للنيل الأبيض شمال الطابية ، دعك عن البدء في قيام المشروع نفسه ؛  ويكفي كذلك النظر الى حال مؤسسات الاعلام الاتحادي أو الولائي عموما ، من حيث الامكانات المادية والبشرية والبنيات الأساسية ،  لنحدد مدى الجاهزية لاطلاق مدينة اعلامية من عدمه .
     لكن دعوني أفترض أن كل هذا الذي أقول مجرد تخرصات ، واجترار لتجارب لم يحالفها النجاح من قبل ، وأن ولاية الخرطوم حزمت أمرها وأعدت عدتها ورتبت أوضاعها الادارية والقانونية ، ، فهل يكفي هذا وحده لاقامة مدينة اعلامية في الخرطوم كتلك التي في عمان أو القاهرة أو دبي ؟

        ان صناعة الاعلام  لم تعد فقط ، بنيات سياسية وأساسية وقانونية تمنح حرية التملك والتنقل والتعبير، وولاية الخرطوم ليست كامارة الفجيرة بحيث يصبح بوسع السلطات فيها  أن تمنح تأشيرة الدخول للسودان وتعطي حرية  الاقامة والتملك لمن يأتيها مستثمرا ، وتمنح الاعفاءات الضريبية والجمركية ، ولا ينبغي أن يغيب عنا أن الذين اختاروا الاستثمار في مدينة الفجيرة الاعلامية ، انما كانوا يستهدفون بدرجة أساسية الاستفادة من مناخ الاستثمار عموما ، ومناخ الاستثمار في صناعة الاعلام في دولة الامارات العربية المتحدة ، وهو مناخ يصعب المقارنة بينه وبين مناخ الاستثمار في بلادنا .
            أن صناعة الاعلام أصبحت مرتبطة كذلك بالمال وبحسن الادارة ؛ ومن حسن الادارة الاختيار الأوفق للشركاء ، بحيث نتبين مقدرتهم على الوفاء بمتطلبات اقامة المشروعات المعنية ؛ وفي هذا الصدد دعوني أقول أيضا ، وبكل أسف ، أنه لا امارة الفجيرة ولا مدينتها الاعلامية ، تمتلكان القدرات المادية للوفاء بالشق المالي من هذا المشروع ، والذي قيل أنه يبلغ ثمانمائة مليون دولار؛ هذا طبعا بافتراض أن ولاية الخرطوم ستفي بنصيبها من هذه الشراكة بتخصيص الأرض ، وستمنح كل التسهيلات الأخرى .
     الفجيرة سيدي الوزير امارة تعتمد في ميزانيتها على الدعم الاتحادي ، الذي يأتيها من أبوظبي ؛ وقد استفادت من طبيعة النظام الاتحادي الاماراتي فأنشأت منطقة حرة خاصة بها ، كما في دبي والشارقة ، وأقامت عليها مدينتها الاعلامية ، وقد حققت المدينة الاعلامية في الفجيرة نجاحا معقولا بالحصول على منصة فضائية من القمر عربسات أطلقت منها القنوات التي استضافتها ، واكتسب العاملون فيها ، وبينهم سودانيون ، خبرات جيدة في ادارة المناطق الاعلامية ؛ لكن مدينة الفجيرة الاعلامية – كحال عدد من الاستثمارات الأخرى في الامارات – تأثرت بالأزمة المالية العالمية ، وتراجعت قدراتها ؛ وربما كان هذا هو أحد أسباب بحث ادارتها عن اسثمارات اضافية ، ولها في ذلك الحق كله .
    لكن الذي يعنينا في هذا تحديدا ، هو ما قلناه من أنه لا الامارة ولا مدينتها الاعلامية تملكان القدرة المالية للوفاء بذلك المبلغ التي ذكرتم ، لا دفعة واحدة ولا حتى على دفعات ، ولك سيدي الوزير أن تخضع هذا الزعم الى الدراسة العلمية لتتحقق منه ؛ والحال هكذا ؛ فالراجح أن الشريك الذي طرحتم ، سيحمل أوراق الشراكة ويبحث بها ولها عن ممولين ، كما فعلت عارف مع سودانير ؛ وهو جهد كان يمكن اختصاره بالاتفاق منذ البداية مع شريك استراتيجي صاحب مقدرة مالية لا يرقى اليها الشك .
  أننا بقدر فرحنا بتبني مشروع مدينة اعلامية ، تجذب الاستثمارات ، وتستوعب الكوادر السودانية المحلية ، وتعيد الي الوطن أولئك الذين هاجروا بحثا عن فرص وخيارات أفضل ؛ بقدر ما نحرص على ألا يولد مشروع كهذا ميتا ، أو أن يوضع في الحاضنة محتضرا مع ميلاده ؛ ولذلك نأمل أن تأخذوا من كلامنا هذا ما قد يصلح لمشروعكم الذي تتبنون .
العبيد أحمد مروح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.