بسم الله الرحمن الرحيم

    أحيانا ، يحار المرء في تقديرات أهل السياسة في بلادنا ، وبخاصة المعارضين وتشخيصهم للمشكلات الرئيسية التي ظل  يعيشها الوطن  منذ فجر الاستقلال  ، حتى لكأنه يكاد يرجح لديه الظن ، أن هنالك من ضعف الجدية أو الارادة ، ما يوازي حجم المشكلات القائمة ؛ وما هذا الا تجنبا لاتهام ساستنا وكبرائنا ، الذين تعاقبوا على المشاركة في حكم البلاد منذ الاستقلال ، باستبدال أجندة الحوار التي يتطلع الناس لكي يسمعوا مواقفهم منها ، بمجرد ندوات سياسية ومؤتمرات صحفية ، أو بدخول غرف وصالونات التفاوض ،  بأجندة أخرى غير تلك التي يعلنونها ، سمها ان شئت بالأجندة الحزبية الضيقة أو بالشخصية !!
      فمنذ أن بدأ هذا العام ، وتحديدا منذ بدا واضحا أن عمليات التصويت في استفتاء تقرير المصير لمواطني جنوب السودان ستنتهي الي اختيار الانفصال بأغلبية واضحة ، والقوى السياسية في الشمال ، حاكمة ومعارضة ، تجدد الحديث عن قضايا  للهم  الوطني تتشكل بموجبها أجندة الحوار في المرحلة الحالية ؛ وعلى رأسها صياغة دستور دائم للبلاد  بديلا عن الدستورالمؤقت الحالي ،  وحل مشكلة دارفور  ثم تشكيل حكومة تنهض بمهام المرحلة وتحقق أكبر قدر من الاجماع السياسي ، فضلا عن استكمال بقية مراحل التحول الديمقراطي ، وترسيخ تجربة التداول السلمي للسلطة .
     هذه القضايا وغيرها ، ليس فيها جديد ، فقد ظل أغلبها مطروحا على الطاولة منذ وقت بعيد ، والذي كان يتوقعه المرء هو أن ينكب الساسة من أهل الشمال على بحثها ، على الأقل منذ أن أصبحت نتيجة الاستفتاء شبه محسومة لصالح انفصال الجنوب ، وأن يصلوا فيها اما الى اتفاق يعلنونه على الناس كافة ، واما الي خلاف كلي أو جزئي يعلنون علينا كيفية التعامل معه بشكل ديمقراطي سليم ؛ حتى تتفرغ طاقات البلاد والعباد للبناء والتعمير وهم يستقبلون  قيام دولة الجنوب ، بشكل رسمي ، في التاسع من يوليو القادم ؛ لكننا بدلا من ذلك ظللنا – كما يقول المثل – نسمع جعجعة ولا نرى طحينا !!
   صحيح أن الحوار بطبيعته – اذا ما أريد له أن يكون مثمرا - لا يقوم به طرف واحد ، فأحزاب الحكومة لا تحاور نفسها وأحزاب المعارضة لا تفعل ذلك ؛ وصحيح أيضا أن فصائل من المعارضة ظلت تعتقد وتعمل – طوال العقد المنصرم - على أن تكون النتيجة المتوقعة لأي حوار تجريه مع الحزب الحاكم هو أن ينسحب هذا الأخير من مسرح الأحداث تماما ، وهو سلوك يمكن أن نطلق عليه أي صفة أخرى بخلاف ( الحوار ) ؛ لكن الصحيح أيضا أن صورة ما يحدث الآن ، وما يريده كل طرف ، ونتائج ما يطلقون عليه حوارا ، يشوبها الكثير من الغموض والضبابية ، في حين أن الوقت يمضي بنا حثيثا نحو التاسع من يوليو .
   في قضية الدستور مثلا ، نجد أحد أوضح الأمثلة على ما ذهبنا اليه ؛ ذلك أنه لا خلاف حول كون الدستور الحالي دستور مؤقت وانتقالي وهي الصفة المنصوص عليها في متونه المختلفة ؛ وما دام الأمر كذلك فهناك اذن نية وارادة لسن دستور دائم ، وهذا أيضا مما لا خلاف حوله ؛ وما دام الدستور المؤقت الحالي قد شارك في صياغته واجازته جميع أنواع الطيف السياسي تقريبا ، سواء من خلال المفوضية القومية للمراجعة الدستورية أو عبر المجلس الوطني السابق ، فليس من المرجح أن يكون الخلاف حول التوجهات الرئيسية للدستور القادم خلافا ذا شأن ؛ فالأساس الذي تقوم عليه الحقوق هو المواطنة ، وكذا الحال بالنسبة للنظام الرئاسي ، والحكم الفيدرالي والعلاقات الخارجية ؛ واذا كان هذا التقدير قريبا من الصواب فان نقاط الخلاف ستصبح اقرب الي التفاصيل ، من مثل كيفية تشكيل الهيئة التي تضع مقترحات ما يحذف أو يضاف لوثيقة الدستور ، ثم الكيفية التي سيكتسب بها الدستور الرضى والقبول الشعبيين ؛ فهل هذه قضايا يصعب الوصول لاتفاق حولها ، وتحتاج لكل هذا الوقت وتلك التحركات الماكوكية ؟؟
      هل يصعب أن تطلب الدولة وحزبها الحاكم من جميع القوى السياسية والمدنية في الشمال ابداء ملاحظاتها كتابة على وثيقة الدستور الحالية ، وتحيل ذلك كله للجنة من الخبراء تقوم باعداد المسودة قبل النهائية (؟) وهل يصعب أن يتفق السياسيون على اجازة الدستور القادم من خلال استفتاء شعبي تتوافق جميع الأطراف على ضمانات نزاهته (؟) وهل يصعب أن يخرج علينا هذا الطرف أو ذاك ليقنع الرأي العام بأنه أعطى ولم يستبق شيئا في سبيل تحقيق الاجماع لكن الآخرين زايدوا عليه وأرادوا افشال جهوده ؟؟
   لست ممن يعتقدون أن حل قضايا السياسة المعقدة كالتي تعيشها بلادنا ، أمر سهل كشرب كوب الماء ، أو حتى ككتابة المقال الصحفي ؛ لكني ممن يعتقدون أن التعامل الديواني معها على طريقة : ( دخلت نملة وأخذت حبة وخرجت ) يسهم في التعقيد بأكثر مما يقربنا للحلول ، ويتيح فرصا ذهبية للصائدين في المياه العكرة ، من أهل الداخل والخارج ، أن يزيدوا مساحات عدم الثقة  على حساب مساحات التواصل الانساني الذي عرفت به السياسة في بلادنا .
     الآن تلوح في الأفق فرص جديدة ، ليس لأحد من البشر فضل فيها ، اذ لطالما استقوت أحزاب المعارضة السودانية  بالقوى الخارجية ممثلة في عدد من أنظمة الجوار الجغرافي وعدد من الدول في ما وراء البحار ، وأسهم ذلك في جعل الحوار بنظر كثيرين من هؤلاء مجرد أداة لكسب الوقت ، وقد بات واضحا أنه من نعم الله على أهل السودان أن الأنظمة التي طالما استقوى بها المعارضون ذهبت الى مذبلة التاريخ ؛ وأصبح المصدر الوحيد للاستقواء – من بعد الله لمن يعتقدون في ذلك – هو الشعب السوداني ، الذي طالما ناضل المناضلون وجاهد المجاهدون باسم مصلحته العليا .
     الفرص التي نتحدث عنها ، لا تعني انتهاز فرصة انكشاف ظهر المعارضة للانقضاض عليها ؛ ولكنها تعني التأسي بما فعله الرسول الأعظم يوم دخل مكة فاتحا ، ونظر الي أهلها فقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء ؛ والترجمة العملية لتلك الأسوة في ما نرى ، هي أن يجدد السيد رئيس الجمهورية وقيادة حزب المؤتمر الوطني الدعوة الصادقة لرموز البلاد وقادة المجتمع ؛ أن تعالوا نبني سويا ما بقي من بلادنا ونحرس ونحفظ مصالح شعبا في الاستقرار والنماء والعيش الكريم ؛ ولا أشك في أنهم يستطيعون فعل ذلك من دون الحاجة الي ( قومة وقعدة ) !!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.