بسم الله الرحمن الرحيم

       تكاد موجة الأحداث والتحركات الشعبية في محيطنا الاقليمي تجرف كتاب الصحافة عندنا وتصرف تركيزهم بعيدا عن  الأحداث التي تعيشها بلادنا أو تستقبلها ؛ وان كان البعض يجهد نفسه لاثبات أن  تلك الأحداث وبخاصة ما حدث في تونس أو مصر هو قدر محتوم  سيحدث في جميع البلاد العربية وعلى رأسها السودان ، وقد بدا  – هذا البعض – وكأنه يرغب أن يسجل في وقائع التاريخ سبقا في التنبؤ بذلك !!
     ومن غير تقليل من أهمية ما يحدث حولنا ، وامكانية تأثرنا به مدا وجزرا ، نقول ان أحداثا جساما يعيشها وطننا ( الأم ) كان ينبغي أن تأخذ هي وتداعياتها ، الحيز الأكبر من الاهتمام والتناول الاعلامي وتحتل العناوين الرئيسية دون غيرها ؛ وأبرز هذه الأحداث هو ما تم اعلانه بالأمس – رسميا – من انفصال جنوب السودان ، وما يتصل بذلك من تفاصيل لا حصر لها تبدأ من الكيفية التي يتم بها ترسيم الحدود وقسمة تركة الدولة الحالية أصولا وديونا ، ولا تنتهي عند وضع قائمة طويلة من  الأغنيات والأشعار التي شكلت وجدان الكثيرين  من أهل السودان على الرف أو الارشيف ؛ وأبرزها ( من حلفا لي نمولي ... من نمولي لي حلفا ) !!
      في خضم هذه التداعيات ، تداعى نفر من شباب الصحفيين في بلادنا للدعوة الي التوافق على خطاب اعلامي ، يأخذ بعين الاعتبار ما تستقبله بلادنا من أحداث ( ليس من بينها الانتفاضة الشعبية ) ويؤسس لمرحلة جديدة ، أبرز معالمها انقسام ( السودان القديم ) الي دولتين ، في ظل بقاء القائمة الطويلة من القضايا العالقة التي أشرنا اليها اجمالا ؛ وقد جاء تحرك هؤلاء الشباب ممن يعملون في الصحافة السودانية وبمختلف خلفياتهم الفكرية ، ومدارسهم المهنية ، وهم يملؤهم القلق على مستقبل بلادهم التي تكاد تتعافي  لتوها  من حرب أهلية طويلة ؛ جاء تحركهم على طريقتهم الخاصة .
     العنوان الذي تداعى حوله شباب الصحفيين ، وناقشوه مع شيوخهم يوم الثلاثاء الأول من فبراير الجاري ، في احدى قاعات المركز القومي للانتاج الاعلامي بالخرطوم ، هو ( خطاب التعايش السلمي في مرحلة ما بعد الانفصال ) ولعل هؤلاء  الشباب ومن خلال ممارستهم لواجبهم المهني في التغطية والكتابة الصحفية ، لاحظوا أن في صحافتنا خطابا  من شأنه أن يبقي  مجتمعنا في حالة الاحتكاك والتوتر ، ويعزز مفردات  الكراهية والاقصاء جهويا وعرقيا ودينيا وحتى سياسيا ، فتداعوا الي طاولة حوار مستديرة استهل الحديث فيها البروفسور علي شمو والأساتذة محجوب محمد صالح والصادق الرزيقي وفيصل محمد صالح ، ثم انداح الحديث ليمسك بالميكرفون خالد البلولة ورحاب طه وآمال عباس وبخيتة أمين ومحمد عثمان أدروب وغيرهم  .
     المتحدثون من شيوخ الصحفيين ، اجتهدوا في تذكيرنا بأصول المهنة التي ننتمي اليها وبأن حقنا كصحافة في تلقي المعلومات ونشرها ، هو في الأصل مستمد من حق شعبنا  في المعرفة ، وأن سعينا كصحافة وراء معرفة ما يدور حولنا ، وعكس وجهات النظر الخاصة بأي حدث يصلح أن يكون خبرا ،لا ينبغي أن يكون بلا سقوفات ، فالحرية ليست قيمة معلقة في الهواء وانما هي كائن حي  مرتبط بتكوين المجتمعات وأسلوب حياتها ، بل وبطبيعة الأحداث التي تدور فيها .
    والأحداث التي تدور في بلادنا ، جعلت أحد المتحدثين ( الأستاذ فيصل محمد صالح ) يذكرنا بأننا دولة ومجتمع يعيشان في مرحلة ( ما بعد النزاع ) بل نحن – والحديث له – نعيش حالة مزدوجة  اذ في حين ينتهي النزاع في الجنوب بصيغة سلمية نجد أن النزاع في دارفور لم تكتب له هذه النهاية ( السعيدة ) بعد ، والحال هكذا ينبغي أن تكون لنا حساسية اضافية تجاه مدلولات الجمل والمفردات التي نستخدمها في خطابنا الاعلامي ؛ وذهب بعض المتداخلين أبعد  من ذلك للمطالبة بتواثق الصحفيين على القيام برقابة ( صحفية ) على تصريحات بعض السياسيين المتفلتة ، سواء لجهة التحقق أكثر من نسبتها الى الكيانات السياسية التي ينتمون اليها ، أو لجهة استبعاد العبارات التي قد تثير الفتنة أو الكراهية اذا ما وردت على لسان أحد الفرقاء !!
     صحيح أن ما أسميناه بمفردات  الاقصاء والكراهية ليست هي السائدة في صحافتنا اليوم ، ولا في وسائل اعلامنا الأخرى ، لكن الصحيح أيضا ان عين المراقب العادي لأدائنا الاعلامي لا تخطئها ، وفي ظني أن مصدر القلق من ذلك ليس مرتبطا باحتمال اتساع حجم دائرتها بقدر ما هو مرتبط  بالخوف على المستقبل ، في ظل حالة التوتر وضعف الثقة – ان لم نقل انعدامها – في مجتمعاتنا في شمال السودان وجنوبه ؛ وهي مجتمعات ظلت تتعرض ولعقود من الزمان للتعبئة للحرب بينما لم تحظ بعشر ذلك تعبئة للتعايش السلمي .
    ولئن كان  أهم  أسباب انعدام الثقة أو ضعفها بين الشمال والجنوب ، قد زال الآن ، بعد أن تأكد الاخوة الجنوبيون أنه لا أحد في الشمال ، حاكما أو معارضا ، يرغب في الوقوف أمام ارادتهم ورغبتهم في بناء دولة خاصة بهم ، فان أسبابا مهمة في مسار التسوية ما تزال عالقة ، ويتعين أن يتعامل الاعلام مع تطوراتها وتداعياتها بقدر كبير من المسئولية حتى لا نعود لمربع التوتر والنزاع ؛ ثم ان الحاجة الى التخلي عن خطاب الاقصاء والكراهية ليست أمرا مقصورا على العلاقة بين الشمال والجنوب فحسب ، بل هي أمر مطلوب في علاقات الجنوب - الجنوب ، وعلاقات الشمال - الشمال ؛ فما يزال المرء يلحظ الخطاب المتشبع بلغة الاقصاء سائدا في كتابات المعارضين للحكم الحالي من أهل الشمال ؛ وكأن الديمقراطية التي يرغبون فيها لا تقوم الا اذا توارى نظام الانقاذ ورموزه عن الساحة والأنظار !!
      نحتاج جميعنا أن نقتنع بأن السودان بحاجة لجهد أي فرد من أبنائه ، وأن صدور أبنائه هؤلاء من الاتساع بحيث يمكنها تقبل الآخر والعيش معه ؛ ونحتاج أن نقتنع بأنه يمكننا أن نعبر عن وجهة نظرنا ومواقفنا السياسية ، مهما كانت حدتها ، بلغة مهذبة ورصينة ومسئولة ؛ فالمستقبل لا نصنعه بمجرد الخوف من المجهول ، أو بالاجتهاد في سد الذرائع فقط ، وانما نصنعه أيضا  بجلب المصالح ، ومن المصلحة التأسيس لخطاب جديد في اعلامنا الوطني .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.